من أجل الوطن.. أوقفوا الإصلاح!

كتب بواسطة: د. مسفر القحاني | في رجع الصدى . بتاريخ : May 25 2012 | العدد :62 | عدد المشاهدات : 1855

من أجل الوطن.. أوقفوا الإصلاح!

نسخة للطباعة
مسيرة الإصلاح في أي مجتمع بشري إذا لم تستمر بالتقدم والسرعة التي تميز طبيعة عصرنا الحاضر ومتغيراته العنيفة والمفاجئة؛ فإن أي وقوف عرضي لهذه المسيرة يعتبر نذير مشكلة، وإذا كانت المسيرة تتجه نحو التراجع للوراء، فهنا الكارثة التي قد تحيق بالمجتمع وأهله، دون تميّز بمن كان يصيح بالخطر، ويعمل على تقليل الضرر كالنذير العريان، ومن كان يعيش في غفلته، و يحوم حول خصوصياته، ويعيش في جزيرة أحلامه وتجاراته، غير عابئ بواجباته تجاه إصلاح وطنه.
ومنذ سنوات والحديث عن الإصلاح شاغل المجالس والمنتديات، ربما زادت من غلواء الحديث حول موضوعاته، صور المقارنات بين مجتمعنا والمجتمعات التي حوله، أو التي أصبحت حوله من خلال النقل الأثيري والتواصل القريب لأفراد القرية الكونية. هذه الأحاديث الإصلاحية لم تنفك عن إفراز طبيعتنا حول القضايا المجتمعية المتنوعة التي تتغول إلى درجة كوابيس مزعجة في الليل والنهار، وهي ذات النتائج التي تخرج بعد كل جلسة نقاش إصلاحية، كالتخوين للبعض بانعدام الوطنية، أو الغلو الأعمى في تجريم الحديث عن الوطن، أو عكسها من تهميش وتقليل أي مساهمة، و قتْل الأمل في التغيير نحو الأفضل، وأظن أن تباينات هذا الوضع بدأت تطغى وتطفو على السطح بالسباب والتراشق بالتهم والتعيير بالتبعية، أو التحذير من الخروج على الدين، و ولاة الأمر، وتشعل نيران الفتن بين أصحاب الهم الواحد والوطن الواحد والمشتركات الكثيرة التي لا توجد في مجتمع مثل ما توجد في مجتمعنا الواحد.
ومسيرة الإصلاح في ظل هذه الظروف الضبابية أصبحت ماضياً بعيداً، انحرف الكثير من المنظرين والمتحدثين عن مسيرة السعي الإصلاحي نحو مناكفات مصلحية وتصفيات شخصية، متدثرة بقميص الوطن المظلوم.
لذلك أجد من المهم أن نقف وقفة حازمة مع أنفسنا، ونسألها بصدق: أين نحن من مسيرة الإصلاح والتغيير والبناء والنهضة، التي ننادي بها كفجر قادم يحتاج للانتظار القليل، بينما الليل البهيم لا يزال يخيم علينا منذ زمن؟ هل تفرغنا للقضايا الكبرى التي لم تُنجز بعد، ولا تزال تشكل عائقاً من تواصل مراحل البناء؟ هل عالجنا مشكلاتنا المستفحلة منذ عقود، التي لم ينجز في علاجها إلاّ ركام من الأوراق والتنظيرات الفارغة؟ هل نحن فعلاً في سباق تتابع مع التطور والتحديث، أم أن عصا التواصل بين السعاة تتوقف كلما تغير مسؤول أو انتهت ميزانية العام؟
هل نسمع تلك الوقائع التي تدمي النفس، عن مشاريع متعثرة، وإدارات لاهية فارغة من الموظفين في البكور وبعد الظهر، ومبدعين يفكرون في الهرب أو الموت البطيء في المنزل، أو عابثين بمكتسبات الوطن يتبوؤون منجزات الوطن على أوراق الصحف و المجلات؟ هذا الحديث الدائم والخبز اليومي الذي يعيشه المواطن العادي، هو ما ينبغي أن يعرفه المسؤول، ويحتكم له ويستشهد به، وليس بما لديه في الأدراج من خطط و وعود وأحلام!! 
أتمنى أن نحترم الوطن قليلاً، وأن نفي بالعقود المعطاة لولاتنا، وأن نوقف الحديث عن الإصلاح، نعم. نوقف الإصلاح، الذي لم نشاهد إلاّ القليل من نتائجه، أو لم نتذوق إلاّ القليل من طحينه؛ لنعرف أين مكاننا الحقيقي، ونتذكر واجباتنا المتراكمة منذ زمن، ونصحح المسيرة، ونراقب الواقع، و نحاسب المقصر بحزم وإنصاف، ونحمي مدخرات المستقبل، والتراخي والتقاعس عن هذا الواجب سيجعل الإصلاح من ضمن عاداتنا الاجتماعية المحفوظة في المتاحف والمهرجانات، أو كالديباجات الإعلامية المكرورة التي ملّ الجميع من سماعها وقراءتها، وخلت من الروح في معناها.
هذه بعض النفثات المخنوقة التي لن تنجو من مشانق الاتهام و محاكم التصنيف، لكني أرجو أن تُقرأ كما كُتبِت "من أجل الوطن".