الدكتور سليمان العيد: تهويد الأقصى وتهويد القدس ليسا شيئاً واحداً

كتب بواسطة: زياد الركادي | في الملف . بتاريخ : May 25 2012 | العدد :62 | عدد المشاهدات : 3143

الدكتور سليمان العيد: تهويد الأقصى وتهويد القدس ليسا شيئاً واحداً

نسخة للطباعة
حذر الأكاديمي السعودي سليمان بن قاسم العيد، بشدة من خطورة المحاولات التي يقوم بها الإسرائيليون من أجل تهويد الأقصى ومدينة القدس بشكل عام، مؤكداً أن هذه المحاولات من قبل اليهود جادة وتعتبر إسترايتجية عندهم، وأن أي تراخ من المسلمين قد يقود إلى ما لا تُحمد عقباه، وانتقد ردة فعل المسلمين من هذه المحاولات، ووصفها بأنها ضعيفة وغير جادة.
وكشف في حوار معه أن عملية تهويد الأقصى ليست هي ذاتها المقصودة بتهويد القدس، وأن هناك فروقات بينهما، موضحاً أن تهويد الأقصى والقدس يتم التنفيذ في مراحل متعددة، ومع أن الأكاديمي سليمان العيد صرح بعدم استطاعته تحديد المرحلة التي وصل إليها المخطط، إلاّ أنه أكد بأنه قطع شوطاً، وأنه تعدّى مرحلة التخطيط إلى التنفيذ المباشر.
وذكر سليمان العيد رئيس قسم الثقافة الاسلامية بجامعة الملك سعود بالرياض، أن رجال الدين والحاخامات اليهود كانوا يحرمون في الماضي دخول اليهود إلى المسجد الأقصى المبارك، لكنهم تراجعوا الآن عن هذا التحريم، الذي لم يستبعد العيد أنه كان مرحلياً لوضع سياسي معين.
 بداية ما المقصود بمحاولات تهويد الأقصى أو مدينة القدس بشكل عام؟
تهويد الأقصى وتهويد القدس ليسا شيئاً واحداً من وجهة نظري، بل هما شيئان مختلفان؛ فتهويد الأقصى جعله معبداً يهودياً تُقام فيه الطقوس اليهودية، وتُبعد عنه الشعائر الإسلامية ووجود المسلمين، بمعنى آخر تحويل الأقصى إلى الهيكل المزعوم، وذلك ببنائه على أنقاض المسجد الأقصى، ولا يخفى على أحد تلك المحاولات اليهودية الماكرة لتخريب المسجد الأقصى وتدميره لإقامة الهيكل على أنقاضه، وهذا الهيكل هو الحلم الذي يحلم به اليهود، وبخاصة المتطرفين منهم. وأما ما يتعلق بتهويد القدس فذلك يعني جعلها مدينة لليهود والسيطرة عليها سيطرة كاملة بتفريغها من المسلمين، ومن كل المظاهر العربية والإسلامية.   
 هل صحيح أن عملية تهويد القدس يتم التنفيذ لها عبر أكثر من جانب مثل الأرض والديموغرافيا والبناء والتاريخ؟
صحيح؛ فاليهود يبذلون كل ما يستطيعون في سبيل تحقيق مآربهم؛ فهم يسيطرون على الأراضي بالقوة ليضعوا العالم والفلسطينيين أمام الأمر الواقع، وذلك في ظل تخاذل المنظمات الدولية معهم والسماح لهم بالاستيلاء على ما يشاؤون من الأراضي الفلسطينية، وفي الحقيقة لو أن الفلسطينيين حاولوا بالقوة استرداد بعض أراضيهم من العدو المحتل لقامت المنظمات العالمية ولم تقعد بحجة حفظ الاستقرار وتهدئة الأمور، أما من حيث التاريخ فإن الذي يعرف تاريخ اليهود يدرك حقاً أنه ليس لهم حق تاريخي في فلسطين؛ فإن أول من سكن فلسطين هم الكنعانيون، وهي القبائل العربية السامية التي نزحت من الجزيرة العربية (الساحل الغربي للخليج العربي)، وتمركزت في فلسطين، فدُعيت هذه الأرض باسم (أرض كنعان)؛ ليكون بذلك أول اسم تحمله فلسطين. وبقيت للكنعانيين السيادة ما يقرب من ألف وخمسمائة سنة، أي من 2500 ق.م إلى نحو 1000 ق.م، حين تمكن بنو إسرائيل من إعلان مملكتهم؛ فالعرب قد سكنوا المنطقة من قبل، واليهود الحاليون يزعمون أنهم سلالة يعقوب -عليه السلام- ولو سلّمنا بذلك لهم لوجدنا أن تاريخهم بدأ من عام 1800 قبل الميلاد تقريباً، ولم يكن لهم في ذلك الزمان ملك مستقر في فلسطين، بل رحل يعقوب -عليه السلام- مع بنيه إلى مصر، وبقوا ما شاء الله من الزمن حتى عهد موسى -عليه السلام- الذي خرج بهم من مصر، ولم يتمكن عليه السلام من دخول فلسطين، ودخلها بعد بني إسرائيل على عهد يوشع بن نون عليه السلام. ويقسم المؤرخون وجود بني إسرائيل في فلسطين إلى ثلاثة عهود: عهد القضاة، عهد الملوك، عهد الانقسام والتشتت. والمتأمل في التاريخ يجد أن ملك بني إسرائيل المستقر في فلسطين لا يتجاوز (70) عاماً من 4000عام إلى يومنا هذا، فأي حق تاريخي لليهود في فلسطين؟ ثم إن الملك المستقر لهم في فلسطين هو ملك نبي الله داود وسليمان عليهما السلام، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده. 
 إلى أي مرحلة -من وجهة نظركم- وصل تهويد الأقصى في الوقت الحاضر؟ 
المقدسيون الذين يمكنهم زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه هم أقدر على الإجابة عن هذا السؤال، ولكن أقول من وجهة نظري أنهم مع محاولاتهم المتكررة من قديم الزمان فقد أخفقوا في تحقيق ما يريدون مع ضعف الفلسطينيين بخاصة والمسلمين بعامة، ومن هنا يمكن القول على المسلمين والعرب أن يتحملوا مسؤوليتهم في الدفاع عن ثالث  المساجد التي تُشدّ إليها الرحال، وتُفضّل الصلاة فيها على غيرها، كما جاء على لسان المصطفى (صلى الله عليه وسلم). 
 وإلى ماذا يشير عندكم فتوى رجال الدين والحاخامات اليهود بإباحة دخول اليهود إلى المسجد الأقصى المبارك بعد عقود طويلة من تحريم ذلك؟ 
لا شك أن رجال الدين والحاخامات اليهود هم من أشد الناس عداءً للمسلمين وأبعد الناس تقديساً لحرمات المسلمين، وربما كان ذلك التحريم مرحلياً لوضع سياسي، وأما اليوم لما قلّ المنتصرون للمسجد الأقصى، وأمنوا الوقفة الإسلامية الصامدة تجاههم أباحوا ذلك. 
 في اعتقادكم: هل يمكن أن يصل اليهود إلى الدرجة التي يحاولون فيها هدم الأقصى بشكل مباشر؟ 
المثل يقول: (من أمن العقوبة أساء الأدب)، فإذا أمن اليهود ردود الفعل الإسلامية والعالمية تجاه ذلك فقد يقدمون على هذه الجريمة النكراء، وليست بأقل جرائمهم، ولكن نقول: (للبيت رب يحميه). 
 هل يُعامل المسجد الأقصى كمكان مقدس وريف (عند اليهود)، أم أن القضية مجرد أكاذيب للحصول على الأرض؟ 
المسجد الأقصى عند اليهود ليس مقدساً ولا شريفاً، بل يحاولون بناء الهيكل مكانه، وهو المقدس في زعمهم، ولو سلمنا أن الهيكل صحيح فهو منسوب لسليمان، وقد بني لعبادة الله وحده في ذلك الزمان، أما اليوم فقد انتهى التقديس بالنسبة للهيكل وإن زعموا، ثم لابد أن نعلم أن المسجد الأقصى له تاريخ مع كثير من الأنبياء عليهم السلام. المسجد الأقصى هو الاسم الإسلامي للمعبد العتيق في أرض فلسطين؛ فهو مسجد قديم قدم عهود الأنبياء من عهد سيدنا إبراهيم عليه السلام، إلى محمد(صلى الله عليه وسلم)؛ إذ هو ثاني مسجد بناه سيدنا إبراهيم(عليه السلام) بعد المسجد الحرام. ففي حديث أبي ذر الغفاري (رضي الله عنه) قال: "قلت يا رسول الله: أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة".
والمسجد الأقصى عند العلماء والمؤرخين أشمل من مجرد البناء الموجود الآن بهذا الاسم؛ إذ كل ما هو داخل السور الكبير ذي الأبواب، يعتبر مسجداً بالمعنى الشرعي، وفي إطاره يدخل مسجد قبة الصخرة المشرفة ذو القبة الذهبية المنصوبة على المبنى المثمن. وللصخرة تاريخ عريق، ذلك أنها أول من صلى عندها سيدنا آدم(عليه السلام)، وعندها اتخذ سيدنا إبراهيم(عليه السلام) معبداً ومذبحاً، وعليها أقام سيدنا يعقوب(عليه السلام) مسجده بعد أن رأى عموداً من النور فوقها، حيث جدد بناء معبد سيدنا إبراهيم(عليه السلام) على مكان الصخرة نفسها بعد أن هرم، وهي التي نصب يوشع بن نون-عليه السلام- عندها قبة الزمان، أو خيمة الاجتماع التي صنعها موسى(عليه السلام) في التيه ليتلقى فيها الوحي، وهي التي بنى داود(عليه السلام) عندها محرابه، وشيد سليمان عندها المعبد العظيم المنسوب إليه، والذي أقامه لعبادة الله وتوحيده، تلك الصخرة التي عرج من فوقها النبي محمد(صلى الله عليه وسلم) إلى السماء في ليلة الإسراء والمعراج. وهذا وحده فقط، يدلل على أن القدس كانت بيتاً للأنبياء ومأوى لهم في كل الأزمان والعصور، وليس من قبيل المنطق، أن تنتقل وراثة من أيدي الأنبياء إلى أيدي قتلتهم من اليهود.
 نشاهد حرص اليهود على احتلال القدس وقيام إسرائيل و بناء الهيكل .. هل هناك دلائل معينة بشأن اهتمامهم بهذا؟
الدلائل يستنبطونها من توراتهم المحرفة ومن التلمود. 
 من يقرأ التاريخ يجد أن المدينة الوحيدة التي توجه إليها عمر بن الخطاب بنفسه من أجل استلامها هي القدس.. على ماذا يدل هذا؟
يدل على مكانة المقدسات الإسلامية الهامة في عند ولاة أمور المسلمين. 
 كيف تنظر في المقابل إلى الجهود التي يبذلها المسلمون في شتى أنحاء العالم للوقوف في وجه هذه المخططات، هل تعتقد أنها كافية؟
للأسف جهود ضعيفة فقد اتكل المسلمون في كثير من قضاياهم الكبرى على الهيئات الدولية. 
 في رأيك.. ما هي الأوراق التي في أيدي العرب والمسلمين للدفاع بها عن القدس والأقصى؟  
لن يتمكن المسلمون من الدفاع عن المسجد الأقصى إلاّ إذا اتحدوا على كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) وبذلوا جهودهم في ذلك ديناً لله عز وجل. 
 باعتبارك متخصصاً في هذا الموضوع ما المعالجات الفكرية والثقافية التي تقترحها لمقاومة حملة التهويد؟
الشيء المهم في مقاومة حملة التهويد هو أن يتكاتف المسلمون، ويكونوا يداً واحدة على كتاب الله وسنة رسوله الكريم، ويقفوا في وجه هذا العدو الذي لن تحده الحدود، ولن يكتفي بالقدس بل يحلم بالوطن الكبير (من الفرات إلى النيل) الذي جاءت حدوده في توراتهم المحرفة مما ينسبونه وعداً من الله للأنبياء؛ فاليهود يعتقدون أن فلسطين هبة من الله لهم على لسان الأنبياء فقد جاء في توراتهم المحرفة وعود كثيرة في ذلك: وعد لإبراهيم كما جاء في سفر التكوين: 12: 7 (و ظهر الرب لابرام و قال لنسلك أعطي هذه الأرض فبنى هناك مذبحاً للرب الذي ظهر له) . تكوين : 13: 14 (و قال الرب لابرام بعد اعتزال لوط عنه ارفع عينيك، و انظر من الموضع الذي انت فيه شمالاً و جنوباً و شرقاً و غرباً. 13: 15 (لأن جميع الأرض التي أنت ترى لك أعطيها ولنسلك إلى الأبد) . تكوين: 15: 18 (في ذلك اليوم قطع الرب مع ابرام ميثاقا قائلاً لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات) . 17: 8 (و أعطي لك و لنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكاً ابدياً و أكون إلههم) . ولإسحاق، كما في التكوين : 26: 3 (لك و لنسلك أعطي جميع هذه البلاد، و أفي بالقسم الذي أقسمت لإبراهيم أبيك) .تكوين: 28: 4 (و يعطيك بركة إبراهيم لك و لنسلك معك لترث أرض غربتك التي أعطاها الله لإبراهيم ). ، ووعد ليعقوب في التكوين أيضاً: 35: 12 (و الأرض التي أعطيت إبراهيم و إسحق لك أعطيها و لنسلك من بعدك أعطي الأرض) .  ولموسى كما في سفر التثنية: 34: 4 (و قال له الرب هذه هي الأرض التي أقسمت لإبراهيم وإسحق و يعقوب قائلاً لنسلك أعطيها، قد أريتك إياها بعينيك ولكنك إلى هناك لا تعبر).