تغيير المناهج الدراسية في العراق..لماذا الآن؟

كتب بواسطة: بلقيس عبدالعزيز | في الجهات الاربع . بتاريخ : May 25 2012 | العدد :62 | عدد المشاهدات : 2394

تغيير المناهج الدراسية في العراق..لماذا الآن؟

نسخة للطباعة
بعد تنفيذ المخططات الغربية الأمنية والسياسية في العراق، ليس غريباً أن تتجه البوصلة هذه المرة صوب المناهج الدراسية بغرض تغييرها بأخرى أكثر "مرونة" -كما يقول بعض المتنفذين في عراق ما بعد صدام حسين-، وخطة تغيير المناهج الدراسية ليست بالمخطط الجديد؛ فقد تم التنظير والتفكير لها منذ سنوات طويلة تعود إلى الفترة التي سبقت احتلال بغداد بقليل، ومردّ هذا الاهتمام الكبير بالمناهج وضرورة تغييرها إلى أنها تعتبر هي – كما أي بلد آخر- هي أساس التكوين الفكري والعقدي للشباب.
فالمناهج الدراسية قضية معقدة ليست في العراق فحسب، بل في كل دول العالم؛ لأنها الوسيلة الفعالة التي من خلالها تسير عجلة التطوير والتقدم لكل شعوب الأرض، وهي الوسيلة السهلة التي يمكن السيطرة عليها لخلق أجيال تتماشى والفكر السياسي للحاكم نفسه، والتي سماها (جوليس نايري) "هي الأنبوب الذي يضخ من خلاله السياسيين أفكارهم ومبادئهم للأجيال الفتية المراد السيطرة عليها", لذا نجد أن من أول الخطوات التي خطاها المحتل الأمريكي في العراق هو السعي لتغيير المناهج الدراسية في هذا البلد.
وما أن احتُلّت بغداد حتى بدأت مسألة تغيير المناهج التدريسية في العراق تدخل حيز التنفيذ، وقد نشرت جريدة (الواشنطن بوست) الأمريكية في 16/ أبريل/ 2003, تقريراً يتحدث عن سعي الحكومة الأمريكية -بالتعاون مع بعض العراقيين المغتربين- إلى تغيير المناهج التعليمية في العراق، على غرار ما قامت به الحكومة الأمريكية في أفغانستان, وأكد التقرير أن وكالة الولايات المتحدة الأمريكية للتنمية الدولية رصدت مبلغ (65) مليون دولار أمريكي لتقديمها كعقود للمؤسسات التي سوف يُسنَد لها مهمة تغيير هذه المناهج, ومن بينها منظمات أمريكية أشرفت على صياغة مناهج جديدة تعليمية للمدارس في أفغانستان, و ضمن ما تم الإعداد له هو تشكيل منتدى في وزارة الخارجية الأمريكية باسم (مشروع مستقبل العراق), ضم في تكوينه نخبة من المتخصصين والباحثين والمثقفين العراقيين، والذين تجاوز عددهم المئات, والذي طرح رؤيا المشروع الأمريكي لما بعد صدام, ولضخامة هذا التكوين بلغت عدد اللجان فيه سبع عشرة لجنة, وليس مهمة هذه اللجان إعادة أعمار العراق أو تطوير ما عنده من بنية تحتية لتقديم الأفضل, بل عند ذكر كل مسمى من مسميات هذه اللجان يتبادر إلى الذهن الهدم لإعادة التكوين من جديد، ضمن المنظومة الأمريكية في العراق، ومن بين تلك اللجان السبع عشرة لجنة التعليم: ومهمتها حشد كوادر من مؤسسات أجنبية وأمريكية لتغيير مناهج التدريس لمواد التاريخ والدين والتربية الوطنية في العراق, والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا مواد التاريخ والدين والتربية الوطنية؟
والجواب على ذلك يكمن في أهمية هذه المواد في خلق البنيان الفكري والديني والسلوكي لأفراد المجتمع منذ نعومة الأظفار, ولهذا فقد سعت حكومة الاحتلال الأمريكي في العراق إلى المجيء بوزراء ومستشارين لوزارة التربية العراقية، ومنذ أوائل أيام الاحتلال يحملون النفس الطائفي المتشدّد الذي يمكنهم من تحقيق مآربهم تلك، وتعاقب على هذه الوزارة الحساسة (وزارة التربية) وزراء من الائتلاف العراقي الموحد من حزب الدعوة، وكان آخر هؤلاء الوزراء في حكومة المالكي، وهو الدكتور "خضير موسى جعفر الخزاعي" القيادي البارز في حزب الدعوة الشيعي, والنائب في مجلس النواب عن قائمة الائتلاف العراقي الموحد, وهو يحمل الجنسية الإيرانية والجنسية الكندية, والمعروف عن الخزاعي أنه ينتهج نهجاً طائفياً شيعياً حاداً, ويقرأ (المقتل الحسيني) و(المحاضرات الحسينية) في حسينية افتتحها الدكتور إبراهيم الجعفري رئيس الوزراء السابق في المنطقة الخضراء, وعندما كان في كندا كان يمارس العمل نفسه في حسينية (البدون), ويرى الخزاعي أن الحل في تغيير المناهج الدراسية في العراق هو بالعودة إلى المراجع التي يحمل فكرها هو قائلاً:  لقد قبلنا بمفهوم الديمقراطية الحاصل اليوم على مضض, والحل هو الإسلام المتمثل بمراجعنا(المراجع الصفوية – الطائفية)  الذي نستمد منهم تعاليم ديننا.
ثم يخرج بعد ذلك الكثير من المسؤولين في الشأن التربوي في العراق ليؤكدوا على نفس منهج الخزاعي في التغيير للمناهج الدراسية، و قال خالد النعماني نائب رئيس مجلس محافظة النجف: "نحن شيعة النجف مستعدون لأن نضع مناهج كاملة لوزارة التربية".
كما قالت رئيسة لجنة التربية في مجلس محافظة النجف سهيلة الصائغ: “مثل ما هو موجود في بعض المواد التي تمدح بإسهاب بعض الخلفاء والشخصيات، نريد ذلك أيضاً لأئمتنا الذين لهم الباع الطويل، والصوت الأول، والقلم الأول في كل المجالات، حتى في المجالات العلمية”.  
وكان من نتيجة ذلك أن وصل التغيير في المناهج الدراسية في العراق أن الكتب المدرسية التي أُمر بإعادة طبعها خلت من أي إشارة لحرب إيران على العراق في الثمانينيات, فضلاً عن أنه في امتحانات الدراسة الإعدادية للعام الدراسي 2008, أُقحم في أسئلة مادة الدين سؤال عن (محمد باقر الصدر)، في حين أنه ليس من مفردات المنهج. 
بل إن الخزاعي قد أصر على طبع الكتب المدرسية لكافة المراحل في إيران، ولم تفلح محاولات بعض النواب في ثنيه عن هذا القرار, مع أن المطابع العراقية ليست أقل مستوى من مطابع إيران, كما أنها قدمت عروضاً بمبالغ أقل مما طلبته المطبعة الإيرانية.    
وكان من نتيجة ذلك أن مادة التربية الإسلامية التي تُدرّس للصف الأول الابتدائي قد تم فيها تغيير الأذآن، وتحريف  الوضوء، وإرساء طرق تسعى لغرس هذا التغيير في عقول ونفوس أطفال العراق لتبدأ بعدها عملية التغيير التي تسعى لها منذ عقود، وهو حرف الدين وتحويله لما يخدم مصالحها ومصالح المحتل الأمريكي الذي دخلوا على دبابته لاستباحة العراق، وكل ما فيه.