مراجعات الإسلاميين.. الأمَّة حين تستعيد مرجعيّتها

كتب بواسطة: مصطفى عياط | في طفولة قلب . بتاريخ : Jun 1 2012 | العدد :61 | عدد المشاهدات : 2305

مراجعات الإسلاميين.. الأمَّة حين تستعيد مرجعيّتها

نسخة للطباعة
عادت قضية المراجعات الفقهية للجماعات التي تبنت نهج العنف خلال حقبة من عمرها للواجهة من جديد، وذلك مع صدور مراجعات “الجماعة الإسلامية المقاتلة” في ليبيا، حيث يُعدّ كتاب “دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على النَّاس”، الذي ألفه عدد من قادة الجماعة في السجون الليبية بمثابة قطعية فقهية وفكرية مع “فكر العنف”، بعدما نجح النظام الليبي في وضع نهاية شبه تامة لـ “واقع العنف” خلال المواجهات الدامية التي دارت بين الطرفين في الفترة بين عامي 1995 و1999، وبتلك المراجعات تنتظم الجماعة في “عقد المراجعات”، الذي وضعت الجماعة الإسلامية في مصر لبنته الأولى عام 1997.
ومع أن مراجعات “الليبية المقاتلة” أقرب ما تكون لتلك التي أطلقتها “الجماعة الإسلامية” في مصر عبر سلسلة كتب “تصحيح المفاهيم”، التي أصدرها قادة الجماعة من داخل السجون في السنوات الأولى من العقد الحالي، إلاّ أن الأمر لا يخلو من بعض الفروقات، التي يمكن فهمها في ضوء السياق المكاني والموضوعي لكل تجربة، ولعل أبرز هذه الفروقات أن الحوار الذي جرى بين “الجماعة المقاتلة” والدولة الليبية جاء في سياق رؤية سياسية تستهدف تجاوز وحلحلة الكثير من الأوضاع السائدة في ليبيا منذ وصول العقيد القذافي للحكم قبل نحو (40) عاماً، بينما تمّت المراجعات التي جرت في مصر، سواء تلك الخاصة بالجماعة الإسلامية أو بجماعة الجهاد، في إطار أمني بحت؛ فقد رفضت الدولة منحها أي غطاء سياسي، واعتبرتها آراء خاصة بأصحابها، وأن دور الدولة يقتصر فقط على تسهيل خروجها للنور، بلا صفقات أو أثمان مقابلة.
هذه الرؤية السياسية تبناها وسعى لتنفيذها سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي وعرّاب سياسة الانفتاح الليبي على العالم؛ إذ أدارت منظمة القذافي للتنمية التي يترأسها حواراً مع الجماعة من خلال وساطة قادها المفكر الليبي المعروف الدكتور علي الصلابي، ويُلاحظ أن اختيار الصلابي لهذه المهمة لم يأت اعتباطاً؛ فالرجل معروف بنزاهته واستقلاليّته، وتاريخه في الحركة الإسلامية قديم ومعروف، وقد تعرض بسبب ذلك للسجن نحو (7) سنوات خلال حكم القذافي، كما أنه لا يُعدّ من المنتفعين أو المحسوبين على النظام؛ إذ إنه يعمل ويقيم خارج ليبيا. 
وهكذا فإن وساطة الصلابي منحت الجماعة ثقة واطمئناناً بأن النظام لن يتلاعب بها، كما نفت عنها –مقدماً- شبهة تقديم تنازلات أو دفع أثمان للنظام من تحت الطاولة، فضلاً عن أنها أعطت للمراجعات ثقلاً داخلياً وخارجياً، خاصة في أوساط المحسوبين على التيار الإسلامي، وهو ما أزال الهواجس الراسخة لدى الكثيرين تجاه كل ما يصدر من ليبيا.

انتقاء متميز
أما الفارق الثاني فيتمثل في كون إطلاق المراجعات جاء عبر مجموعة من العلماء والفقهاء، من داخل ليبيا وخارجها، المشهود لهم بالنزاهة والاستقلالية، مثل الدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور سلمان العودة، والدكتور أحمد الريسوني، والشيخ محمد الشنقيطي، والدكتور صادق الغرياني، والأخير هو فقيه ليبيا الأبرز. اختيار هذه المجموعة، بمشاربها الفكرية والفقهية المختلفة -وإن تلاقوا جميعاً في تبني منهج وسطي يرفض العنف ويعطي الأولوية لوحدة الأزمة- يؤشر إلى أن قادة الجماعة، ممن صاغوا المراجعات، كان همهم الأول هو التأكد من توافق ما جاء فيها مع صحيح الشرع، وتزكيته من قبل هؤلاء العلماء، قبل إجازته للنشر العام، وقد منحت هذه الخطوة قوة دفع ومصداقية كبيرة للمراجعات، كما أنها وفرت على أصحابها الكثير من المعارك الجانبية، مع من يسارعون للهجوم والطعن في النوايا والأهداف دون تقليب الأمر على أوجهه المختلفة. 
ومن اللافت أن مجموعة الفقهاء الذين أُرسلت إليهم المراجعات لإجازتها تم انتقاؤها بذكاء لافت؛ فقد جمعت بين من يُحسبون على التيار السلفي وآخرين ينتمون لفكر الإخوان المسلمين، وفريق ثالث يمثل التيار الفقهي التقليدي، البعيد عن التصنيفات. 
وفي نقطة تمايز ثالثة للمراجعات، يُلاحظ أنها بعدت - من جهة- عن نهج التجريح الذي انطوت عليه “وثيقة ترشيد العمل الجهادي” لمنظر جماعة الجهاد في مصر الدكتور سيد أمام، ومن جهة ثانية فإنها لم تغرق نفسها في الخطاب الاعتذاري الذي لاحظه البعض في مراجعات الجماعة الإسلامية، وقد سعى قادمة “الليبية المقاتلة”- وفق ما نُشر من أجزاء وملخصات لمحتوى المراجعات أو ما تضمنته شهادات العلماء الذين أجازوها- لتركيز جهدهم على بيان الموقف الشرعي من القضايا التي تعرضوا لها، ملتمسين في ذلك انتقاء ما توافق عليه التيار الفقهي العام للأمة، دون تجريح لأي رأي أو فريق مخالف.

فقهاء مستقلون
وفي مقابل هذه التمايزات، فإنه يمكن رصد مجموعة من المؤشرات الأساسية، التي ترسخت بفعل سلسلة المراجعات، التي شهدتها العديد من الدول العربية، سواء كانت من قبل جماعات- كما هو الحال في مصر وليبيا والمغرب والجزائر- أو بشكل فردي، من خلال برنامج النصح والإرشاد الذي تتبناه السعودية لإعادة تأهيل الشباب الذين انساقوا لفكر العنف، من أجل دمجهم مجدداً في المجتمع، وذلك كبديل عن سياسة السجن والعقاب.
وأبرز هذه المؤشرات هو بروز دور ومكانة ما يمكن تسميته بـ “الفقهاء والمفكرون المستقلون”، وهم مجموعة من الفقهاء والمفكرين الذين لا ينتمون إلى المؤسسة الدينية الرسمية، كما أنهم لا يحصرون أنفسهم داخل تنظيم أو حزب معين، حتى ولو تلاقوا معه فكرياً، وعوضاً عن ذلك يتحركون بقوة واستقلالية في الفضاء العام، خاصة لصالح مشاريع نهضة وإصلاح الأمة، وذلك من منطلق قناعتهم بضرورة ترسيخ المرجعية الإسلامية في كل ما يخص شؤون المسلم الحياتية، متجاوزين بذلك الدائرة الفقهية الضيقة التي يحصر فيها الكثير من الفقهاء أنفسهم. 
و على الرغم من أن هؤلاء الفقهاء يتحركون بشكل مستقل عن الأنظمة والحركات، إلاّ أنهم يحتفظون بصلات وثيقة مع الطرفين، نابعة من قناعتهم بأنه لا سبيل لإصلاح المجتمع إلاّ من خلال تكاتف جميع أفراده، وأن المهمة ستكون أنجح بكثير لو اقتنع الحكام- ولو جزئياً- بذلك، خاصة وأنهم يرون في الخروج المسلح على الحاكم باباً لمفاسد ومظالم تفوق بكثير أي مصالح مبتغاة من وراء ذلك، وفي مقابل إغلاق باب العنف، فإنهم يتفاعلون بإيجابية مع مختلف وسائل التدافع السلمي بين الحكام والمحكومين، سواء من خلال الانتخابات أو مؤسسات المجتمع المدني، أو عبر وسائل الاحتجاج السلمي، من مظاهرات أو إضرابات وغيرها، طالما أنه لم تترتب عليها مفسدة أكبر.
ومن أبرز ممثلي هذا التيار، الدكتور يوسف القرضاوي والدكتور أحمد الريسوني والدكتور سلمان العودة والدكتور محمد سليم العوا، والمفكر الراحل عبد الوهاب المسيري، والدكتور محمد عمارة، والدكتور علي الصلابي، والدكتور محمد الشنقيطي، والدكتور عبد الله بن بيه، وغيرهم العشرات، بل المئات ممن يسعون للاجتهاد والبحث سعياً وراء صياغة سياقات فكرية وفقهية، ترسخ للمرجعية الإسلامية الشاملة، بحيث لا يطرق المسلم أياً من مجالات الحياة إلاّ ويجد أمامه نهجاً إسلامياً يرسم له الطريق، أو يضع له القواعد التي في هداها يرسم هو الطريق للآخرين.

عوالم الميديا
وقد استفاد هذا التيار بقوة من الطفرة الكبيرة التي شهدتها وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة؛ إذ كان لهم السبق في الولوج إلى عوالم الميديا الجديدة، من إنترنت وفضائيات، متجاوزين بذلك الحواجز التي وضعها الإعلام الحكومي أمام وصول مواقفهم وأفكارهم للجمهور العام، كما أنهم حصلوا على دفعة قوية بعدما أثبتت الأيام صواب منهجهم، سواء عندما حذروا الحكومات من أن الظلم والاستبداد قد يؤدي بالشباب الغاضب إلى خيار العنف، أو من جهة تحذير الشباب الغاضب من أن العنف لا جدوى منه، وأنه لن يجرّ سوى عنف مماثل، ليدفع المجتمع كله ثمن ذلك.
وجاءت سلسلة المراجعات الأخيرة- والتي استقت جل أفكارها ومقولاتها من كتب هؤلاء العلماء والمفكرين- لتؤكد على أن هذا التيار يشكل المرجعية الحقيقية للأمة، خاصة وأنه يضم في صفوفه العديد من المشارب والمدارس، ذات الرؤى المختلفة، لكنها في الإجمال لا تخرج عن التيار العام للأمة.
المؤشر الثاني الذي يُستشفّ من هذه المراجعات، يتعلق بكون المزاج العام في العالم العربي أصبح أكثر ميلاً نحو النهج السلمي في التغيير والإصلاح، وأن نهج العنف لم يعد قادراً -كما كان في السابق- على التعبئة الجماهيرية لتجنيد مؤيدين، فمعظم عمليات التجنيد تتم تحت جنح الظلام وفي سرية مطلقة، سواء من خلال شبكة الإنترنت أو عبر التجنيد الفردي، وأن المستهدفين هم في الغالب من الأفراد المنعزلين عن المجتمع. ومع أن جزءاً من ذلك الواقع يرجع إلى القبضة القوية لأجهزة الأمن في معظم الدول العربية، إلاّ أن السبب الرئيس يرتبط بأن المزاج العام لم يعد يتقبل العنف بعدما اكتوى بناره.
و على الرغم من أن التخلي عن العنف يُعدّ خطوة مهمة على طريق العودة لحضن المجتمع، إلاّ أن أصحاب المراجعات مازالوا بحاجة إلى امتلاك إجابات عن الكثير من الأسئلة المتعلقة بالمستقبل، وهو ما يحتاج منهم إلى إطلالة جديدة، لكنها هذه المرة أكثر عمقاً، على ما أنتجه تيار الفقهاء والمفكرين المستقلين.