يوم الجماعة

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في طفولة قلب . بتاريخ : Jun 1 2012 | العدد :61 | عدد المشاهدات : 2554

يوم الجماعة

نسخة للطباعة
الأصوات الدافئة المنبعثة من حناجرهم الملتهبة، والمنطلقة من كوات الأبواب الحديدية قد خفتت وتلاشت مِن حوله، ولم يعد يسمع الأذان يتسلل إلى أذنيه كما كان يحدث من قبل..
- أين الناس؟!
سؤال طرحه عقله، واضطرب له وجدانه، وخزات تنغرس في أعماقه قلقاً على نفسه وعلى الآخرين من المصير المجهول!
      يخاصم نفسه على أي خاطر متشائم، ربما عادوا إلى أهلهم، وبقي المخلّفون أمثاله، أو لعلهم نُقلوا إلى مكان آخر أفضل وأوسع.
بقي السؤال حائراً بلا جواب، وظل هو يردّد أبياتاً طالما تغنى بها:
سَهِرَت أَعيِنٌ وَنامَتْ عُيون
في أُمورٍ تَكونُ أَو لا تَكون
فَادرَأِ الهَمَّ ما اِستَطَعتَ عَن النَف
سِ فَحِملانُكَ الهُمومَ جُنون
إِنَّ رَبًّا كَفاكَ بِالأَمسِ ماكا
نَ سَيَكفيكَ في غَدٍ ما يكون!
هذا دوره قد جاء بعد طول ترقّب، شعر بذلك عندما لامست وجهه وصدره هبّات النسيم الصباحي عند فتح الباب.
ابتسامة الرضا والتطمين تعلو الوجه المعروف 
- جهّز حالك، ستأتي العربة بعد قليل!
-إلى أين؟
واهتزت حروف السؤال في حنجرته، لا يدري أكان فرحاً أم قلقاً، حاول في الحالين أن يخفيه ليبدو عادياً غير مهتم.
- إلى الجماعي، الإخوان كلهم هناك، غرفة واسعة، وخدمة أفضل، وإن شاء الله عن قريب تعودون لأهلكم بالسلامة.
أسعفه بيت لشوقي طالما كان يستسخفه ويراه تحصيل حاصل:
وَكُلُّ مُسافِرٍ سَيَؤوبُ يَوماً
إِذا رُزِقَ السَلامَةَ وَالإِيابا!
طفق يردّده، لا يدري هل كان ذلك لأنه منظوم، والعربي يرضع حب الشعر مع اللبن، أم لأن عقله الباطن تحمّل رجاءً.. واستشعر خوفاً.. واستمع صاحبه إلى البيت، ودون أن يفقه منه كثير معنى؛ هزّ رأسه وهتف:
- الله أكبر.. أنتم العِلماء!
العين المكسورة في (العلماء) بإزائها عين أخرى مكسورة بإحساس الهوان!
لأول مرة ينوي تجهيز متاعه بنفسه، طوى فراشه المتواضع المصنوع من الإسفنج، ووسادته التي ألفت خده وصفحة عنقه، ولحافه وشرشفه، ورتّب كتبه التي بقيت "عهدة" عنده للمكتبة، وسمع صرير العربة تقترب منه، فحمل عليها مقتنياته المتواضعة، وخطا خطواته متردّداً، وكأنه يختبر مشاعره وأحاسيسه.  
تأكّد أن النشوة تغمره؛ فهو ميّال إلى التجدّد والتغيير، يسأم الروتين وينفر من الرتابة، ولكنه ألوف واجتماعي حتى مع "الجغرافيا"، وإذا نطق لسانه ببيت  شوقي تردّد في أعماقه بيت آخر للمتنبي:
خُلِقتُ أَلوفاً لَو رَجعتُ إِلى الصِّبا
لَفارَقتُ شَيبي موجَعَ القَلبِ باكِيا
هزّ قلبه الحنين إلى هذه البقعة حتى قبل أن يغادرها، وجذب نَفَساً عميقاً، وهو يلقي نظرة أخيرة على هذا المكان المكتظ بالأحداث، الغني بالأحلام، المليء بالدروس، المفعم بالأمل..
عربة دون ضجيج، رفقاء صامتون، ركْب صغير يمر بالعديد من النقاط، ويرى وجوهاً عرفها، وأخرى لم يعرفها، تلقي عليه تحية عابرة، وتقدّم له تهنئة بالنقلة، وأحياناً تدعو له. 
هو يدري أنها كسائق الباص ألف قوماً يصعدون، وآخرين ينزلون ويمضون لحال سبيلهم، ولكن الكلمات عنده تحمل معنى أبعد، وترنّ في أذنه،  وتصنع الأسئلة!
خاطب نفسه بأن إعمال التفكير والتحليل في عبارات الآخرين، وتقليبها على وجوه الظن، وربطها بمفاصل الأحداث المحيطة يؤدي إلى شلل في الحكم، وعتمة في الرؤية، فهل ساء ظنه بهم وبالناس؟! ربما.
لكنه يعلم من جبلّته أنه إحساس عابر لا مقرّ له في ضميره، وأن من طبعه النسيان، وهو هنا أحوج ما يكون إليه، وهو يعدّه من نعم الله وعطاياه..
كَم نِعمَةٍ لا يُستَقَلُّ بِشُكرِها
لِلَّهِ في طَيِّ المَكارِهِ كامِنَةْ
ينسى مشاريعه الفاشلة، وعلاقاته الفاشلة، والمواقف الصعبة والإحراجات.. بل والمعلومات، وكثيراً ما يصف ذاكرته بأنها "شورت ميموري" تلتقط بسرعة، وتنسى بسرعة؛ ولذا كان مرهف الحساسية، ومع الزمن تمكن من تطبيع نفسه وحملها على التفويت والتجاوز الفوري، وخفّف من حساسيّته، ومع الزمن أيضاً أصبح يجد صعوبة في الاحتفاظ أو التدوين الجديد للمعلومات التي يظفر بها!
    أما ما لم تمحه الذاكرة أبداً فهو النظر الإيجابي، واستثمار الأوضاع بما يعود عليه بالأفضل، والنظر للنصف المملوء من الكأس.. وصار يعرف كيف يسوس ذاكرته.
استعاد ظنه الحسن بهم جميعاً، أو بالأكثرين منهم، ودرّب ذاكرته ألاّ تستحضر موقفاً سلبياً سبق؛ فالموقف الإيجابي الحاضر أقوى وأطيب.
     حين تكون رقماً فحسب، فهذا لا يعني أنه لا يعترف بإنسانيتك وجمالياتك وفضائلك! لكن هي سنة الحياة لأعدادٍ كبيرة وجدت نفسها ورزقها ومستقبلها هنا، ولم تسمح لها قدراتها بأكثر من ذلك.. تذكر تلك المقولة: "أشد الناس قلقاً في السجن هو المأمور!":
هو طيبُ الأخلاقِ مثلُك يا أبي
لم يبدُ في ظمأٍ إلى العدوانِ
لكنّه إنْ نام عني لحظةً
ذاق العيالُ مرارةَ الحرمانِ
الرقم يحرمك من سماع اسمك، ويحرم الجار المستمع للهمس من تخمين القادم، ويخبرك بشكل نفسي طاغ أنك في النهاية رقم يوم أن كنت تحسب نفسك شيئاً مذكوراً!
     ثم عاد لحديث النفس المعين على التسامح، ومن لا يسامح الآخرين سيعاقب نفسه، وسيعاني قبل أن يعاني  الآخرون؛ فالسجن الحقيقي عندما تحبس نفسك في حقل القسوة والانتقام، وتتجاهل ظروف الآخرين ومعاذيرهم، وعاد ليتذكر أحد الحكماء حين قال بأن الألم جهوري الصوت واللذة همس، فحاول أن يجهر بلذته، ويشارك فيها الرقيب.
إن التسامح مفتاح ذهبي لتلك القضبان الغليظة، وهو عملية تطهير ومطاردة للأفكار السلبية التي تبني أعشاشها في منحنيات عقولنا.
التسامح يجعل أعباء الحياة أقلّ ثقلاً مما هي عليه!
عبر الأسياب المتداخلة، وأبواب الشبابيك الحديدية وصل إلى جناحه الجديد، ذي الشعب الثلاث، ومضى إلى نهايته، كان يداعب زوّاره ذات مرة.. ما هو الشيء الذي له أجنحة بيد أنه لا يطير؟.. ربما كان لاوعْيه يحلم بأن يطير يوماً, وربما كان يأنس بالطيران بعدُ انتقاماً من ذلك الركود الطويل!
     الأصوات تعلو ها هنا، وأطراف الأحاديث، والتحية تبعث له من هذه البوابة، وآخر يصرّح باسمه، كيف تم له أن يشاهده؟!
الحاجة أم الاختراع، ولعل الجو هنا يسمح بقدر من الاسترخاء؛ فالجميع قد اكتملت أوراقهم، وانتهت تحقيقاتهم، والباب يحتوي على كوةٍ إذا لم يحكم الحارس إغلاقها من الخارج تمكن النزيل من رؤية ما حوله بعينه المتلصصة!
أحياناً يغدو النزيل كالأعمى، شديد التيقظ لما يجري حوله، مرهف الإحساس (يسرق السمع بأذني فرس!)
- تفضل هذه غرفتك!
في نهاية الجناح وجدها, وإلى جانبها مستودع صغير أصبح ذا شأن فيما بعد، حيث يفيء إليه النزلاء حتى يتم تنظيف غرفهم، والهمسات تذكّر بدعاء يوسف عليه السلام "اللهم عطّف عليهم قلوب الأخيار، ولا تعمّ عليهم الأخبار!".
تتجول عينه في المنزل الجديد.. يا له من ميدان فسيح حقاً..!! هل سيكون كل هذا له؟! لم يكن مستعجلاً, كان يعرف أنه سيكون لديه متسع من الوقت, يمتد لسنوات كي يكتشف كل شِبْر, وتكون له ذكريات مع كل فِتْر!!
وضع الحارس الأمتعة, وأحضر قارورة ماء صحة، ثم استأذن ليغادر، وأغلق الباب من خلفه.
تفقّد منزله.. دورات ثلاث مستترة بأبواب خشبية قصيرة، مغاسل يدوية حديدية ثلاث معلّقة، مراوش بذات العدد تختبئ بنصف جدار، هذه الطاولة الممتدة من الإسمنت والمحاطة بعشرة كراسي مثبتة في الأرض، وُضعت كسفرة للطعام، والمسافة من حولها تمكنه من الحركة والدوران والرياضة، ليذرعها جيئة وذهاباً وهو يراجع حفظه الذي تمكن من إجادته، أو ليكرر قصيدة تعجبه؛ فيتغنى بها ويتفاعل معها، أو حتى ليقرأ كتاباً وهو يلف حول هذه الطاولة بحركة لا تعرف الملل.
يقسم الغرفة الكبيرة جدار فاصل من عائلة الجدران القصيرة، حيث تتمدد خلفه عشرة أسرة إسمنتية، وبجوار كل سرير رفّ من المادة ذاتها لوضع الكتب والأدوات الأخرى.
شعر بالفسحة؛ وذلك لن يمنع طيور القلق وضغوط التساؤل أن تحلّق فوق رأسه! لكن كونه ممن يتعايش بلطافة مع نفسه، ويتحاور بعفوية مع ذاته، جعله قادراً على مسايستها دون أن يخدعها، متمثلاً قول البحتري:
ما أَضعَفَ الإِنسانَ لولا هِمَّةٌ
في نُبلِهِ أَو قُوَّةٌ في لُبِّهِ
المكان معدّ لعشرة، وقد اختار أقرب سرير إليه من الجهة اليمنى، اختار أن يجلس وينام تحت الكوة المفتوحة إلى السماء في السقف حيث تتخلل أشعة الشمس ذلك العازل السميك، وعلى مقربة من نافذة الطعام، ومن البوابة، ومن أصوات البشر التي تشدّه دوماً إلى الحياة! ومن جهاز التلفاز الذي هو شاشة في عرض الجدار على ارتفاع مترين ونصف تقريباً.
انتظمت أموره، فالتشميس يتكرر مرتين أسبوعياً، ولنصف ساعة، وأُتيحت الألعاب كالتنس، والقدم، والطائرة، وفناء المشي، لكن.. يا رباه.. يمارس كل ذلك بمفرده؛ فهو لا يزال وحيداً متردّداً في قبول إضافة آخر!
المكتبة أصبحت في متناول اليد، مع السماح بإضافة الإهداءات الجديدة، مما جعلها تحفل بالعديد من المراجع المنوعة.
الطعام غداً أكثر انتظاماً وجودة.
الطبيب والمستوصف الداخلي لم يكد يخلو من مراجعين.
المسؤولون يترددون بانتظام: تحتاجون شيء؟
    في لحظات يختلسها من برنامجه المزدحم؛ يتوقف أمام الجدران الصماء.. وكأنه يقرأ الذكريات.. كلمات مرقومة.. وحروف.. وأسماء.. وأبيات من الشعر: السارب بالنهار.. ترى من يكون؟ أحمد.. سعيد.. ترى كم مكثوا؟ وأين هم الآن؟ هل أرقم كما رقموا ليذكرني أحد يوماً ما..؟
ثلاثة أشهر بعد تلك النقلة؛ قضاها في البدء بمفرده؛ مستفيداً من ميزات الوحدة، في الحفاظ على الوقت كما يشاء، وهذا يعتبره قمة الحرية، ومن احترام الخصوصيات الشخصية؛ كالأكل والشرب والنوم والضروريات الحياتية.. راضياً بما هو عليه، ولم يفاجأ بتلك الأبيات الشعبية من أحد جيرانه يصرخ بها، فهي لحظة انفعال، والنزيل هنا مهيأ للغضب والانفعال ما لم يحكم نفسه: 
سيفونكم يزعجن دايم 
 صوته يزمجر ولهْ عجهْ
وحقاً فالصوت هنا مضغوط بالهواء وشديد الاندفاع كأنه إعصار!
والعسكري واقف بالباب 
 مع المشمس لهم لجه
أصبح الشيء الذي ينتظره ويتطلبه بالأمس سبباً للتذمر!
يقول: تجهّز ترى جينا 
 ويعتذر منك بالسجة
لقد نسي أن يفي بوعده! وتلقى عتباً وتقريعاً..
لا تنزعجْ يا أخي بالحيل 
 كم واحدٍ ضاع بالسهجة
راع الإعاشة يصيح الصبح 
 ويويّق راسه مع الفرجة
نومة الصباح عنده لا يعدلها شيء، ولا يحب أن يُحرم منها أحد لأي سبب كان، خاصة وقد اعتاد أن يسهر الليل إلى الفجر، ثم ينام إلى الظهيرة، لكن صوت: فطور.. فطور؛ مع طرقات خفيفة على أرضية النافذة كثيراً ما يقطع عليه أحلامه.. وأخيراً اتفق مع "المعشّي" على أن يضع الإفطار ويغلق النافذة دون طرق.. لكن طيبة ذلك الإنسان وإشفاقه تحمله على أن يطرق أحياناً مسلّماً، أو سائلاً، أو مبشراً بخروج نزيل، أو داعياً بخير.
صاحبنا يبالغ ويتضجر, ويقول:
لو (...) عوملت مثلي
صارت على الوضع محتجة!
  مع الوقت تفتحت أبواب، وتيسرت أسباب، واعتاد على الحياة الجديدة لا كوضع عابر مؤقت، بل لحياة مستديمة.. وطّن نفسه أنه سيُدفن هنا.. ولم يسمح لنفسه؛ كلما سمع بخروج فردي أو جماعي، أو اقتراب موسم عيد الفطر المبارك؛ أن يتخيل أنه سيكون واحداً من المشمولين الذين يسمع في الأخبار أنهم عادوا إلى أهليهم!
    لم يكن هذا تشاؤماً، بل تدريباً للنفس على التكيّف واستثمار الوقت بمشاريع طويلة الأمد, تمكن من تنفيذها فعلاً بهذه الروح!
"الجماعي" قصة بدأ بها بمفرده..، غير أنه أقرب للجار الصاحب الصاخب، يسمع الأحاديث و الأحلام والأبيات.. غير أنه قريب على بعد:
وَإِن قَرُبَت داراً بَكَيتُ وَإِن نَأَت
كَلِفتُ فَلا لِلقُربِ أَسلو وَلا البُعدِ
وَقَد زَعَمُوا أَنَّ المُحِبَّ إِذَا دَنَا
يَمَلُّ وَأَنَّ النَّأيَ يَشفِى مِنَ الوَجدِ
بِكُلٍّ تَدَاوَينَا فَلَم يُشفَ مَا بِنَا
عَلَى أَنَّ قُربَ الدَّارِ خَيرٌ مِنَ البُعدِ
عَلى أَنَّ قُربَ الدارِ لَيسَ بِنافِعٍ
إِذا كانَ مَن تَهواهُ لَيسَ بِذي وُدِّ