خالص جلبي: القصيم كانت بالنسبة لي كغار حراء

كتب بواسطة: عبدالحي شاهين | في الملف . بتاريخ : May 25 2012 | العدد :63 | عدد المشاهدات : 3578

خالص جلبي: القصيم كانت بالنسبة لي كغار حراء

نسخة للطباعة
للمفكر والطبيب البارز خالص جلبي مسيرة متميزة مع الثقافة وعالم الأفكار  تستحق الوقوف عندها ونقلها للأجيال الجديدة من الشباب؛ فقد بنى نفسه فكرياً بجهد ذاتي ضخم للغاية؛ إذ يروي أنه كان ينفق على مكتبه الساعات الطوال مصاحباً أهم ما أنتجه العقل الإنساني من مؤلفات علمية وفكرية.. وفي هذا الحوار الموسع مع الدكتور خالص نسجل معه ذكرياته الشخصية منذ نشأته الباكرة في مدينة القامشلي، وهي المدينة التي وُلد فيها، واعترف لنا بأنه لايحبها، وأنه قرر الاستقرار للأبد خارجها، ثم ننتقل بعد ذلك لسنوات طلب العلم، ويحدثنا عن تأثير أساتذته، وكيف قادته الصدفة وحدها لأن يكون طالباً متميزاً ومجداً، بعدما كان في مؤخرة الصفوف، ثم يستعرض معه الحوار خطوات الاتجاه نحو التدين، والتي كشف لنا فيها عن مفارقة أخرى غريبة؛ فأستاذه صاحب الخلفية الشيوعية كان عاملاً مهماً ليتخذ جلبي وجهته للتدين.. وفي الحوار أيضاً رحلته بين سجون دمشق المختلفة والتقاؤه بالمفكر جودت سعيد، وكذلك رحلته لألمانيا، إلى قدومه للسعودية، مستقراً في مدينة القصيم وأخيراً الرياض.. 
 عرفت نفسك مرة بأنك (سوري المولد، عربي اللسان، مسلم القلب، وألماني التخصص، وكندي الجنسية، وعالمي الثقافة، ثنائي اللغة، لغة التراث ولغة المعاصرة, وأدعو إلى الطيران نحو المستقبل بجناحين من العلم والسلم).. هل من تعريف آخر يعطي صورة أكثر وضوحاً؟ 
ربما أضيف أنني كاتب وجراح أوعية، أعالج في النهار شرايين المصابين والمدخنين، وفي هدأة الليل أدمغة المتعصبين. بيدٍ مشرط وبيدٍ ريشة ومداد.
 مناخ القامشلي وريف دمشق كيف أثّرا في حياتك.. وما آثارهما الحالية في شخصيتك ومزاجك؟
ـ القامشلي هي المدينة التي وُلدت فيها، وتقع في الزاوية الشمالية من سوريا، ظهرنا إلى تركيا، وخاصرتنا للعراق، وصدرنا إلى الشام. وهي مدينة عجيبة من عشر لغات، و(15) لهجة، وسبعة أديان، بابل مصغرة بلبل الله ألسنتهم، واختلفت قلوبهم، في شرانق محمية من التقلبات الجوية، تتبادل الريبة والكراهية، والحذر والتقوقع والانغلاق، كل حزب بما لديهم فرحون.
فيها من كل حزب أصناف، ومن كل نحلة ألوان ومن كل عشرة أفخاذ، ولكل دين كنيسة ومدرسة وصومعة وجامع، بما فيها اليهود وأصحاب المذاهب النادرة،  والمتصوفة والفرق الدينية المنقرضة مثل النسطوريين، وهم الكلدان الذين لا يقولون بألوهية المسيح، ويقولون بالمشيئة الواحدة، إلى اليزيديين عبدة الشيطان، من الأكراد والعرب والعجم والتركمان والطوخلركه والسريان والأرمن والدروز والشراكس والعلوية والمردلييه، ومن تابعهم من ذوي السلطان الأكبر..
هي مدينتي التي وُلدت فيها، ولكنني لا أحبها، وفضلت أن أبني في قرية زوجتي في الجولان، بيتاً على رابية، لعلي أستريح فيه حين سن التقاعد، فلم أرجع إلى القامشلي حيث وُلدت، ولم أتابع إلى كندا حيث ماتت زوجتي، والبيت الآن في الجولان مأوى للطيور، يصفر فيه الهواء، وتلجأ إليه الأرواح والأشباح والكلاب الضالّة.
أما دمشق فهي المدينة التي أحببتها، وفيها تعرفت على ليلى سعيد توأم روحي، وفيها تعرفت على الكثير الكثير من الناس من كل زوايا سوريا، من الحماصنة والحمويين والديرييين وآخرين مختلفين.
وفيها زرت مراقد الصالحين وقبر صلاح الدين، وفيها تعرفت على علماء أجلاء، وإخوة أفاضل، وفيها اعتقلت وتعذبت، وفيها درست الطب. وفيها رأيت الاحتلال البعثي الطائفي يلتهم البلد.
إنها مدينة عريقة وسوف تتخلص من كل العفن الحزبي الطائفي إن شاء الله، ولو بعد حين..   
 الطريق إلى التدين والالتزام.. هل سلكته باكراً؟. وهل كانت هناك تجارب في مسارات أخرى كالقوميين العرب أو البعثيين؟
ـ كان بالإمكان أن نسلك طريق الشيطان أو الرحمن؛ فنحن نشأنا في بيئة جاهلة أمية، بالكاد تفك الخط، وكانت كافة التيارات تضرب، وتلقي شباكها الملعونة على المغفلين التائهين الجاهلين أمثالنا، بشباك محكمة من الحزبية والطائفية والمذهبية، والمشايخية من جماعات السلطة، والقومية والعبثية والبعثية، والناصرية والنصرانية، والشيعية والشيوعية.. 
وكان بالإمكان أن نكون منظمين في أي تنظيم لروسيا أو طهران أو عبدان أو كردستان.. 
ولعبت محض الصدفة دورها في مجيء رجل دعا إلى الله، كان أستاذ ديانة بسيط من عين الفيجة، اسمه علي أبو بكر؛ فأثر فينا وصلينا، ثم تابعت علينا بالسقي والتمنية يد المشايخ والإخوان والتحرير والصوفية والفقهاء وفرق كثيرة، في صقل اتجاهنا، فنشأنا في التدين وتابعنا.
وكان يمكن أن نُقتل (بالضم) وكان يمكن أن نَقتل (بالفتح)...
وكان يمكن أن نكون في السجون المظلمة عشرات السنوات، وكان يمكن أن نكون من حماس أو فتح، فنتقاتل بكل حماس، أو مع حسن نصر الله نهتف كالمجانين، أو مع أوجلان الكردي نزعق بجي بجي كردستان!!.. 
وكل حزب بما لديهم فرحون.. 
وحتى اليوم أقول لنفسي خالص لا تتشاطر كثيراً؛ فقد تكون في حفرة من حفر النيران هذه، وأنت تتشدق بالمعرفة فانتبه لنفسك وراجع!!
 مناخ القامشلي العلمي والسياسي كيف كان آنذاك خاصة وأنها معروفة كمنطقة كانت معاندة للاستعمار؟
القامشلي مدينة نائية بسيطة فيها ألف ملة ونحلة ولسان، ليس لها قيمة ووزن، سوى أنها منطقة حدودية زراعية، صالحة للحلب والنهب والاستحلاب من الحكومة والمافيات، وفيها المسيحيون الذين تعاونوا مع فرنسا بفعل الدين، والأكراد الذين تعاونوا مع أمريكا من أجل قضيتهم، فهم يريدون دولة كردية ولو حكمهم الشيطان بشرط أن يكون كردياً، وليس فيها أحزاب ذات شأن سوى النمو الديموغرافي الكردي، وفي قناعتي أنها أصبحت مدينة كردية الآن.. 
 فترات التعليم العام (قبل الجامعي) كيف مرت بك.. وما هي التجارب التي اصطدمت بها في تلك الفترة سواء كانت دينية أو سياسية؟
كنت طالباً كسولاً يحب اللعب والشغب والرياضة، وفي الصف الثالث كانت درجتي (21) من أصل (22) طالباً، ولكن لم أرسب.
ثم رسبت في السرتفيكا (امتحان الشهادة الابتدائية) أنا وأخي دفعة واحدة، وكانت فاجعة لوالدي أن يرسب ولداه الأول والثاني، ولكن لم يعنفنا، ولم يكن مهتماً كثيراً بدراستنا أكثر من إطعامنا.
ثم حصل التحول النوعي وبسبب من مدرس شيوعي حلبي درسنا في المرحلة المتوسطة (السابع)، حين قدمت له كتاب الرياضيات مغلفا بالأعلام السوفيتية، فظن أنني من عائلة شيوعية، وبدأ يهتم بي مدرس الرياضيات الحلبي (فنصة) ذو الشوارب الستالينية، فكان يطالبني في كل حصة بالخروج إلى اللوح للشرح بقوله: كنجو.. إلى اللوح، ولم يكن أمامي إلاّ أن أتقن المادة، وبذلك انقدحت شرارتي، حتى تم اعتقاله وإبعاده في أيام الوحدة الناصرية ـ عفواً الكارثة الناصرية على كل العرب ـ وأذكر جيداً أنني حفظت جدول الضرب لأول مرة في حياتي، وبدأت أهتم بعقلي، وفي نفس تلك الفترة بدأت بذور التدين الأولى بالبزوغ عندي في شجرة باسقة طلعها هضيم.. خلاف ما كان يتوقعه مني المدرس الشيوعي الحلبي (فنصة) ذو الشوارب الستالينية، ولا أدري أين طوحت به زوابع الحياة؟ وهل هو حي يرزق هذه الأيام ليقرأ سطوري؟
كنت بعدها طالباً مجداً جداً متفوقاً حافظاً صقلت ذاكرتي بأشد من مشرط جراح، وحفظت المواد كلها عن ظهر قلب، ثم بدأ اهتمامي بحفظ القرآن من الآيات التي كنت أسمعها من الإمام في الصلاة. 
ثم جاءت الكارثة البعثية يوم 8 آذار الأسود، يوم المحزنة الأعظم؛ لأن البلد دخل نفق الديكتاتورية وما زال، وولدت دويلات عجيبة (هيبريد = التحام كائنات مختلفة لتخرج كائنات جديدة مشوهة).. 
وكما كان الطفل في الولادة بدون اسم، كذلك هي طبيعة هذه الدويلات الخرافية الجديدة، وهناك من اخترع لها اسم الجملوكيات؟! 
في فترة الثانوية كنت أركز جل جهدي على مغادرة هذا الجحر في القامشلي والانسياح في العالم، وقبل شهرين من الامتحانات تم اعتقالنا، وكنت محظوظاً أن خرجت قبل الامتحان لأدخله وأنال جائزة رقم واحد في المحافظة.. 
وقصتي مع الاعتقالات شيقة يجب أن تُروى حتى يتعلمها جيل بعد جيل، حين تصبح في إطار التاريخ والذكرى..
وتجاربي في الاعتقالات تجعلني أفهم الأوضاع تماماً؛ قبل أن أغادر ديار البعث إلى يوم البعث؛ فقبل أن أغادر جحور الأفاعي تم لدغي بالاعتقالات مثنى وثلاث ورباع!! 
وكان الاعتقال الرابع لي أنا وداعية السلام جودت سعيد، في طريقنا لزيارة صديقنا الذكي المثقف خالد حسون في السلمية، وصدف أن تحركت مظاهرة اعتراض في حمص؛ فتم مسح المنطقة على قطر ألف كم، من حلكو وعامودة إلى سمنين وبير عجم، ومن الكلّة و(تركمان بارح) حتى نصيب ونصيبين. 
تم اعتقال الآلاف على شكل (احترازي) وكان نصيبنا الفلق وتحطيم الأسنان بالبوكس الحديدي، حتى صلحت نابي المحطم في أرض الفرنسيس والجرمان.
وكان الشباب (الطيبة) يضربون بمتعة بالغة، وما زال في خيالي وجه جودت المحمر من صفعة هائلة!! 
وسبق ذلك ثلاثة اعتقالات: الأولى حين زربنا ثلاثين وقوفاً، في غرفة تتسع لسبعة أنفار، وكان معنا مصاب بالبروستات فبال على الأرض تحت أقدامنا فنمنا في مستنقع من رائحة النشادر!!
كان ذلك في قبو المخابرات العسكرية في القامشلي، وأنا أتهيأ لاجتياز أهم امتحان في حياة الطالب البكالوريا؛ فهي من تحدد مصير ومسار الطالب إلى أين؟ 
بعدها دخلت الطب وما زلت أمارسه حتى الساعة، فلا أمان للمفكر إلاّ في شاطئ المهنة، والويل للمفكر إن عوّل في رزقه على مهنة الكتابة وحرفة القلم والارتزاق منها، فمصيره في بطن حوت الدولة، أو سمك قرش رفيق، أو أفعى أناكوندا من مؤسسة متهالكة، ومسؤول فاسد متنفذ، ولذا فأنا أكتب كل مقالة كتابة مودع، ومنها أسئلتكم هذه السبعة والعشرون!!  
وأفرج عني يومها قبل الامتحانات بـ(43) يوماً، فكنت أمر كل صباح بجنب قلعتهم، وهم يلوحون لي بالقبضات العسكرية والبساطر(جزم العسكر)!!
وفي مثل هذا الجو من الضغط النفسي، وتحت شعور المطاردة قدمت الامتحان في الحسكة، وكنت الأول في المنطقة؛ فتحركت إلى العاصمة الجميلة دمشق أدرس فيها الطب، ولم أعلم أن عليّ ثلاث زيارات منحوسات أخرى إلى فروعهم.
الأولى كانت حين تم اقتحام المسجد الأموي بالمصفحات والطبنجات والرصاص، وتم زرب خمسة آلاف شخص في المسكية، عند مدخل المسجد في مساحة تتسع لمائة نفر!! وساعدت طفلاً من الاختناق حين رفعته فوق رأسي!! 
وتعرفت يومها على معتقل الرعب الأول (سجن المزة العسكري) وقضيت فيه ثلاثة أضعاف فترة القامشلي (39) يوماً، ويومها فاجأنا (أمين الحافظ) أبو عبدو الملقب بـ (الجحش) فنظر في الزاوية!! وقال: من هؤلاء؟! قالوا له: طلبة جامعة؟ قال: إنهم يتحملون لا تقصروا فيهم؟! فهجم علينا جلاد شرس عتلّ زنيم، وكان أول شيء فعله هو نتف لحية طالب شريعة فلسطيني ساقه حظه العاثر إلى هذه المزبلة.
أما الاعتقال الثالث فكان علي رؤية يوسف الطحطوح؟! 
وكنت شاهداً في كراكون الشيخ حسن على حفلات تعذيبه الليلية؛ فالرجل (السيكوبات) أبو فواز؟!! كان مولعاً -مثل دراكولا- بالقدوم نصف سكران عند الفجر، فلا تطلع الشمس إلاّ على ملسوع أو مفجوج أو مفدوغ أو مهشم العظام مكسر الأسنان، أو واحداً مثلي مشبوحاً إلى حائط يحمل على كتفيه دولاب سيارة في تعذيب مستمر لأيام؟! 
وسمعت عنه أنه هذه الأيام قد أصبح تاجر عقارات مرموق من أموال الضحايا!! 
       أما في سجن القلعة فله رواية رعب رائعة؛  فقد غنى المعتقلون يوماً يا ظلام السجن خيّمْ إننا نهوى الظلاما!! فقدم مع الزبانية، فأخرج الجميع وحاجاتهم البائسة، ثم صب المازوت والكاز على أمتعتهم وطعامهم الهزيل، ثم أمرهم بالتدحرج والتقلب عليها مثل الأفعوان، ثم أمسك بشاب راقه الضرب على رأسه، فما زال يضرب على اليافوخ، حتى فار الدم، ووقع في نوبة تشنج صرعية، فما زال يعاني منها حتى اليوم!!
وأبو فواز كان يحب الضرب على الرؤوس كما رأيت ذلك في حفلة أبو راكان في سجن الشيخ حسن.
بجنب مقبرة الدحداح اجتمعنا بالأموات الأحياء، وحشرت في انفرادية لمدة (54) يوماً بدون ذنب أو جناية سوى التقارير السرية والشبهة والحكاية!!
إنها أيام خالدات لا تُنسى، يجب روايتها لأولادنا وأحفادنا وذرارينا من بعدنا، وتسجيلها وتوثيقها وإنشاء مركز إستراتيجي لها، كما فعل وايزمان مع حكايات النازيين، والتقاطهم على مدار قطر الكرة الأرضية ولو بعد ثمانين عاماً!! 
يجب حفظها وروايتها حتى لا تُنسى قط، وتعرف الأجيال ثمن الحريات!! 
 الاتجاه إلى دراسة الطب هل كان خياراً أكيداً عندك أم الصدفة وحدها هي التي قادتك إلى هذا الطريق؟ 
منذ الفترة الثانوية اتخذت قراري في الطب من أجل حريتي من الوظيفة، وبكل أسف فما زلت أمارس الطب وظيفة، ولكن خارج بلدي فقد خسرت بلدي -كما أظن- حتى القبر..
 حدثنا عن التيارات الفكرية والسياسية التي كانت موجودة آنذاك في جامعة دمشق؟
     في سوريا كان ومازال تيارات شتى، هذا في أيامنا أما بعد مغادرتي البلد فقد أصبح البلد لا يضم إلاً منافقاً أو منافقة عليم اللسان، وبقية الناس إما منسحبون أو مقتولون أو مهاجرون.. 
 بعد التخرج من الجامعة لم تستقر كثيراً في سوريا وتوجهت إلى ألمانيا.. كيف كان هذا القرار..؟
كان ما ينتظرني الحبس الطويل عشرات السنوات أو القتل أو التهجير وهو ما فعلته أنا، كما أنني جربت حظي في الدراسات العليا فكانت مضيعة للوقت والعمر، وكان الطريق للتخصص يومها مفتوحاً، فتوكلت على الله، وسافرت وأظنه كان قراراً حكيماً.. 
 ماذا أكسبتك الدراسة والتخصص في ألمانيا على صعيد الفكر والحياة؟
ألمانيا أعطتني التخصص والمال وراحة البال، والإنفاق بكرامة على عائلتي ووالدي وإخوتي، والاطلاع على العالم، وجو الحضارة بدون خوف وذل وفقر وقلة وحبوس وفلق ومخابرات وتقارير سرية، وكنت في سوريا مهدداً من كل جانب بضياع كل شيء.
 عام 1973 كان عاماً مفصليا في حياتك؛ إذ آمنت فيه بأفكار معينة، ونبذت أخرى.. حدثنا عمّا تغير فيك آنذاك ودواعي ذلك التغير وما نتج عنه!!
كان هذا في سجن الحلبوني حين كنت معتقلاً في الفرع (273) لصالح المخابرات العامة، حين انقدح في ذهني مشروع اللاعنف أو المقاومة السلمية، وفيه بلورت أفكاري في كتابي اللاحق النقد الذاتي، وما زال مشروعاً يتطور باستمرار.
 بعد الفراغ من الطب اتجهت إلى الشريعة الإسلامية.. هل كان ذلك التوجه استعداداً لمرحلة تريد أن تمزج فيها بين الشرعي والعصري؟
ليس صحيحاً بل درست الشريعة بجانب الطب، وانتهيت من الاثنين معاً، وكانت دراستي من أجل سحب البساط من تحت أقدام كل مدعي باطل للشريعة، وإن كنت أصل إلى القناعة مرة بعد مرة، أن النقاش لم يحل مشكلة يوماً؛ لأن المشكلة سيكولوجية حلها في تضاعيف الروح. 
 من هم العلماء والمفكرون الذين ساهموا في تكوينك الفكري في بواكير حياتك؟ وهل ما زلت تحمل أفكارهم إلى الآن أم تجاوزتها؟
استفدت من الكثيرين في حياتي، ولكني في كل مرة أتمرد على من استفدت منه، وحاولت تمحيص أفكاره، وإعادة النظر فيها ونقدها وتطويرها، وبالطبع فمن أثر علينا هم عشرات المفكرين.. وأنا في كتاباتي دوماً أحاول أن أعيد الفضل لأصحابه..
 ذكرت مرة أنك اشتغلت على القرآن الكريم (8) سنوات كاملة.. ماذا تعني بـ(اشتغلت) تحديداً.. وما هي الفوائد التي جنيتها وأنت المفكر والطبيب من هذا (الاشتغال)؟
أقصد العمل المركز حفظاً ومراجعة كتب التفسير واللغة والعلوم الإنسانية المساعدة.
 ذكرت في محاضرة بمكتبة الملك عبد العزيز العامة في الرياض، أن لك تجربة مميزة مع التثقيف الذاتي.. صف لنا بالتفصيل مراحل تلك التجربة وسماتها وكيف كنت تقرأ وماذا تقرأ؟!!
يمكن في هذا الصدد أن أذكركم بقوانين البناء المعرفي الست والثلاثين، فهي تفيد في هذا الصدد؛ فهذه طبقتها على نفسي خلال أربعين سنة من التحصيل المعرفي.. 
وكثيرون هم الذين يسألونني: كيف اشتغلت على صقل معارفك، والصبر على القراءة، والتحصيل المعرفي؟ وأنا حين أقارن نفسي بالغزالي وبرتراند راسل، أضحك عليهم وعلى نفسي مرتين، مثل مشلول يقارن نفسه بمحمد علي كلاي في الملاكمة قبل باركنسون. ولكنني أفيدهم في قوانين البناء المعرفي فأقول عليهم بمجموعة من قوانين تركيز العبقرية، وهي كثيرة ولكن نسرد بعضها:
 - قانون تكرار وإعادة قراءة الكتاب الجيد عشرات المرات: الكتاب الجيد يُقرأ عشرات المرات، حتى يُهضم ويصبح في تركيبة المنظومة المعرفية.
قانون تقليم الأفكار وتقليم الأشجار: يجب دوماً تطوير الأفكار وتنميتها وإعادة النظر فيها وتمريرها بفلترة العقل النقدي؛ فالعلم ينمو بالحذف والإضافة، وكذلك الأفكار. 
- قانون الأثر النفسي مع قراءة الكتاب؟ يُعرف الكتاب الجيد بهذه الصفة إذا دخلته خرجت منه بغير النفس التي دخلت به إليه فغيّرك. هكذا روى يوسف إسلام عن القرآن، وهكذا فعل بي كتاب الفلسفة لسعد رستم، ومحنة ثقافة مزورة للنيهوم، وبنو الإنسان لبيتر فارب، ومقدمة ابن خلدون، والأحياء للغزالي، والمقال على المنهج لديكارت، والخواطر لباسكال، وقصة الفلسفة لديورانت،وكتاب منطق ابن خلدون للوردي، وهي أمثلة من عشرات الكتب التي غيّرت تركيب دماغي.
- قانون التغير والتغيير: الإنسان يتغير، والتغيير يتم بالنفس، والسلوك يتبع تغيير النفوس، وتغيير ما بالنفس هو من عالم الفكر، وعالم الفكر يتغير بالكلمة، لذا بدأ القرآن حملة التغيير بكلمة اقرأ!! وثنى بالقلم وما يسطرون. وثلّث بالرفع بالعلم، وربّع بدمج المعرفة بالإيمان، فبؤس المعرفة بدون إيمان يشرح الصدر، ولا بورك لنا في طلوع شمس ذلك اليوم، الذي لا نزداد فيه علماً يقربنا إلى الله تعالى. 
وبالمقابل ما أفقر الإيمان بدون معرفة، ولا يمكن لمؤمن أن يدخل محفلاً دولياً، بدون الانتباه إلى إضافات المعرفة الإنسانية، وإلاّ كان مصيره السخرية من المحفل العالمي. 
وهي إحدى مشاكل الشلل العقلي في العالم الإسلامي: الانقطاع عن المعرفة وإعادة الالتحام بعربة التغير العالمي، وهو عمل عقلي أكثر منه اقتناء منتجات الحضارة!! فالتكنولوجيا هي نتاج من نتاج، طبقاً عن طبق، الفكر العلم ـ الأشياء.
-قانون طبيعة المعرفة: طبيعة المعرفة شاملة مؤسسة بالعمق والسطح، فيجب تلقيح الدماغ كما هو في إدخال المواد الأساسية للجسم؛ الماء البروتينات النشويات الدسم الأملاح والعناصر المعدنية والفيتامينات، كذلك إدخال الأفكار إلى الدماغ؛ من عشرين حقل معرفي؛ كما هو في إدخال عشرين حامض أميني يحتاجها البدن لتركيب وبناء نفسه وترميمها، فكما احتاج الجسم إلى الليزين والأرجينين والغوانين، كذلك هو بحاجة لفكر التجديد الديني والكوسمولوجيا والتاريخ والأنثروبولوجيا والألسنيات وعلم النفس والاجتماع الإنساني. 
-قانون منافذ الفهم:  إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً؛ إنها أدوات الإيمان بالتشغيل، والكفر بالإغلاق، والكفر لغة الردم والطمر والإخفاء.
منافذ المعرفة أربعة: السماع والنطق فوجب تدريب الحوار العقلي، والقراءة والكتابة فوجب تنشيط الذهن بحوافز الأفكار بالقراءة الصامتة. والقراءة الإيجابية، والمنوعة، والصادمة أحياناً؛ فوجب الاطلاع على التراث الإنساني كله، وحسب برتراند راسل فهو يقول: لو كان الأمر إلي لعرضت على عقول الأطفال أكثر الآراء تبايناً حتى أنمي عنده ملكة النقد، وما نحتاجه اليوم العقل النقدي أكثر من النقلي، ويجب أن يفهم طرفا النزاع في المجتمع، كما ذكر أحمد أمين في كتابه التاريخ العقلي عند المسلمين، أنه لو بقي تيار العقل والنقل يعدل بعضهما البعض بين جموح وفرملة، لكتب للعالم الإسلامي مصير مختلف، بل ربما كما ذهب إلى ذلك (غالب هسا) في كتابه العالم فكر ومادة إلى قيادة الجنس البشري، ولكن استيلاء تيار النقل وتحطيم العقل ضرب جناح العالم الإسلامي فهوى طير بجناح واحد يتلوى من هول الوقعة!
 إذا سُئلت عن نصيحة للشباب الطامح للتثقيف الذاتي فماذا تقول له؟
إنه أمر شاق، ولكن لابد منه، ويحتاج إلى دورات مكثفة في هذه، وفي قناعتي أن جهد عشر سنوات وقراءة حوالي (200) كتاب تؤسس الشاب معرفياً..
 ذهبت إلى كندا قبل سنوات وحصلت على جنسيتها، ما هي أسباب اختيار كندا تحديداً؟ ولماذا لم تكن ألمانيا التي بقيت فيها زهاء الـ(8) سنوات؟
الجواب بسيط هي أن ألمانيا لا تعطي هجرة واستقرار، خلاف كندا التي تعطي هجرة واستقرار، بدون وظيفة وعمل، وهكذا لم أبق في ألمانيا، ولم أستقر في كندا، وأظن أنني سأبقى أطوف الأرض حتى يحين الأجل.
 ما الذي وجدته في كندا ولم تجده في موطنك؟
ثلاثة: الأمن والحرية وكرامة الإنسان..
  هل تعترف بأنك معجب بالغرب؟ وهل يمتد هذا الإعجاب ليشمل منهجه الاجتماعي وأفكاره؟
أنا معجب وغير معجب بالغرب، وهذا يجب أن ينطبق على كل فرد يحتك بالمجتمعات الغربية فيحب الجيد وينبذ السيئ.
 بقيت في منطقة القصيم لنحو (20) عاماً، وهي مدينة محافظة وأنت مفكر منفتح.. كيف سار بك الأمر في هذه المدينة؟ وماذا أعطتك وماذا أعطيتها؟
- القصيم لم تعطني ولم أعطها أي شيء، فقد كنت أمارس فيها الطب وأخدم المرضى والمصابين، بدون أي احتكاك اجتماعي فيها، ولذا كانت لي غار حراء السعودية.. 
 فكرتك عن السلم والحياد واللا عنف، تبدو شديدة المثالية، وتجد انتقاداً من شريحة واسعة من المثقفين والمفكرين، معتبرين أنها تنظر لـ (الاستسلام والسلبية والخمول).. كيف تكتب عن السلم لأناس مهزومين؟
فكرتي لم تفهم جيداً حتى بدأ ضرب النار والرصاص في المملكة، حينها أدرك الأطراف خطورة العنف ومعنى التغيير السلمي... وبدأ أرباب الضرب والحرب بالكلام السلمي بغير قناعة فيه.. ونظريتي عن العمل السلمي يختصر بثلاث كلمات: أن التغيير الداخلي يجب أن يتم بالمقاومة.. والمقاومة السلمية.. مع عدم الحقد على الأوضاع والحكام، بل فهم آليات التغيير الاجتماعية..
 مع اعتقادك الجازم بأن الغرب جرب العنف وعرف أهمية السلم.. كيف نفهم هذا مع التسابق الذي نراه الآن في مجالات التسليح والقوة النووية؟
يا قوم، العالم والغرب محور واشنطن طوكيو ودّعوا الحروب إلى الأبد؛ لأن فيها الفناء الكامل والنهائي والأخير للجنس البشري.. وهم يريدون التخلص من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، ولكنها ورطة جحا، مثل ديكتاتورية مصر وليبيا وسوريا وتونس.. إنها نفق مظلم دخلت فيه الأمة وورطة كبيرة تحتاج وقتاً طويلا للتخلص من عفنه.. 
 ألا تعتقد أن تسابق التسليح والعنف الذي يضرب العالم الآن، يضرب أيضاً أفكارك حول السلم؟
العنف يحصل فقط بين المجانين وعلى يد المجانين المفلسين أخلاقياً.. والحرب تُخاض لتأديب المتخلفين مثل الصرب، أو بين المتخلفين مثل الحبشة واريتريا، أو بيد المجانين مثل شارون وبوش والظواهري.. ولا أريد أن أضيف للقائمة أقوام يغضبكم ذكر أسمائهم.. 
 فكرتك حول السلم واللا عنف يُنظر إليها من جانب آخر بأنها موجهة للجماعات الإسلامية وحدها دون غيرها، مما يلمح إلى إدانة ما لهذه الجماعات!!
فكرتي موجهة لعقل العربي بطرح إنساني لكل وقت؛ فهذا هو منهج النبوة في قناعتي..
 يعارض البعض أفكارك (السلمية) بصفتها مناوئة للجهاد.. هل يمكن التفصيل في هذا الجانب؟
ما هو الجهاد؟
في 11 سبتمبر ضُرب البرجان التوأمان لمركز التجارة العالمي في نيويورك، واعتبر البعض أن هذا جهاد في سبيل الله. 
وعندما كان رئيس حكومة عربية في زيارة دولة إفريقية جرت محاولة لاغتياله اعتبرها البعض أنها تصفية للطاغوت. 
وعندما اغتيل السادات هلل القوميون قبل الإسلاميين أنه أفضل ما عمل، وأنه جهاد في سبيل الله. 
ولكن ما هو الجهاد في سبيل الله حقاً؟ 
يظن البعض أن الجهاد هو استخدام القوة المسلحة ضد الحكومات التي لا تحكم بالشريعة الإسلامية. وهذا خطأ في اختزال الجهاد إلى قتال مسلح. وهو توظيف آلة في غير وظيفتها. 
وهو مفهوم مغلوط لمعنى الدولة والمجتمع. 
وهو وضع آلة خطيرة في يد غير مخولة؛ فليس الجهاد بيد فرد أو حزب أو تنظيم سري مسلح تحت الأرض أو في جبال الجزائر أو كهوف تورا بورا. 
وهو ارتكاب خطأ منهجي في التغيير الاجتماعي عن طريق القوة المسلحة. واستبدال (الإقناع) بـ (الإكراه). 
وهو من باب خفي (عبادة) للقوة وارتهان لها. 
      والشباب الذين ركبوا ظهور الدبابات للإطاحة بالأنظمة قتلوا رفاقهم قبل أعدائهم. 
وعندما قنص المغامرون العسكريون السلطة ألغوا شريحة المفكرين. وعندما اختلف رفاق السلاح دفع المنتصر رفاقه إلى أقبية الاستخبارات حتى تعفنت عظامهم، أو خرجوا لأولادهم على نقالات مصابين بالسرطان. واستبدلت الأمة صداعاً بمغص، والتهاب لوزات بمرض السل. 
ألا ساء ما يزرون. 
وبذلك يخطئ من رأى الجهاد على هذه الصورة ثلاث مرات: 
في (الوظيفة) و(البنية) و(من يستخدم هذه الأداة وضد من؟). 
وقديماً قتل الخوارج الخليفة الراشدي الرابع وتقربوا بدمه إلى الله. ثم دخلوا في صراع مسلح مع الدولة الأموية لفترة قرن من الزمان واعتبروه سنام الجهاد، ونزفت الدولة الأموية حتى الموت في الصراع معهم. ولكن الأمور لم تزدد إلاّ خبالاً. 
واستبدل يزيد والحجاج بالسفاح وأبي مسلم الخراساني. 
وإذا كانت الدولة الأموية قد أخرجت العادل عمر بن عبد العزيز فإن العباسيين أنتجوا من الخلفاء من اتصل بالطاغية جنكيزخان يستعديه على ملك خوارزم المسلم، وكان مثله مثل من أدخل الدب إلى بستانه. أو الفأر الذي استأجر لنفسه مصيدة. 
إن الجهاد يعني استفراغ الجهد في رحلة الاقتراب من الله. ولذا سمى القرآن العمل الفكري جهاداً أكبر (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به (أي بالقرآن) جهاداً كبيرا). 
وبهذا نفك الإشكالية الأولى أن الجهاد لا يعني القتال بل هو مفهوم أوسع. وأما القتال في سبيل الله فهو وظيفة دولة راشدة وصلت إلى الحكم برضا الناس. 
وآلة تستخدم ضد (الظلم) وليس (الكفر). (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا). 
وهذا تفريق جوهري؛ فاستخدام القوة المسلحة لنشر الإسلام هو إسلام ضد الإسلام. 
وهذا يعني بكلمة أخرى أن آلة القتال المسلح هي ضد (الظلم) الإنساني أياً كان ولو كان من المسلمين؛ فاستخدام الآلة المسلحة لكبح الظلم وإزالته من الأرض بالتعاون مع أي قوة أخرى إسلامية وغير إسلامية على شكل دعوة إلى تحالف عالمي لتحرير الإنسان. 
ومنه نفهم استعداد الرسول صلى الله عليه وسلم للدخول في حلف الفضول الذي كان سارياً في عهد الجاهلية فقال: لو دُعيت إليه لأجبت. 
وهذا الكلام يوصلنا إلى ثلاث حقائق جوهرية: 
ـ (الأولى): إن تغيير الإنسان والمجتمع يتم بطرق سلمية وليس بالسيف أو الانقلاب المسلح كما جرى في التاريخ الإسلامي ومازال. والسبب أن الدماغ لا يعمل بالقوة. قد يستطيع إنسان ضرب مسمار بالحائط بمطرقة ولكن المادة العصبية لا تتأثر إلاّ بعمل إلكتروني من السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا. 
ـ (الثانية): إن (القتال) أو استخدام القوة المسلحة محصور في (الدولة) وليس بالأفراد أو التنظيمات السرية بسبب طبيعة الدولة. فهذه المؤسسة بناها البشر مع بزوغ الحضارة قبل ستة آلاف سنة بديلاً عن فوضى الغابة. وأهم مزاياها أنها تحتكر العنف من الأفراد مقابل توفير الأمن لهم داخلها. ونحن بوساطة الأمن الاجتماعي نأكل ونتزوج ونسافر ونبني الجامعات. ولكن وضع العنف في قناة عادلة بيد أناس لا تستهويهم القوة، ولا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً هو الذي يميز الاستخدام الصحيح من السيئ، فيسمى قتالاً في سبيل الله أو لحساب الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً. 
ـ والحقيقة (الثالثة): إن القتال المسلح مسخر ليس لنشر الإسلام في الأرض بل لرفع الظلم عن الإنسان مهما دان؛ فيستخدم ضد المسلم الظالم ولو حج كل عام، وبالتعاون مع كافر عادل، ولو لم يستقبل القبلة في حياته.