ماذا تتوقع منه؟

كتب بواسطة: د. محمد بن عبدالعزيز الشريم | في ببساطة . بتاريخ : May 25 2012 | العدد :63 | عدد المشاهدات : 2029

ماذا تتوقع منه؟

نسخة للطباعة
  يسرف بعضنا في رفع سقف التوقعات من أطفاله، لاسيما الطفل الأول.
 قد لا تكون هناك مشكلة حقيقية في مجرد ارتفاع سقف التوقعات، ولكن ما ينساه كثيرون هو أن ما يتوقعونه من أطفالهم يفوق -وبكل المقاييس- قدرات الطفل العادي، بل والمتفوق أحياناً، بشكل كبير. ويزداد الأمر سوءاً عندما تكون البيئة التي يوجد فيها الطفل مقاومة للإبداع والتفوق.
عندما نبالغ في رفع سقف التوقعات التي نأمل تحقيقها من خلال أطفالنا فإننا سنواجه أمرين:
 الأول: إرهاق الطفل بما لا يستطيع، وبالتالي ربما ساهمنا -دون أن نشعر- في إحباطه وتحطيم معنوياته؛ لأنه يرى نفسه فاشلاً في تحقيق ما هو متوقع منه، مع أنه في حقيقة الأمر طفل عادي، وينمو ويتطور بشكل طبيعي! لكن البيئة المحيطة به رفعت سقف التوقعات، فجعلته يشعر بالفشل.
أما الأمر الثاني: فهو أننا كآباء وأمهات سوف نشعر بالإحباط والفشل أيضاً؛ لأن توقعاتنا -غير الواقعية- لم تتحقق على أرض الواقع؛ وبالتالي نجد أنفسنا -دون شعور أيضاً- نميل إلى خفض سقف التوقعات إلى مستوى أقل من الطبيعي!
ولكن ما سبق لا يعني أن نرضى لأطفالنا بمستوى طبيعي، ونقلل من طموحاتنا وطموحاتهم! بل إن تحقيق المستوى الطبيعي يتطلب طموحات عالية ربما تحقق بعضها وفشل الآخر. فالطموح المرتفع -في حد ذاته- جزء من الدافعية الطبيعية لتحقيق الأهداف، حتى ولو لم تكن مرتفعة مقارنة بغيرها؛ ولذلك نجد أن كثيراً ممن يرضون لأطفالهم بالمستوى الطبيعي ينتهي الأمر بأطفالهم ليكونوا دون ذلك ربما بكثير.
أما صناعة التفوق فتتطلب هي الأخرى طموحات عالية، ولكنها متسقة مع الطبيعة النفسية للطفل، بحيث تكون حافزاً للنجاح ولا تقود للفشل. وهذا الأمر يمكن تحقيقه من خلال رؤية النجاح الطبيعي كحد أدنى في الظروف الطبيعية. وأن الوالدين يأملان من ابنهما تحقيق مستوى متقدم عن أقرانه؛ لأنه يحمل مؤهلات وكفاءات شخصية يمكن استغلالها لتحقيق التفوق. والسر هنا يكمن في أنه "يمكن"، بمعنى أنه ليس شرطاً لا يمكن الحياد عنه؛ لأن توفر الكفاءة في الطفل ليس ضماناً للتفوق ما لم تتوافر الظروف الأخرى المساندة لذلك، وقبل ذلك وبعده عون الله تعالى وتوفيقه.
هذه النظرة تجعل الطفل يتلذّذ بالتفوق؛ لأنه وسيلة لإثبات ذاته، بدلاً من أن يكون التفوق حداً أدنى لا يستحق الإشادة به ولا الشكر عليه. كما أنها في الوقت نفسه تجعله يشعر بأن التفوق يمكن تحقيقه وفق صور مختلفة ومتنوعة لا يلزم أن تكون وفق مسار يحدده الوالدان، ربما أحياناً تعويضاً عن فشل مُني به أحدهما، فأراد أن يجعل من طفله فرس رهان لتحقيق حلمه الذي ذهب أدراج الرياح.
ينبغي ألاّ ننسى أن الآباء والأمهات جميعهم في كل مكان وزمان يتوقون لتفوق أبنائهم وتبوُّئِهم أعلى المراتب! ولكن التفوق لا يتهيأ إلاّ لقليل من الناس. وليس من العدل أن تلزم طفلك بأن يكون من هؤلاء ما لم يكن يحمل في ذاته مقومات التفوق، ولا تتوافر البيئة المناسبة لاحتضان بذرات التفوق ورعايتها حتى تؤتي ثمارها.