حقٌّ لا يُنسى

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في الملف . بتاريخ : May 25 2012 | العدد :62 | عدد المشاهدات : 2622

حقٌّ لا يُنسى

نسخة للطباعة
حقٌّ لا يُنسى، وقضية لا كالقضايا, نلعب ونلهو بدنيانا وعدوّنا شاهر سلاحه، ومستعد بآلياته وجنوده لحربنا, وإفساد مقدساتنا. 
إنها قضية فلسطين الكبرى, وحق الشعب الفلسطيني في الإقامة على أرضه والاستمتاع بخيرات بلاده, وحقوق المسلمين جميعاً بالحفاظ على أرض الإسراء والمعراج، وتحرير الأقصى المبارك من احتلال اليهود وحفريات اليهود وإفساد اليهود...
يمتد الزمن، ويمتد معه الصلف اليهودي, وتشتدّ الأزمة ومعها يشتد عود المقاومة الصامدة, لكن ما حال النصرة المشروعة؟
وما موقف المسلمين من ممارسات الطغمة الفاسدة في أرض الأنبياء ومسرى خاتم المرسلين، عليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام.
وإذا كان أبو بكر محمد بن موسى الواسطي – وهو من أعلام القرن الثالث أو الرابع الهجري؛ إذ توفي بعد العشرين والثلاثمائة للهجرة – يقول: ابتلينا بزمان ليس فيه آداب الإسلام, ولا أخلاق الجاهلية, ولا أخلاق ذوي المروءة. (ابن الجوزي المنتظم 13 \331). 
فماذا عساه سيقول لو عاش في زماننا هذا!! حيث ظهر الفساد ونجم النفاق، وكثر الخبث، وقل المعين, وضعف الناصر، وغابت المروءات، إلاّ من رحم ربك.
أجل لقد كان العرب – وهم في جاهليتهم – أصحاب مروءات ومواقف لنصرة المظلوم، وإن لم يكن على دينهم, وما نقْض صحيفة الحصار المفروض على النبي- صلى الله عليه وسلم- ومن معه في شعب أبي طالب إلاّ نموذج لهذه المروءات والنصرة. 
وقريش -على الرغم من جاهليتها- سجل التاريخ لها حلف الفضول الذي شهده النبي صلى الله عليه وسلم، وقال عنه: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً لو دُعيت به في الإسلام لأجبت, (تحالفوا أن يردّوا الفضول على أهلها وألاّ يعز ظالم مظلوماً). [البداية والنهاية 2\315 وصحح إسناده مهدي رزق الله/130].
قال ابن إسحاق: عقد هذا الحلف بنو هاشم، وبنو عبد المطلب، وبنو أسد، وبنو زهرة، وبنو تيم, على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم. [سيرة ابن هشام 1\182].
عباد الله، أين نحن مما جرى ويجري الآن في فلسطين من حصار وتجويع، واحتلال واغتصاب، وقتل وتشريد، ومؤامرات في السر والعلن, وإرجاف وخذلان من القريب والبعيد, ولاندري ما يضمره الأعداء للغد القريب لإخواننا المحاصرين ولقدسنا السليب؟!
إن مما ينبغي تجليته ما كان عليه المسلمون الأوائل من اتخاذ الأوقاف و الأحباس، وجعل ريعها وغلتها لأهل الرباط والثغور وسائر نفقات الجهاد في سبيل الله. وهل يشك عاقل في جهاد الفلسطينيين المرابطين على الثغور إحقاقاً للحق، ودفاعاً عن أرضهم، وحماية لأعراضهم، وانتصاراً لدينهم؟ 
إن مما سجله المؤرخون في تاريخ المسلمين في الأوقاف على الجهاد، وما اعتاده مسلمو الأندلس أن يجعلوا نصيباً من أحباسهم لتمويل مرافق الجهاد الحربي ضد النصارى. [محمد أبا الخيل جهود علماء الأندلس/260].
ولقد أفتى علماء الأندلس -ومعهم علماء المغرب- يوسف بن تاشفين (زعيم المرابطين) بجواز طلب المعونة من الناس لتغطية نفقات الجيش المرابط المجاهد في الأندلس حينما قصرت عن ذلك أموال الدولة. [المرجع السابق \284].
بل لقد تعدى أثر علماء الأندلس الفتوى بجواز طلب المعونة إلى الاضطلاع بتحصيلها من الناس, فبموجب تلك الفتوى أرسل يوسف بن تاشفين إلى قاضي كل بلد من البلدان يكلفه بإلزام أهل بلده بدفع معونة مالية لصالح الجهاد. [السابق \265].
ولقد   سجل التاريخ مواقف للعلماء والعامة في فك أسرى المسلمين, فحين تغلب النصارى على إحدى الحصون في الأندلس (بين أشبيلية وقرطبة) في صفر عام 578 هجري أسروا في ذلك الحصن سبعمائة مسلم ما بين رجل وامرأة, ففداهم أهل أشبيلية بألفين وسبعمائة دينار وخمسة وسبعين ديناراً ذهبياً, دفع منها العالم ابن زهر من ماله مئة دينار عيناً, والباقي جمعه الناس بالمسجد، وهذا يعني أن هذا العالم خلص وحده وبماله من الأسر حوالي خمسة وعشرين مسلماً. [السابق \262].
ومن يطالع كتاب جهود علماء الأندلس في الصراع مع النصارى للدكتور محمد أبا الخيل يرى من ذلك عجباً.
وليس الأمر قصراً على تاريخ الأندلس بل ولا على الرجال؛ ففي تاريخ المشرق وعلى أيدي بعض النساء حصلت مواقف في النصرة  فيها من الطرافة والصدق ما يستحق الإشادة به؛ ففي زمن هارون الرشيد بلغ امرأةً ما صنعه الروم بالمسلمات (حيث سبى الروم نساء مسلمات)، فقصّت شعر رأسها، وبعثت بذوائبها بصرة مختومة إلى هارون الرشيد ومعها كتاب تقول فيه: إني امرأة من أهل البيوتات من العرب، بلغني ما فعل الروم بالمسلمات, وسمعت تحريضك الناس على الغزو وترغيبك في ذلك, فعمدت إلى أكرم شيء من بدني وهما ذؤابتاي، فقطعتهما، وصررتهما في هذه الخرقة المختومة, وأناشدك الله العظيم لما جعلتهما قيد فرس غازٍ في سبيل الله؛ فلعل الله العظيم أن ينظر إليّ نظرة فيرحمني بها).
فبكى الرشيد – وحق له أن يبكي – وأبكى الناس، وأمر أن يُنادى بالنفير فغزا بنفسه، فأنكى فيهم، وفتح الله عليهم. [صفوة الصفوة 4\198].
إن بإمكان كل واحد منا أن ينصر الحق، وينتصر لأهله، وإذا كان على ولاة الأمر نصيبهم من نصرة الدين والذبّ عن حياض المسلمين -(وقد أشار الماوردي في أحكامه السلطانية أن من واجبات الوالي: تحصين الثغور بالعدة المانعة، والقوة الدافعة؛ حتى لايظفر الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرماً أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دماً) [الأحكام السلطانية \16]-  فعلى العلماء نصيبهم في البلاغ، والدعوة والبيان، واستنهاض همم الناس لنصرة الدين، والانتصار للمظلومين من المسلمين. 
وعلى الأمة كلها، برجالها ونسائها، وأغنيائها وفقرائها، ومشرقها ومغربها حقوق الأخوة الإسلامية في المعونة والنصرة، والدعاء والدعوة؛ حتى تكشف الغمة عن المسلمين، ويكون الدين كله لله.
أيها المسلمون، إن من نصرة إخواننا المظلومين في كل مكان -ومنها فلسطين- أن ننصر دين الله في أنفسنا، وفي من حولنا فالله يقول: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ).
وإقامة دين الله -كما أمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر- سبب للنصر والتمكين (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).
 (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ).
واستشعار مسؤوليتنا الإسلامية والتاريخية تحتم علينا نصرة المظلوم المحاصر.
ومع كل ما نرى فلا يأس، ولا إحباط، ولا قنوط من رحمة الله، مهما تداعت علينا الأمم، وتكالبت المحن، وحيكت المؤامرات، وتناغم الأعداء، واجتمعوا على حرب المسلمين الصادقين؛ فربنا لطيف لما يشاء رؤوف بعباده رحيم بهم.
     وفي القرآن والسنة وأحداث التاريخ عبرة، وفي قصص الأنبياء خاصة عبرة لأولي الألباب. 
ولنقف متدبرين مع قصة يوسف بدْءاً ونهاية، وأذى ومحاصرة، وسجناً، وتهماً، وفتناً تشيب لها الولدان.
وتأمّلوا الخاتمة والنهاية ويوسف -عليه السلام- بعد أن جمعه الله بأبويه بعد الحزن والفراق، وبإخوته بعد الشتات والفرقة، يقول مقولة المؤمن المرسل: (يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).  [يوسف:100].
يعلق ابن القيم -رحمه الله- على مقولة يوسف: (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ). ويقول أخبر أنه يلطف لما يريده، فيأتي به بطرق خفية لايعلمها الناس.
واسمه اللطيف يتضمن علمه بالأشياء الدقيقة وإيصاله الرحمة بالطرق الخفية، فكان ظاهر ما امتحن به يوسف -عليه السلام- بمفارقة أبيه, وإلقائه بالجب, وبيعه رقيقاً, ثم مراودة التي هو في بيتها عن نفسه، وكذبها عليه، وسجنه محناً ومصائب باطنها نعماً وفتحاً جعلها الله سبباً لسعادته في الدنيا والآخرة.
ومن هذا الباب ما يبتلي به عباده من المصائب، ويأمرهم به من المكاره، وينهاهم عن الشهوات، هي طرق توصلهم إلى سعادتهم في العاجل والآجل. (شفاء العليل/34).