العسارة في التعليم.. نماذج من الأعلام

كتب بواسطة: أ. د. محمد الجهني | في اجتهادات . بتاريخ : May 24 2012 | العدد :64 | عدد المشاهدات : 2433

العسارة في التعليم.. نماذج من الأعلام

نسخة للطباعة
تتفاوت طبائع الناس وتتباين، ولكل واحد منهم حظه من طبع يشاكله فيه آخرون ويباينه فيه آخرون، ولعلك إن لجأت إلى السبر والتقسيم تستطيع أن تسبر طبائع الناس وتقسمها ثم تصنف على أقسامها آحاد الأخلاق، وإذا سبرت إلى ذلك مرويات التاريخ من سير الأفراد، فستجد أن الناس من لدن آدم حتى يومك الذي أنت فيه لا تخرج طبائعهم عن الأقسام التي أثمرها السبر، وستجد أن هذه  الانقسام لا يميز بعضها عن بعض إلا نوع الطبع وجنس المزاج، لا يميزها نسب ولا مال ولا صنعة ولا علم ولا زمن ولا مكان، ولا شئ  سوى جنس الطبع، وستجد أنه يشترك في كل جنسِ أوزاعٌ من الناس، نوَّعتهم المهن، وميَّزت بينهم الهيئات الاجتماعية، وباعدت بينهم المنازل الاقتصادية، وصنَّفتهم الرتب العلمية، وفرقتهم الأزمنة والأمكنة، ولكن جمعهم نوع الطبع وجنس المزاج.
فضيق الخلق وشراسته -مثلاً- كما تجده في الوضيع تجده في النسيب، وكما تجده في الصعلوك تجده في آحاد الملوك، وكما تجده في الجاهل تجده في العالم، وإن بدى لك بادئ الرأي أن الوضيع والصعلوك والجاهل هم أهله لأنه بهم ألصق، وأن النسيب وواحد الملوك والعالم ليسوا من أهله لأنهم بضده أليق، إلا أن حقيقة الأمر أنهم جميعا ليسوا أهله الأخصون به، ولكنه يكون في آحادهم من غير أن يختص بمرتبة من مراتبهم، ويكون كذلك في غيرهم، إلا أن هيئة ظهوره في كل مرتبة من مراتبهم تباين هيئة ظهوره في أضدادها، و لكن النوع واحد هو:" ضيق الخلق وشراستة" والوصف لكل من طبع عليه منهم واحد وهو:" فلان ضيٌق الخلق شرس" ، والذم الذي يلحق هذا الطبع يلحقه سواء كان في وضيع أو في نسيب، في صعلوك أو في ملك، في جاهل أو في عالم.
وإليك مثال يجدر ضربه هاهنا لتقرير هذه الفحوى:
ثمة ظاهرة في الحياة العلمية تتوالى ملاحظاتها مع الأجيال في كل زمن ووطن، وتسجلها ملاحظات الراصدين الشخصية، أو رواياتهم العلمية، أو تدويناتهم التاريخية.
هذه الظاهرة هي ظاهرة ( العسارة في التعليم ) والعسارة هي: ضيق الخلق وعسر الإفادة بالعلم والضن به عن البذل.
وإنما كانت ظاهرة ترصدها الملاحظات، لمخالفتها الأصل الذي ينبغي أن يكون عليه المعلم، من سخاء نفس في بذل العلم وإقبال منشرح لتأديته، وإلا فما موقع الوصف بـ" مُعَلٌم " إذاً ؟!.
ولكن هذا الذي هو الأصل في العلم ليس هو الأصل في الإنسان، بل مقتضى البشرية موجب أن يكون في المعلمين من طُبع على ما يضاده ولابد، والمعلمون لا يكونون إلا من البشر.
ولذلك وجدنا كتب تراجم الأعلام تدون ملاحظة هذا الخلق في سير الشيوخ حيث وُجدت فيهم، فهي  لا تترك من عُرف بالعسارة في التعليم حتى تخط ذكر ذلك في ترجمته.
وقد سجلت كتب التراجم العسارة في التعليم في سير أئمة في الدين والعلم، وسادة من سادة رواية الحديث النبوي الشريف، ولك أن تقلِّب ناظريك -على سبيل المثال- في كتاب التراجم الحافل (سير أعلام النبلاء) للذهبي ، لتجد أنه سيطول منك الحصر لمن وُصف بالعسارة في الحديث طولاً يُغري بتجريد مُصنَّف لطيف في ذكر العسيرين في الرواية وتقييد أخبارهم في ذلك.
وتفجؤك القائمة بأسماء لها ثقلها المدَوُي في العلم، وتنبئك الروايات عن صور من عسارة هذه الأسماء الكبيرة الجليلة ما كانت لتخطر على بالك قط لولا أنك رويتها.
ومما يمر بك ــ مثلاً ـ:
· كانت في أبي بن كعب رضي الله عنه شراسة، فكان زر بن حبيش إذا أراد سؤاله تلطفه، وقال له: اخفض لي.
· كان في نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما حدَّة، وكان مالك يلاطفه ويداريه، وقال أبو أويس: كنا نختلف إلى نافع وكان سيئُ الخلق، فقلت ما أصنع بهذا العبد؟ ! فتركته ولزمه غيري فانتفع به.
· قيل لإياس بن معاوية: أي أهل مكة رأيت أفقه؟ أسوؤهم خلقا. عمرو بن دينار الذي كنت إذا سألته عن حديث يقلع عينه.
· كان الأعمش عسراٌ سيئُ الخلق، وله في ذلك أخبار تطول، جاءه مرة رقبة يسأله فكلح وجهه، فقال له رقبة: أما والله ما علمتك لدائم القطوب، سريع الملال، مستخف بحق الزوار، لكأنما تُسعط الخردل إذا سُئلت الحكمة. قال صدقة بن عبد الله: قدمت الكوفة فأتيت الأعمش فإذا رجل غليظ ممتنع.
· قال يحيى بن سعيد: كان ابن أبي ذئب - (فقيه المدينة) عَسِِِرًا، أعسر أهل الدنيا.
· كان أبو سنان سعيد بن سنان البرجمي سيئُ الخلق، وقد وثقه ابن حبان وأبو داود.
· كان شعبة عسراُ قال أبو أسامة: وافقنا من شعبة طيب نفس ، فقلنا له:حدثنا، ولا تحدثنا إلا عن ثقة، فقال قوموا.
· كان سعيد بن عبد العزيز عسراً ممتنعاً.
· كان حفص بن غياث عسرًا في الحديث جدًا، استفهمه رجل حرفًا في الحديث فقال: والله لا سمعتها مني وأنا أعرفك.
· كان عبد الله بن داود الخريبي عسراً في الحديث، جاءه قوم ليحدثهم، فقال لهم: قوموا اسقوا البستان، ولم يسمعوا منه غيرها، وله في ذلك قصص.
· كان شعيب بن أبي حمزة عسراً في الحديث.
· كان الهيثم بن خارجة سيئُ الخلق مع المحدثين، وكان يُسمى: شعبة الصغير.
· كان علي بن عثام شيخ الإسلام الإمام الحافظ عسرًا، قال محمد بن عبد الوهاب الفراء: ما رأيت في العسرة مثل علي بن عثام.
· كان عمر بن زرارة أحد شيوخ البخاري ومسلم زعر الأخلاق، خرج إلى تلاميذه يومًا فضحك رجل، فقال هب التحرج، أليس التقى؟ هب التقى أليس الحياء؟ ثم قام ودخل.
· كان أحمد بن صالح حافظ زمانه في مصر وأحد رجال صحيح البخاري شرس الأخلاق.
· كان مؤمل بن إهاب الحافظ زعرًا ممتنعاً في الحديث.
· كانت في مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح حدة في خلقه.
· كان ابن المنادي شرس الأخلاق.
· كان السبيعي الحافظ زعرًا عسرًا في الرواية.
· كان الحافظ الرهاوي عسراً في الرواية لا يكثر عنه إلا من أقام عنده.
وهذا غيض من فيض من أسماء أعلام المعلمين القدوة في العلم. فيهم مما تقتضيه بشريتهم هذا الخلق.
على أن ذلك ربما كان مرجعه عند بعضهم لعلة مفهومة كما روي في أبي بن كعب رضي الله عنه أنه أصابته حمى المدينة وكانت شديدة عليه فما أقلعت عنه حتى بقي من أثرها فيه وله الضيق في خلقه.
وترجع غلبة هذا الطبع في هؤلاء الأئمة على سلوكهم في التعليم إلى عظيم قدر العلم في نفوسهم، حتى أنهم ليجلونه عن الابتذال، وعن أن يكون في غير فائدة، وعن أن يكون في غير أهله وعن أن يكون بغير صيانة قدره وحفظ آدابه، وعن أن يكون من غير صدق طلب وإخلاص نية.
فهذا أبي رضي الله عنه سأله مسروق عن شيء، فقال أبي: أكان بعد؟ قال: فاحمنا حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا. فوافقت شدة طبعه شدة صيانته للعلم أن يكون لغير فائدة ظاهرة.
وهذا علي بن عثام الذي قال الفراء في عسارته ما تقدم كان يقول: (الناس لا يؤتون من حلم، يجئ الرجل فيسأل فإذا أخذ غَلِط، ويجئ الرجل يأخذ فيصحِّف، ويجيء الرجل يأخذ ليماري، ويجئ الرجل يأخذ ليباهي وليس عليّ أن أعلم هؤلاء إلا من يهتم لأمر دينه)، فوافقت شدة طبعه شدة حرمة العلم في نفسه أن يكون فيمن لا يحفظها. 
وهذا الأعمش يأتيه بعض المشتغلين في علم الكلام ليحدثهم فيقول: ( لا أقلد الدر أعناق الخنازير) ، فوافقت شدة طبعه شدة غيرته على العلم أن يكون في غير أهله.
وهذا شعبة، قال الأصمعي كنا عند شعبة، فجعل يسمع -إذا حدَّث- صوت الألواح، فقال:السماء تمطر؟، قالوا: لا، ثم عاد للحديث فسمع مثل ذلك، فقال: المطر؟ قالوا: لا، ثم عاد، فسمع مثل ذلك، قال: والله لا أحدث اليوم إلا أعمى. فوافقت شدة طبعه شدة صيانته لآداب الدرس وكراهيته الإزعاج فيه. وقال هشيم: دخلت المسجد فإذا شعبة جالس وحده فجلست إليه، فرفع رجله فركلني، وقال: أنت طلبت منصوراً ثم لم تجده في الاسطوانات فحينئذ جئت إلي؟. فوافقت شدة طبعه شدة صيانته للعلم من ضعف صدق الطلب فيه وجدِّيته.
ولهؤلاء الأئمة سلف كريم في ذلك، فهذا يونس نبي الله ورسوله عليه السلام ذهب مغاضباً قومه، ما أغضبه إلا مصلحة الرسالة أنها لم تبلغ مقصدها، وهذا موسى أحد أولي العزم من الرسل عليه وعليهم السلام ألقي الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه، ما أغضبه إلا أسفه على التوحيد أن تُسُوِّر حماه.
وعودا ْ على بدء، فإنه هذا المذكور في طبائع أئمة العلم والدين يقرر ما ذكرناه من أن أنواع الطبائع البشرية لا يصنفها اختلاف الأزمنة أو الأمكنة، ولا تفاوت الرتب، ولا تنوع المهن، لكنها خلق الله يفرقه في عباده، وقد يجعل الخُلق منها في أفاضل الخَلق لديه كما يجعله في مفضوليهم.
((هذا مقال جمع بين صيد خاطر وصيد قلم، كنت قيدتهما بمسودة في أوراقي الخاصة، ثم لم تأنس نفسي بالانفراد وحيدًا بهما، فبدى لي أن أقدمهما على مائدة (الإسلام اليوم) ليشاركني فيهما قراءها الكرام)).