استشارات في الانتحار

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : May 24 2012 | العدد :92 | عدد المشاهدات : 3297

استشارات في الانتحار

نسخة للطباعة
حياتي سوداء أرغب في الانتحار
المجيب : أ.د. صالح إبراهيم الصنيع
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
عمري ثماني عشرة سنة، أعاني من مشكلات نفسية وعقلية حادة، ومنها أنني أتألم ولا أحس بالراحة في كل لحظة. فالحياة بالنسبة إلي سوداء، وقد تأتي علي لحظات أرغب فيها في الانتحار بشدة. أرشدوني مأجورين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً: ذكرت أن عمرك ثماني عشرة سنة، وهو سن المراهقة والاندفاع والتسرع في اتخاذ القرارات.
ثانياً: من قال إنك تعاني من مشكلات نفسية وعقلية؟ هل شخَّصت نفسك بنفسك أم هو تشخيص طبيب نفسي؟
يبدو لي -والله أعلم- أنك تعاني من صعوبات في حياتك تتعلق بالأوضاع العائلية لك أو بأوضاع الدراسة أو العمل، وقد ضاقت عليك نفسك لشعورك بالعجز تجاه تلك الظروف، ورأيت أن الدنيا أغلقت أمامك، ولكن الواقع يقول غير ذلك، فنحن الذين نلون الحياة أمامنا، إما باللون الأبيض أو اللون الأسود، ولذلك كان حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم يحب الفأل في أمره كله، وينهى عن التشاؤم بالأحداث والأشخاص والمواقف، فليكن لك بالحبيب قدوة حسنة، وانظر إلى الحياة بتفاؤل وروح إيجابية وقدرة على تحمل الصعاب وعزيمة على تجاوزها مهما بدت صعبة وشاقة، وكن مع الله بحسن عبادة يكن معك في كل شدة، ومن كان الله معه فلا غالب له. واعلم أن مع العسر يسرا أن مع العسر يسرا، ولن يغلب عسر يُسْرَيْن، والليل كلما زاد قرب معه ظهور الصبح. وأبعد عنك وساوس الشيطان التي ترد في الدفع للانتحار، وهذا سبيل لا يقدم عليه المسلم العارف بدينه ومصير قاتل نفسه (المنتحر) يوم القيامة النار، وهذا ما يتمناه لك عدوك إبليس، فلا تفرحه وتغضب ربك وخالقك، واعلم أنك عندما تستبعد هذه الفكرة كلما تطرأ على ذهنك فإنك تحقق نصراً كبيراً لنفسك على الشيطان، ويجعلك أقدر على مواجهة مشكلاتك اعتماداً على العون من الله، واستغلالا أمثل لما منحك الله من إمكانات تغفل عنها حالياً، وعندما توظفها وتظهر تجد العجب من قدرتك على تجاوز تلك المشكلات وغيرها.
سر في حياتك بتروٍّ وبدون عجلة، استشر أهل الخير في كل أمر تريد الاقدام عليه، واستخر الله فيه، فلا خاب من استشار، ولا ندم من استخار. وفقك الله لكل خير. والله يحفظك ويسدد على درب الهدى خطاك.



فتاة تفكر في الانتحار!
المجيب: أمل بنت فهد الجليل
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
السلام عليكم ورحمة الله..
أنا طالبة بالجامعة، وتواجهني مشاكل كثيرة ممن هم حولي، وتعبت كثيراً وفكرت في الانتحار أكثر من مرة، ولكني أتراجع بسبب الخوف.. أنا تعبت ولا أعرف ما الحل؟ أرجوكم أعطوني نصيحة، مع العلم أن كل ما يحدث لي يأتيني من أقرب الناس لي..
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
عزيزتي.. دعينا نتدبر سوياً قول الله -سبحانه و تعالى-: "وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ  الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ  أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ".
في الآية الكريمة يبين الله -سبحانه وتعالى- لعباده أنه مبتليهم ببعض الابتلاءات منها الخوف الذي ابتلاك بك، فكوني من أهل البشارة، نعم كوني من الصابرين الذين يتحملون ما أصابهم فلا يجزعون بل يحتسبون عند الله أجر صبرهم على ما أصابهم، ويذكرون الله في مصيبتهم بقولهم: "إنا لله وإنا إليه راجعون" إنكِ إن كنتِ منهم فينالك نصيبك من البشارة بأن الله يصلي الله عليكِ ويعدكِ بالرحمة ويمدحك بأنك من المهتدين.
وإن لصبرك علامات أولها: أن تعلمي أن البلاء من الله لحكمة، ولم يظلمك عندما ابتلاكِ بل أراد بكِ الخير، وأي خير أعظم من تلك البشارات الثلاث.
ثانياً: أن لا تقولي إلا خيراً، ومن خير ما تقولينه حين نزول البلاء "إنا لله وإنا إليه راجعون" هذا الذكر الطيب يذكرك بالله وأن الأمر بيده، فنحن لله يفعل بنا ما يشاء، وإنا إلى ربنا راجعون، فيجازينا على أعمالنا وأقوالنا في هذه الدنيا.
وثالثها: الاستعانة بالله لرفع البلاء وعدم الاستسلام له، فالمسلم يكابد البلاء ويدافعه، فاسألي الله في صلاتك الفرج وأن يسخر لك، وأن يكفيك كل سوء وشر.
عزيزتي.. إن التعامل مع البلاء باحتساب أجر عند الله ورجاء فرج منه -سبحانه وتعالى- يوجد في نفسك رضًا وطمأنينة، ويزيدك قوة وصلابة في معالجة مشاكل هذه الحياة، والعدل سبحانه لا يُضِيع أجر من أحسن عملاً، فإن صبرتِ على البلاء واحتسبتِ الأجر عند الله فإن الله سيُرضيكِ يوم القيامة، وسيجعل ما مر بكِ من بلاء كفارةً لذنوبكِ، ورِفْعَةً في درجاتكِ عند الله، أما إن جزعتِ وعمدتِ لإنهاء حياتك بالانتحار فإنك تُعَدِّين من الساخطين الخاسرين المبشرين بالعذاب، وجاء في الحديث عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ".
لقد تعجل الرجل الموت فقتل نفسه بمشاقص –أي بسهام عِرَاضٍ– فلم يصلِّ عليه الرسول    –صلى الله عليه وسلم–  أتتمنين هذه الميتة؟! إن الرسول  -صلى الله عليه وسلم- لم يُصَلِّ على من قتل نفسه منتحراً، وجعل غيره يصلي عليه، فصلاة الرسول- صلى الله عليه وسلم -رحمة للميت ببركة دعائه- عليه الصلاة والسلام -، وعن ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ" رواه البخاري، وفي رواية لمسلم: "وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
أحسب أن الشر الذي يلحق المنتحر أعظم مما قد يصيبه بسبب البلاء في الدنيا، والله كلفنا بالصبر على البلاء، وأعد للصابرين أجراً عظيماً، فلتصبري على البلاء، واسألي الله الصبر والفرج، وتأكدي تأكدي أن الفرج قريب، وأن الصبر وإن كان أوله مرًا إلا أن نهايته فَرَجٌ وسرور، وكم من مُبْتَلًى ضاقت عليه الأرض بما رحبت، أمسك نفسه عن الجزع، ولزم ذكر الله والصبر، ففرج الله كربته من حيث لم يحتسب، فعليكِ بالصبر إلى أن يفرج الله كربتك، وتأكدي أن صبرك خيرٌ لكِ من إنهاء حياتك، بل والله إن مجرد الصبر على البلاء خير، وتذكري قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك إلا لمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" رواه مسلم.
أسأل الله أن يثبت قلبك على دينه، وأن يرزقك الصبر ويفرج كربتك



بسببهم فكرت كثيراً في الانتحار!
المجيب: د. رفعت فوزي عبد المطلب
رئيس قسم الشريعة بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة
السؤال:
لدي عاهة في جسمي تألمت منها كثيراً، لكني صبرت واحتسبت الأجر من الله، ولكني كنت محتاجاً إلى من يقف معي فلم أجد أحداً، لم أحس أن لدي إخوة، وأصدقائي وأساتذتي في المدرسة يسخرون مني.
لقد فكرت في السفر حتى أبتعد عن الناس الذين عشت معهم، والذين بسببهم تحولت حياتي إلى جحيم لا يطاق، كما أنني فكرت كثيراً في الانتحار حتى أتخلص من هذه الهموم التي أعيشها. فأرشدوني ماذا أفعل؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أخي الكريم:
هون عليك .. وتقرب إلى الله وسوف تؤجر على ما ابتلاك الله به من عاهة، وتذكر هذا الحوار الذي دار بين النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه المرأة، كما عند البخاري، ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال لعطاء بن أبي رباح:" ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت بلى. قال هذه المرأة السوداء؛ أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي، قال:" إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك"، فقالت: أصبر. فقالت إني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف؛ فدعا لها".
أخي الكريم.. تقرب إلى الناس وصادقهم.
وعليك بمصاحبة الأخيار، ‏فقد روى الترمذي  من حديث ‏ ‏عبد الله بن عمرو ‏ ‏قال: ‏
قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم:"‏ خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره".
ومجالسة الصالحين كلها خير، وثمارها لا تنحصر.
فقد روى الإمام أحمد بسنده ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏أو ‏ ‏عن ‏ ‏أبي سعيد ‏ ‏هو شك ‏ ‏يعني ‏ ‏الأعمش ‏ ‏قال:‏ قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم: "‏إن لله ملائكة ‏سياحين ‏في الأرض فضلاً عن كتاب الناس، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا؛ هلموا إلى بغيتكم فيجيؤون فيحفون بهم إلى السماء الدنيا، فيقول الله: "‏أي شيء تركتم عبادي يصنعون؟" فيقولون: تركناهم يحمدونك ويمجدونك ويذكرونك. فيقول:"هل رأوني؟" فيقولون:لا، فيقول:" فكيف لو رأوني؟" فيقولون: لو رأوك لكانوا أشد تحميدا وتمجيدا وذكرا. فيقول:" فأي شيء يطلبون؟" فيقولون: يطلبون الجنة. فيقول:" وهل رأوها؟" قال: فيقولون: لا، فيقول:" فكيف لو رأوها؟" فيقولون: لو رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا. قال: فيقول:"ومن أي شيء يتعوذون؟" فيقولون: من النار، فيقول:" ‏وهل رأوها؟" فيقولون: لا، قال: فيقول:"فكيف لو رأوها؟" فيقولون: لو رأوها كانوا أشد منها هربا وأشد منها خوفا. قال: فيقول: "إني أشهدكم أني قد غفرت لهم". قال: فيقولون: فإن فيهم فلانا الخطاء لم يردهم؛ إنما جاء لحاجة، فيقول:"هم القوم لا يشقى بهم جليسهم". فانظر يرحمك لله إلى قول الملائكة " فإن فيهم فلانا الخطاء لم يردهم؛ إنما جاء لحاجة"، وانظر كم هو الله رحيم، حيث قال:" هم القوم لا يشقى بهم جليسهم".
فاحرص أخي الكريم على الصحبة الطيبة، وعلى دروس العلم، فإن فضل العلم عظيم.
‏عن ‏عبد الله بن عمر ‏ ‏رضي الله عنهما ‏ ‏قال:‏ سمعت رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ يقول: "‏بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت منه، ثم أعطيت فضلي ‏ ‏عمر بن الخطاب ‏ ‏قالوا: فما أولته يا رسول الله قال: العلم". رواه البخاري، ومسلم.
‏وعن ‏ ‏معاوية رضي الله عنه قال: سمعت النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يقول:" ‏من يرد الله به خيرا ‏ ‏يفقهه في الدين" رواه البخاري، ومسلم.
وعن ‏ ‏أبي موسى رضي الله عنه عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال: "‏‏مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل ‏ ‏الغيث ‏‏الكثير أصاب أرضا؛ فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت ‏الكلأ ‏ ‏والعشب الكثير، وكانت منها ‏ ‏أجادب ‏ ‏أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي ‏ ‏قيعان؛‏ ‏لا تمسك ماء ولا تنبت ‏كلأ ‏؛ ‏فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ".‏ رواه البخاري، ومسلم