أزمة القروض في المملكة.. من أوقع المواطنين في الفخ؟

كتب بواسطة: عبدالحي شاهين | في الملف . بتاريخ : May 24 2012 | العدد :64 | عدد المشاهدات : 2038

أزمة القروض في المملكة.. من أوقع المواطنين في الفخ؟

نسخة للطباعة
أصبحت قضايا القروض المتعثرة في السعودية تمثل أعقد الهواجس التي تواجه الجهات الاقتصادية المختصة والشركات والبنوك ذات العلاقة، إضافة إلى المواطنين الذين أصبحوا- من جانبهم- يرون أنفسهم وكأنهم تورّطوا في هذه القروض.
وخلال السنوات الماضية- وقبل نكسة ما يُسمّى هنا بـ(فبراير الأسود) التي لحقت بسوق الأسهم السعودية- كانت البنوك المحلية الـ(11) تنشط بشكل كبير في جانب القروض، حتى إن بعضها كانت يقدم عروضاً مغرية لجذب أكبر عدد من المستثمرين والمواطنين العاديين لكي يقترضوا منها، ولم يكن هذا الإجراء قاصراً على بنوك معينة، بل تساوت فيه البنوك الكبيرة وتلك الصغيرة المعروفة بأنها صاحبة رأسمال متواضع، وقد تزامن هذا التوسع في منح القروض مع نشاط استثماري ضخم في المملكة شمل قطاعات العقار والبتروكيماويات والصناعات الأخرى.
ومعروف أن هذه القطاعات تحتاج لتمويلات كبيرة قد لا تتوافر عند معظم رجال الأعمال الذين يعتزمون خوض الاستثمار فيها، كما أن الدولة توسّعت أيضاً في منح أراضٍ سكنية للمواطنين، مما تطلب من هؤلاء العمل على الحصول على تمويلات للبناء على الأراضي التي مُنحت لهم، وكل ذلك قاد المواطنين ورجال الأعمال على السواء في الاتجاه نحو البنوك وشركات التمويل، فيما بدأت هذه البنوك من جانبها – ولحساباتها الخاصة- في محاولة جذب هؤلاء المواطنين، فبدا للمراقبين أن كلاً منهما يسعى للآخر لـ"حاجته"، مما قاد في النهاية إلى توسّع هائل للغاية في عمليات القروض، وهو الأمر الذي أدى في المقابل إلى توسّع كبير في عمليات التعثر التي تواجه نسبة عالية جداً من المواطنين السعوديين.
وفي محاولة لاستقصاء واقع القروض المتعثرة في المملكة توجهنا بالسؤال للاقتصادي الدكتور محمد الجديد الذي أقر بوجود مشكلة التعثر في المملكة، وقد أرجعها إلى عدة عوامل، في صدارتها ما وصفه بـ(تكالب) البنوك والمؤسسات المالية في فترة ماضية على إقراض المواطنين والشركات الاستثمارية، وهي القروض التي لم تتمكن من استردادها نتيجة لتغير الأوضاع المالية، ودخول استثمارات الشركات في معضلة الأزمة المالية العالمية، وشدّد هنا على أنه ما لم يتعافَ الاقتصاد المحلي والعالمي بشكل تام من الأزمة المالية فستتفاقم مشكلة التعثر بصورة أكبر في الفترات المقبلة، وذلك على الرغم من أن البنوك استطاعت في الشهور الماضية من تقليل الاقتراض بوضع شروط مستعصية أمام الشركات والمواطن العادي.
      المحامي والمستشار القانوني وائل الصعيدي ذكر أن معدل القروض المتعثرة في المملكة إلى إجمالي القروض تصل إلى نحو (5%)؛ إذ بلغ إجمالي القروض المتعثرة عشرة مليارات ريال، من أصل حوالي مائتي مليار ريال أقرضتها البنوك، وقد تجاوز عدد الأفراد المتعثرين (300) ألف شخص، وذلك من إجمالي عدد المقترضين الذين يشكلون نحو مليونين ومائتي ألف مقترض. ورأى الصعيدي أن هذه النسبة تعتبر مقبولة بالمقارنة مع حالات التعثر في بقية دول العالم.
ويضيف المحامي السعودي قائلاً: إنه بمقارنة نسبة القروض المتعثرة في عام 2008م إلى عام 2007م يتضح أن هناك زيادة فيها بنسبة لا تتجاوز (30%)؛ فقد بلغت نسبة القروض المتعثرة في عام 2007م نحو سبعة مليارات ريال حسب التقارير والإحصائيات الصادرة، ويتضح من هذه المقارنة السريعة أن نسبة زيادة القروض المتعثرة ترتبط طردياً مع زيادة القروض؛ إذ إن زيادة الإقراض يؤدي إلى زيادة في عدد المتعثرين في السداد.
من جهته ذكر المستشار المالي محمد الشميمري أن الأزمة المرتبطة بالبنوك السعودية والديون هي أزمتان: الأولى تتعلق بالشفافية؛ فقد دأبت البنوك على إخفاء الحقائق المتعلقة بالديون المتعثرة، مما أدّى إلى تكهن وتخمين بحجم هذه الديون التي لا يمكن أبداً الجزم بها، وكل الأرقام التي ذكرت هي مجرد تخمين لا يستند إلى حقائق أو إقرارات من البنوك، لكن في الوقت نفسه الكل يجمع على وجود أزمة أدت إلى ضبابية في السوق السعودي، ويمكن لأزمة الضبابية أن تنتهي بخروج هذه البنوك المكشوفة لهذه القروض، وتوضيح مركزها وحجم انكشافها. 
ومن ناحيته توقع الاقتصادي خالد الحميضان أن يصل حجم الديون المتعثرة في السداد من رجال أعمال سعوديين لدى البنوك المحلية إلى (150) مليار ريال, محمّلين مؤسسة النقد وإجراءات الإقراض "الهشة" السبب الأبرز في تساقط عدد من رجال الأعمال المعروفين، وتعثرهم في دفع ما التزموا به. 
وقال: إن نشوء الأزمة لعدد من رجال الأعمال بدأت منذ العام 2003 عندما بدأت  البنوك أسلوب الإقراض حسب "السمعة" و"الشهرة"، وهو ما وصفه بأنه نقطة ضعف في عمليات الإقراض وفي المستوى الرقابي على آليات وإجراءات الإقراض، والذي يسيطر عليه ما نسبته 70% من العمالة الأجنبية التي همها الأول تحقيق أعلى معدل في عمليات الإقراض. 
ومع أن الدولة دأبت على إعلان إعفاءات من القروض التي لها  على مواطنين في المناسبات الوطنية المختلفة، وأحياناً من دون أن تحتاج لمناسبة، وهو ما اعتبر رغبة من الحكومة في قفل ملف التعثر، إلاّ أن الأزمة (التعثر) يبدو أنها أعقد من أن تُحلّ بهذه الطريقة، خاصة مع تأكيد الاقتصاديين المتابعين لهذا الملف بأن قروض البنوك ومؤسسات التمويل للمواطنين هي أكبر بكثير من القروض التي قدمتها الدولة، والتي تتمثل فقط في جانب الإسكان (القروض العقارية)، وعليه فإن هؤلاء الاقتصاديين يدعون إلى سرعة معالجة هذا الملف قبل أن يستعصي ويتعقد، وذلك بأن تضع الجهات التي قدمت هذه القروض إستراتيجية محددة تستوفي بموجبها تلك القروض، أو تضع لها حلولاً أخرى، يُقترح أن يكون من بينها إعفاء المواطنين الذين يعجزون بشكل نهائي عن التسديد.