(وعي البطيء)

كتب بواسطة: د. عبدالكريم بكار | في ومضة . بتاريخ : Jun 1 2012 | العدد :61 | عدد المشاهدات : 2032

(وعي البطيء)

نسخة للطباعة
العالم اليوم هو ما نراه، والواقع هو ما نشعر به، وإن الإنسان يظل في محاولة مستمرة لبناء صورة ذهنية صحيحة ودقيقة لما يحيط به، لكن المشكلة أن الواقع الذي نريد أن نفهمه، ونتحدث عنه، و نصلحه يتطور بسرعة أعلى من سرعة تطور الوعي، وعلى سبيل المثال: فإن في إمكان الواحد منا أن ينقل ساعة الحائط التي أمامه إلى جدار جانبي خلال دقيقة، لكن وعيه يحتاج إلى مدة طويلة حتى يتحقق له ذلك، ولذا فإنه يظل ينظر إلى موقع الساعة القديم أياماً قبل أن ينتقل إلى موقعها الجديد. 
على مدار التاريخ كانت التقنية تشكل العامل الحاسم في تطوير الحياة العامة والوعي العام والخاص، وبما أن التطور التقني اليوم لم يكن أسرع منه في أي يوم من الأيام، فإن وعي الناس يتطور بسرعة مذهلة، لكنه مع هذا يظل متخلفاً عن الواقع، ومساحة هذا التخلف مرتبطة بدرجة التثقف لدى الإنسان وبدرجة رقيه الفكري ودرجة اهتمامه أيضاً؛ إذ إن تخلف وعي الجاهل عن فهم الواقع أكبر بكثير من تخلف وعي العالم والمفكر والمتابع، ولعلي أوضح شيئاً مما أريد عبر المثالين التاليين:
١-توارث الناس جيلاً عن جيل الشكوى من سوء الأحوال، كما توارثوا النظر إلى التحديات والصعوبات على أنها عوائق حقيقية تحد من تقدم الإنسان، ولهذا فهي عبارة عن شر خالص، لكن وعي فقهاء الحضارة قد تجاوز هذه النظرة المتشائمة للتحديات، وصاروا يرون فيها العديد من الجوانب الإيجابية والتي منها دفع الإنسان في اتجاه حشد الذات وتحسين الإمكانات الشخصية، كما أن منها تصليب روح المقاومة؛ فالرخاء حين يستمر فترة طويلة يورث المتمتعين به نوعاً من الترهل الشعوري والاسترخاء الذهني، كما أن الشدائد كثيراً ما تنشِّط في المبتلَين بها روح النقد والمراجعة وبحث جوانب القصور..... لكن وعي العامة وأشباههم ـ وهم الكثرة الكاثرة ـ لا يستطيع مواكبة وعي العلماء والمفكرين، في فهم الواقع وفهم ميزات التحديات وفضائلها، ومن ثم فإن معظم الناس يظلون خاضعين لموروثات الماضي، ومحرومين من الاستفادة من منجزات الواقع.
٢- كان طلاب العلم الشرعي قبل مئتي عام من الآن يشكلون بمفردهم ـ تقريباً ـ الصفوة الثقافية للأمة، وكان لكبار العلماء دور أكبر من دور الواعظ والداعية والمفتي، فقد كانوا في مجتمعاتهم عبارة عن قادة روحيين ومفكرين وإصلاحيين، لكن الواقع تغير الآن، فقد صارت صفوة المجتمع مكوَّنة من أصحاب ما يزيد عن ثلاثين تخصصاً علمياً، وصار للإعلاميين والفنانين دور بارز في تشكيل الوعي الاجتماعي الجديد، لكن معظم الناس لم يدركوا هذا التغير الذي طرأ على الواقع، ومن ثم فإنهم يعتقدون أن طلاب العلم الشرعي وأساتذتهم الكبار يتحملون مسؤولية تخلف الأمة عن ركب الحضارة في العديد من المجالات، كما أنهم يعلقون عليهم  الكثير من الآمال.
حين يكون تخلف الوعي  لدى غير المثقفين، فإن الخطب يهون، لكن حين يدرك القادة والرواد والصانعون لاتجاهات المجتمع... الواقعَ على نحو متباين، فإن ذلك يعني انقسام وعي النخبة على ذاته، وهذا يعني حلول التجاذب الإصلاحي في موضع التفاهم والتعاون، وهذا ما يعاني منه كثير من المجتمعات الإسلامية اليوم.
إن مما يساعد على الحد من هذه الظاهرة الآتي: 
١- النظر بعين الاتهام لإدراكنا للواقع، والجزم بأن الانطباعات والصور الذهنية التي كوّناها عنه مصابة بشيئين: (القصور والتخلف)
٢- البحث عن الأرقام الجديدة في كل المجالات والنظر إلى الرقم الذي مضى على صدوره عشرون عاماً بأنه رقم منتهي الصلاحية؛ لأنه يشير إلى شيء قديم. 
٣- التحاور فيما بيننا وفتح باب النقاش الجاد حول الكثير من الأشياء، و العمل على تحديد أكبر قدر ممكن من التعريفات والمصطلحات الحضارية. 
والله ولي التوفيق