" الكتبخانة ".. تاريخ مصر تاريخ مصر

كتب بواسطة: عمرو محمد | في أوراق ثقافية . بتاريخ : Jun 1 2012 | العدد :61 | عدد المشاهدات : 4592

" الكتبخانة ".. تاريخ مصر  تاريخ مصر

نسخة للطباعة
في واحدة من المناطق الشعبية بالقاهرة التاريخية، تقع منطقة باب الخلق، حيث دار الكتب القديمة التي كانت تضم إرثاً ثقافياً هائلاً، يلخص تاريخ مصر وبعض الدول العربية من خلال مخطوطات متنوعة، إلاّ أنه في العصر الحديث تم انتقالها إلى الدار القائمة على كورنيش النيل.
ومؤخراً، حرصت وزارة الثقافة المصرية على إعادة التاريخ إلى مكانه الأصلي بإحياء دار الكتب القديمة في باب الخلق بالقاهرة التاريخية، وتطويرها بأحدث التقنيات، وكأن لسان الحال ينطق بأنه رغبة بالعودة إلى التراث، بعيون الحاضر وأيدي المستقبل.
ومع هذا الحرص كان النجاح بإحياء الدار وإعادتها ليس كسابق عهدها فحسب، ولكن مع الاستفادة من تقنيات العصر، بما يساهم في الحفاظ على ما تضمه من تراث بالوسائل الحديثة، خاصة وأن دار الكتب تضم آلاف المخطوطات والبرديات، منها عشرون بردية تُعدّ من أقدم البرديات، التي تعود إلى العام 90 هجرية.
نبذة تاريخية
وفي حلتها الجديدة، أصبحت الدار صرحاً يجمع بين حداثة الإنشاء، وتراث القدماء، بعد صيانة المبنى القديم في باب الخلق للدار، بتكلفة بلغت (85) مليون جنيه، فيما وصل حجم التبرعات للمشروع (29) مليون جنيه من مؤسسات مصرية وشخصيات وطنية وبعض الشخصيات العربية.
والدار، أو ما يُعرف بالكتبخانه الخديوية أُنشئت في العام 1870م، وتُعدّ أول مكتبة متكاملة في العالم العربي، وكان مقرها آنذاك في منطقة درب الجماميز الشعبية بالقاهرة في قصر مصطفى فاضل باشا. 
وفي العام 1899م وضع الخديوي عباس حلمي الثاني حجر الأساس لمبنى الكتبخانه الخديوية، ودار الآثار العربية "متحف الفن الإسلامي حالياً" معاً بمنطقة باب الخلق، حيث نهاية السور الجنوبي للقاهرة الفاطمية القديمة، فأقيم المبنى على الطراز المملوكي، بما يحاكي بما يضمه من مقتنيات تراثية، ما كانت عليه القاهرة القديمة من أصالة وعراقة.
وبقيت الدار بموقعها الكائن بمنطقة باب الخلق، حيث كانت هناك ضرورة ملحة من قبل الإدارات المتعاقبة على الدار في الحصول على مكان جديد يضم تلك المقتنيات المتزايدة، والتي كان من الصعب أن يضمها هذا المبنى القديم.
واستمرت محاولات الحصول على مكان جديد للمبنى، فيما ظلت الدار القديمة تؤدي مهمتها في منطقة باب الخلق حتى العام 1971، إلى أن انتقلت إلى مبناها على كورنيش النيل، حتى عادت إلى المبنى القديم، فيما بقيت مقتنيات منها في نفس المبنى القائم حالياً على كورنيش النيل.  
وظل مبنى باب الخلق في مكانه إلى أن أُعيد التفكير في تطويره بمبادرة رئاسية، لاسيما وقد تغيرت معالم المنطقة المحيطة بالمبنى، حيث بدأت عملية التطوير منذ فبراير 2000، وروعي فيها المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة، فكان الحفاظ على النظام المعماري القديم، مع استخدام أحدث أساليب التكنولوجيا في عرض المقتنيات وحفظها والتعامل معها وتأمينها ضد كافة الأخطار.

مشروع ثقافي
ويقول الدكتور محمد صابر عرب- رئيس مجلس إدارة دار الكتب المصرية-: إذا كان محمد علي هو أول حاكم مصري يضع برنامجاً متكاملاً للتنمية، فإن الخديوي إسماعيل هو أول حاكم يُعنى بالتنمية الثقافية والحضارية، لدرجة أن ما حققه من مشروعات ثقافية وحضارية كان بمثابة الركيزة الأساسية للثقافة المصرية إلى أن كثيراً من المؤسسات الثقافية التي شيدها لا تزال شاهدة على إنجازات الرجل في هذا المجال.
وتُعدّ دار الكتب "الكتبخانة المصرية" واحدة من أهم المشروعات الثقافية التي شيدها إسماعيل، حينما أصدر في 23 من مارس 1870م أمراً إلى على باشا مبارك (ناظر المعارف وقتئذ) بجمع المخطوطات والكتب التي كان قد أوقفها الأمراء والعلماء على المساجد ومعاهد العلم ليكون ذلك نواة لمكتبة عامة.
ووقتها أُتيح لعلي باشا مبارك أن يشاهد المكتبة الوطنية في باريس، لذا أراد أن تكون المكتبة المصرية على نمط مكتبة باريس، ووجد كل العون والمساندة من الخديوي إسماعيل الذي كان على وعي كامل بأهمية الثقافة باعتبارها الركيزة الأساسية للتنمية، لذا عني بالآثار المصرية، وقدم كل الدعم والمساندة للعالم الفرنسي (مارييت) حينما كلفه بإصلاح مخازن الآثار في بولاق.
وكان إسماعيل أحد الحكام الكبار الذين قدروا أهمية الثقافة في بلد كمصر، تمتلك بنية ثقافية كبيرة أهّلتها لتكون في مقدمة الدول التي لفتت أنظار العالم بتاريخها وثقافتها، فكانت دار الكتب المصرية- كما يقول الدكتور صابر عرب- أحد مشروعات إسماعيل الكبرى التي قدمت خدمة جليلة للثقافة العربية والإسلامية، وكانت منذ افتتاحها بمثابة الجامعة الشعبية التي خرّجت آلاف العلماء والمفكرين في شتى مجالات المعرفة.
ولقد بدأت الدار تؤدي وظيفتها من إحدى البنايات في شارع درب الجماميز، فشغلت طابقاً واحداً من قصر الأمير مصطفى فاضل (شقيق الخديوي إسماعيل) وفي سبيل تحقيق رسالتها، ثم نقل محتويات مكتبة "قولة" التي سبق وأقامها محمد علي إلى دار الكتب، كما اشترى إسماعيل مكتبة شقيقه مصطفى فاضل بمبلغ (13) ألف ليرة عثمانية، وأهداها إلى الدار، وكانت من نوادر المخطوطات ونفائس الكتب، ثم توالت عمليات التزويد سواء بالشراء أو الإهداء، ومنها مكتبة خليل أغا ومكتبة إبراهيم حليم، والمكتبة التيمورية، ومكتبة عمر مكرم، وغيرها.
وعلى ما يبدو فإن قصر مصطفى فاضل منذ تسعينيات القرن التاسع عشر الميلادي لم يعد كافياً، وخصوصاً، بعد أن أخذت الدار على عاتقها مسؤولية حفظ نسخ من كل كتاب كان يُطبع داخل مصر (الإيداع القانوني) ابتداء من عام 1886م.
وفي 19 من يناير 1898 تقدمت نظارة الأشغال العمومية بمذكرة إلى مجلس النظار مرفقاً بها مشروع أمر عال وخريطة بالأرض المقترح نزع ملكيتها لبناء الكتبخانة، نظراً لعدم الاتفاق مع أصحاب الأرض على ثمنها.
وفي 17 من فبراير 1898 أصدر الخديوي عباس حلمي الثاني أمراً بنزع ملكية الأرض لبناء الكتبخانة الخديوية، مع تكليف نظارة الأشغال العمومية بتنفيذ عمليات البناء وفق القواعد المعمول بها في أرقى المكتبات العالمية.
وفي الأول من يناير 1899 وضع الخديوي عباس حلمي الثاني حجر الأساس لمبنى دار الكتب (الكتبخانة) في باب الخلق، على أن يُخصّص الطابق الأرضي لدار الآثار العربية (الأنتيكخانة أو المتحف الإسلامي فيما بعد) وبقية المبنى للكتبخانة الخديوية التي تم الانتهاء من تشييدها في منتصف عام 1903، وفتحت أبوابها للجمهور في عام 1904م.

تنوّع وظيفي
ولقد ظلت الدار تؤدي وظيفتها الثقافية والحضارية كجامعة شعبية منذ افتتاحها؛ إذ أصبحت بمثابة بيت لكل الباحثين عن المعرفة، لدرجة أننا لا نجد عالماً في أي فرع من فروع المعرفة سواء أكان مصرياً أو عربياً أو مستشرقاً، إلاّ وكانت الدار مصدراً أساسياً لثقافته.
وأشاعت دار الكتب منذ افتتاحها، مناخاً ثقافياً وحضارياً ضخماً جعل من الثقافة مشروعاً كبيراً كانت دار الكتب أهم مرتكزاته، وحينما قامت ثورة 23 من يوليو 1952 كانت الثقافة في مقدمة عنايتها، وكان الكتاب والمسرح والسينما وكل مفردات الثقافة في مقدمة المرتكزات التي اعتمدت عليها الثورة.
كما كانت دار الكتب إحدى مفردات هذه المنظومة، لذا فقد اتجه التفكير نحو العناية بدار الكتب بعد أن ضاقت بمقتنياتها، وبُدئ التفكير في إنشاء مبنى جديد على كورنيش النيل، افتتح لجمهور المترددين عام 1971، ومنذ هذا التاريخ والدار تؤدي وظيفتها في موقعها على كورنيش النيل، إلى أن تم تطوير المبنى القديم ليصبح جديداً في حلته الحالية.
ويحدد د. صابر عرب مهام دار الكتب على كورنيش النيل باعتبارها المكتبة الوطنية التي تقدم خدماتها للباحثين في مجالات المعرفة، بينما تخصصت دار الكتب القديمة بباب الخلق في التراث والمخطوط والبرديات والمسكوكات وأوائل المطبوعات، إضافة إلى جعلها متحفاً للمقتنيات التراثية؛ ليكون شاهداً على ما قدمته الثقافة المصرية من خدمات للثقافة العربية والإسلامية، ليصبح المتحف مزاراً سياحياً لعرض أندر المصاحف والمخطوطات والمسكوكات والمقتنيات النفيسة كافة.
ويقول: إنه من الصعب أن تكون دار الكتب في باب الخلق هي المكتبة الوطنية الوحيدة، فقد كانت الدار تضم عشرات الألوف من الكتب، وفى أكثر حالات ازدهارها كانت تضم مئات الألوف، الآن نحن نتحدث عن ثلاثة ملايين من الأوعية المعرفية، بين كتب ودوريات ومخطوطات وبرديات، وهو ما لا تستطيع الدار القديمة أن تستوعب منه إلاّ القليل، ومن الطبيعي أن تتخصص الدار القديمة في اقتناء المواد ذات الصفة التاريخية والمتحفية، وهو ما أخذت به أعرق المكتبات الوطنية في العالم مثل المكتبة الفرنسية القديمة.
ومن هنا جاء المبنى بصورته النهائية تحفة معمارية رائعة، شارك فيها مجموعة من البنّائين، واستهدف التطوير الجديد إتاحة الاطلاع على المقتنيات التراثية المختلفة عـن طريـق استخدام أجـهزة العـرض الميكروفيلمي، وتوفير نسخة مصورة من المقتنيات، ورقية أو من خلال الاسطوانات المدمجة، وإتاحة قواعد بيانات المبنى بكورنيش النيل من خلال خط ربط بينه وبين مبنى باب الخلق, وتوفير فرصة الاطلاع على الكتب التراثية، وكتب اللغات الشرقية (التركية، والفارسية، والعبرية)، ودوائر المعارف والموسوعات وكتب التراجم.

مقتنيات تراثية
ومن أبرز النماذج التي تضمها الدار، مخطوطات لرسائل النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى ملوك وقادة العالم في عهده الكريم، صلى الله عليه وسلم، ممهورة بخاتمه الشريف، صلى الله عليه وسلم.
ومن المخطوطات المعروضة والمكتوبة باللغة العربية في الدار كتاب "مشكل القرآن" لابن قتيبة الدينوري (276 هـ /889 م)، و المخطوط منسوخ عام 379 هـ /989 م، ومن المخطوطات التي كتبت باللغة الفارسية نجد "الشاهنامه" وهى ملحمة أدبية فارسية, قضى مؤلفها أبو القاسم الحسن بن إسحاق بن شرف شاه المعروف بالفردوسي (ت 413 هـ / 1022م) ثلاثين عاماً في نظمها. 
ومن المصاحف الشريفة، ما يصل إلى (27) مصحفاً مخطوطاً تتميز بجودة الخط، وبراعة الزخرفة، وجمال نقوشها المحلاة بالذهب واللازورد، ومن أقدم تلك المصاحف، مصحف كُتب في القرون الثلاثة الأولى للهجرة، بخط كوفي على رق غزال، بجانب البرديات التي تصل إلى(20) بردية، وهى من أقدم البرديات التي تقتنيها الدار، وتشتمـل على موضوعات مختلفة، منها(كتاب في العتق، عقود زواج، عقود بيع، تسجيل فريق من الجند بالسجلات، تدوين غرامة مفروضة على بعض القرى).
كما تضم الدار نموذجاً مصغراً لقبة الصخرة، تلك القبة التي أمر ببنائها الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان فوق الصخرة المقدسة، وهذا النموذج محلّى من الداخل والخارج بنقوش وكتابات عربية وفارسية ومرصع بالأحجار الكريمة والجواهر، وفي أعلى القبة يوجد مصحف شريف مثمن الشكل كُتب بقلم غاية في الدقة. 
ومن الدوريات التي تضمها الدار وتوقف بعضها عن الصدور، والبعض الآخر لا يزال يصدر حتى يومنا هذا، فمن الأولى دوريات (اللواء، المقتطف، أنيس الجليس، التنكيت والتبكيت، المصري)، ومن الدوريات الجارية (الأهرام، روزاليوسف، المصور، آخر ساعة، الوقائع المصرية).
وتضم الدار قاعة للمسكوكات والعملات ذات القيمة الأثرية المهمة، معظمها عملات ذهبية وفضية من فئة الدينار والنصف دينار والدرهم، كما يوجد عدد من العملات النحاسية والبرونزية والورقية والتي صكت في عصور مختلفة، بداية من العصر الأموي حتى عصر الدولة العثمانية، فعصر محمد علي وأسرته حيث تعرض من هذا العصر مجموعة من القطع النقدية والميداليات التذكارية.
وتحتوي الدار على  قاعة بها (17) لوحة، منها (12) لوحة خطية تمتاز بجمال الخط، وروعة الزخرفة، وخمس لوحات فنية مرسومة، ومن أجمل اللوحات الخطية المعروضة، تلك التي كتبها الخطاط عثمان المعروف (بحافظ القرآن)، في عام (1105هـ- 1693)م، واللوحة تتضمن (20) مرقعة في تعليم الخطوط العربية، كل مرقعة مجدولة بجدولين من الذهب، يتوسطهما جدول بالمداد الأسود.
كما تضم الدار صوراً فوتوغرافية لأساطين (سلاطين) الدولة العلوية، على رأسهم صورة لمحمد على باشا مؤسس الدولة، والصور المعروضة تغطي الفترة من عام 1805م حتى عام 1917م، وألبوم يشتمل على مجموعة من الطوابع، منها الطوابع التذكارية التي صدرت في مناسبات مختلفة، يأتي في مقدمتها مجموعة طوابع تذكارية، صدرت بمناسبة انعقاد مؤتمرات دولية بالقاهرة، كالمؤتمر الدولي الجغرافي عام 1925م، ومؤتمر البريد العالمي العاشر عام 1934م، ومجموعة طوابع تذكارية، صدرت في إيران، بمناسبة عقد قران الأمير "محمد رضا شاهبور" على الأميرة "فوزية" بطهران العام 1939م.
وتشمل المقتنيات مجموعة طوابع تذكارية صدرت بمناسبة أعياد السادس والسابع والثامن لثورة يوليو عام 1952، وألبوم يشتمل على مطبوعات بريدية تذكارية، منها مجموعة بطاقات بريدية تذكارية بمناسبة عقد زواج ملك مصر فاروق الأول عام 1938، وورق خطابات عليه شعار المملكة المصرية عام 1934، وألبوم يشتمل على مجموعة من الطوابع البريدية التي صدرت في دول العالم المختلفة.