الجمشة

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في طفولة قلب . بتاريخ : Feb 1 2011 | العدد :76 | عدد المشاهدات : 2390

الجمشة

نسخة للطباعة
عندما تغرب الشمس، أو تكاد، ويبقى شعاعها الأصفر على رؤوس الأبنية والنخيل، يبصر تلك المباني التي تشبه رؤوس القطط، والتي امتزج فيها الطين بحفنات من القش ليشد قوامها اللدن، وربما كان البناء من اللَّبِن المغطى بطبقة من الطين.
هنا يقف صبي في نشوة، وهو يرى سهم الحضارة يخترق المحيط الأشهب، ويشاهد بناءً إسمنتياً معبراً عن الحداثة على ناصية شارع الخبيب، الذي يضرب بطن المدينة ليقسمها إلى نصفين، وهو في ذات الوقت خط وهمي، وكأنه جدار برلين، ولكنه يؤمن بالعلاقات الحتمية بين عالمين، عالم أهل البلد وتجاره وعلاقاته وأسواقه القديمة فوق الوادي إلى الغرب من الشارع، وفيها أسواق التمر والإبل التي وصفها الرحالون بأنها أكبر سوق في العالم، وفيها المتجر الذي كان والده يلقنه فيه دروس الحياة والعمل.
 وعالم النزلاء الجدد من الطارئين على البلد من الفلبين والهند وبلاد العرب المشتغلين بالمطاعم والمبيعات الشبابية والحلاقة وما شابه، وهم في الضفة الشرقية أسفل الوادي.
الأسوار التي نبنيها أو نتخيلها ونحن صغار يتعين علينا أن نجتازها أو نهدمها حين نكبر!
مرة واحدة أو مرتين أخذ بيده أخوه الذي يكبره بسنتين، ليمنحه جرأة التسلل إلى مطعم أدنى شارع الخبيب، ليجلس قبالة جهاز جديد يسمونه (التلفزيون)، وهو يحس بالوجل الشديد وتأنيب الضمير حين يضع عينه على شاشة تعرض مباراة لكرة القدم، ويتذكر انطباع والده لو رآهم على تلك الحال! كان يحس بالاقتراف!
(مكتبة النهضة) استثناء وحيد، كانت في الخبيب، نقطة ثقافية في جو مغاير، لم يكن يجد حرجاً في التردد عليها، طاولتها المتواضعة، المكسوة بالخرقة الخضراء كانت تشده بعنوانات الكتب المصفوفة فوقها .
ازدحام السيارات من أهم الملامح الحضارية التي ينتظرها لمدينته، يريد أن يتوقّف طويلاً عندما يهمّ بقطع الشارع إلى الضفة الأخرى حيث لا رصيف!
يتمنى أرتالاً مصطفة من هذه السيارات القديمة من فصيلة الوانيت والداتسون، فالغني هنا هو من يحلم بامتلاك سيارة مهما يكن نوعها أو عمرها!
يعجبه حين ينحدر ذاهباً إلى معهده أن يرى عارضة خضراء وأخرى حمراء، والجندي في داخل الكبينة يقوم بتحريكها لتنظيم حركة المرور.
في هذا الموضع الفريد يتعلم أن الطريق الذي يسعك يجب أن يسع الآخرين، وأن تنظيم الحياة لا يعني توقفها، بل يعني محاذرة الصدام ما أمكن!
كِسَرُ الطين تسمى (الجمش)، ولحرصه على جمع المفردات العامية والغريبة فهو  يلتقط المعنى حين يسمع من شيخٍ أنه لا يغادر هذه الجمشة إلا إلى قبره، وآخر يعلل عن سرعة قفوله من السفر بأنه الحنين إلى الجمشة، وثالث يفتخر بكثرة الشخصيات المعتبرة من التجار والإداريين والعلماء الذين خرجوا من الجمشة!
إنه اسم " الدلع " يطلقه والِهُون أضناهم الشوق، أو مقيمون يصرون على الوفاء !
بريدة مادة لأول محاولة شعرية في ثلاثة أبيات طفولية، تعبيراً عن حب فطري للسكن والوطن، والانتماء للأرض والناس، كما تنتمي الشجرة الصغيرة إلى حقلها ومائها وهوائها.
أدهشه أن الشيخ (عبد العزيز المبارك)، والد الدكتور(راشد المبارك) زار حائل أيام (محمد بن عبد الله بن رشيد) ومر على بريدة، وقال فيها ثلاثة أبيات بالافتتاحية ذاتها، وعلى ذات الوزن:
بريدة دار تُذكر النازح الوطن
وقد يتمنى أن فيها له سكن 
مشرفة، واعلم فمن شرفت به
يقينًا هم الإخوان عند ذوي الفطن
يقولون: هل أبصرت من حسنٍ بها ؟
فقلت: وهل أبصرت فيها سوى حسن!
الشعر حمّال أوجه !
متعلقون بالجمشة يقولون: إن كل ما فيها حسن، وآخرون يزعمون بأنه لم يجد فيها ما يعجبه سوى أميرها (حسن المهنا)!
(حسن المهنا) أحدث فيها حركة عمرانية ووسع شوارعها نتيجة رحلاته المتعددة ضمن (العقيلات) -وهم الرحّالة النازحون طلباً للرزق إلى مصر والشام والهند وليبيا والخليج-، وبسبب اهتمامه بالتجارة والعمران.
أما (الإخوان) فاسم للمحبين وطلبة العلم المتحلقين حول شيوخ آل سليم، وخاصة الشيخ (محمد بن عبد الله آل سليم)، وابنه عمر، وهم شيء آخر غير الإخوان البدو وغير (الإخوان المسلمين) في مصر والعالم الإسلامي، بل على النقيض، فهم يدينون بالولاء لحكومة مركزية في الرياض، وهذه إحدى المفاصل التي مكنت للبلد، ومكنت لهم في البلد، وأعطت انضباطاً لا يستطيعه أهل الهِجَر الذين هم حديثو عهد بالاستقرار والأمن والضبط المدني.
 وامتد الاسم لمجموعة عاصرها صاحبنا تحتسب على المنكرات، معتمدة على حضورها الاجتماعي، واتصالها بالشيخ (صالح الخريصي)، وهو من تلاميذ السليم، وضمن هذه المجموعة أفراد لا يقرون المدارس النظامية، ولا الأعمال الحكومية الوظيفية .
الشيخ الخريصي نفسه يعمل في وظيفة؛ فهو رئيس المحاكم، وكذلك أولاده تعلموا في المدارس الحكومية، وهو سمح كريم النفس.
القرب الجغرافي، وصحبة الأب، سمحا للفتى ذي السبعة عشر عاماً بحضور مجالس الخريصي، وزيارته في المحكمة والمسجد والبيت في العديد من المناسبات .
(فهد العبيد) ضمن الدائرة، ولكن في جيب مختلف نوعاً ما، صوت وعظي يؤثر على شريحة من الناس، وهو قادر بعاطفته وأمثلته الساخرة على إقناع رجل غير متعلم، الحديث مسكون برفض الآراء الجديدة والمنتجات الجديدة، فكروية الأرض ودورانها والوصول إلى القمر، والمذياع والمسجل فضلاً عن التلفاز والكرة، وملابس النساء الجديدة؛ الخاص منها تحديدًا، هي أمثلة تتكرر وتوضع موضع السخرية والتندر دون أن يحتاج الأمر إلى توسع في الاستدلال .
زاره الفتى وجلس إليه لمرة واحدة في وضع شبه قسري لم يملك معه ( الأخ فهد) -كما يحب أن يُدعى- منعه من دخول منزله والحديث معه في شتى الشؤون، بما فيها استنكاره للمكرات (الكاسيت) وأنها بدعة محدثة.
(محمد المطوع) يملك كاريزما في نسكه وزهده وعبادته وإزرائه على نفسه، الفتى كان يذهب قصداً في صلاة المغرب ليستمع لقراءته التي لا يجد فيها ما تعلمه من تفصيل التجويد، ولكن يجد فيها الخشوع والدموع ومعالجة القلوب القاسية، ولذا فالرجل كاف عاف والناس منه في خير.
أصدقاؤه يحدثونه أنه كان يخلو بنفسه في قبو المسجد المظلم ويوبخ نفسه بصوت مرتفع، ويشير إلى وجهه براحة الكف كما يفعل الصبيان أو المغضبون على جهة الاحتقار للذات وتوبيخها!
لا يذكر تحديداً متى أو كيف تعرّف إلى الداعية الشاب (عبد العزيز العقل)، شده في مجلسه الوعظي صوته الخاشع وهو يتلو آيات يختارها، وخاصة آخر سورة هود، قصة فرعون والتعقيب عليها، والصدق يمهد له الطريق إلى القلوب بعد الآذان، وغدا الصبي يتابع مواعيده وينتقل معه من مسجد إلى مسجد، وهو لا يختار إلا المساجد الكبيرة والشهيرة لكثرة الجمهور.
حين سمعه في الجامع الكبير تحمس، وتمنى أن يقودهم في نهاية المجلس إلى الضفة الأخرى من الخبيب ليصرخ بالغافلين!
هي المرة الأولى التي تسلل إليه شعور كهذا، وليس يدري لماذا ظل يتذكر ذلك الخاطر العابر ؟!
والده المحب للصالحين لم يحزم أمره صوب ( الإخوان)، فثم مسالك وآراء لا يحتملها، ومحاولة أحدهم صرف الفتى عن الدراسة لا تلقى ترحيباً من الوالدين، وإن تحدثوا عن التصوير وخطورته، طبعه الميال للتجارة والمنحاز للحياة والسعة يجعله معجباً ببعض أثار العقيلات وإنجازهم، وقصصهم مع الجن واليهود وقطاع الطرق، ومغامراتهم الجريئة، وهو إذ يقص ذلك على فتيانه لا يفتأ يردد:
"الشام شامك إلى منّ الفقر ضامك"
“الهند هندك لا قلّ ما عندك" 
مدينة تعايُشٍ لأكثر من تيار فقهي وعلمي، وتداخل بين هذه التيارات، وثمّ علماء وفقهاء كانت مرجعيتهم لحنابلة الشام وكانوا يدرّسون في الحرمين الشريفين من أيام عهد الأشراف، ويسافرون مع "العقيلات" للشام والعراق، ويحضرون المخطوطات والكتب المطبوعة على الحجر من الأمصار، بيد أن التلاميذ والأتباع يغلب عليهم التصعيد وتكريس العداوة، ونقل الكلام وحمله على غير وجهه، والاستنجاد بالشيخ فيما يشبه حالة الخطر!
المدينة التي يمتهن أهلها الزراعة والتجارة استقطبت عائلات من أنحاء شتى، من حائل إلى سدير والوشم إلى الرياض (خاصة بعد سقوط الدرعية) والحجاز والجنوب، واستقرت بها أسر عديدة من مصر والشام، وارتبطت مع السكان الأصليين بالمصاهرة والحب.
كما استعارت العديد من أسماء الأحياء والقرى من العراق وسواها، فتجد ضمنها (واسط) و (بيرحاء) و (الحويزة).
استقبلت التعليم العام، وافتتحت المدارس النظامية هي وجارتها عنيزة عام (1356هـ) قبل أن تفتح في الرياض بعشر سنوات.
(عبد الله بن إبراهيم بن سليم)، و(علي المطلق)، ابتعثا من بريدة لتولي افتتاح مدارس التعليم في الرياض !
خمسون ما بين قاضٍ ومعلم، وبترشيح من الشيخ عمر بن سليم، أرسلوا إلى جنوب المملكة، وعاشوا واستقروا هناك، وتداخلوا مع جيرانهم بالمصاهرة والحب.
سفراء ينتمون للبلد مثل (فوزان السابق) الذي أقنع رجالات القصيم المقيمين بمصر بالعودة إلى ديارهم على حساب الدولة.
 (أولاد علي) كما يحبون أن ينتخوا، المشتغلون بالتجارة، والمحاربون إذا لزم الأمر، والذين تتعاقد معهم دولة الخلافة لحماية الحجيج وسكة الحديد وحماية أماكن في العراق من عصابات منفلتة من دول الجوار.
رجال الصحراء الذين بنوا في (الكرخ) في مدينة بغداد، ما كان يسمى (صوب عقيل)، وبنوا الكثير من منطقة الزقازيق و(إمبابة) في القاهرة، و(سوق الشيوخ) في البصرة.. الرجال الذين خاضوا المخاوف بجسارة وصنعوا من شبابهم أثرياء وقادة، وتعلموا من السفر والغربة والخوف، وتكيفوا مع المتغيرات، وأقاموا علاقات سياسية مع الأطياف المتنوعة ؛ من القبائل إلى الدولة العثمانية إلى بعض قيادات فرنسية وبريطانية لحماية أصحابهم وتسهيل أعمالهم ..
والده المبهور بالعقيلات كأبطال، كان يردد قصة المعترضين على مدارس البنات، الذين سافروا بصحبة الشيخ الخريصي لمقابلة الملك، وتبليغ صوتهم المحتج على هذه الخطوة الجريئة.
الموقف كان غريباً في سياق متعايش محتك بالجار وبالبعيد، مستوعب للطارئ والمهاجر.
المعترضون فئة قليلة محيطة بالشيخ، التحمت مع شريحة أكبر من الرياض حيث أقاموا مخيماً خارج البلد .
غالبية الناس تفاعلت إيجابياً مع التعليم، بل لم يبدُ لها جديداً، فالرحالة كانوا يصفون المدينة بكثرة (الكتاتيب) للبنين والبنات، منذ عام (1298هـ)، حيث كان فيها خمس مدارس بنات، فالبنت تخرج من بيتها لتتعلم الدين والخياطة والحساب وبعض المعارف الضرورية، ومثل ذلك كان في عنيزة.
شخصيات معتبرة ومقربة من رئيس القضاء الشيخ (عبد الله بن حميد) كانت تواجه تيار الرفض وتسعى لتكريس التعليم، منهم الشيخ على الحصين، الذي قضى في حادث سيارة في الرياض، ليصنع الذين لا يرعون حرمة لحي ولا ميت شائعة أن هذه عقوبة لمن يدعون إلى الشر !
ابن حميد صاحب عقل نير، ورؤية مستقبلية لا تتجاهل عثرات الواقع وبعض التصعيد الفقهي المتكئ على السياسة !
لديه مواكبة للمتغيرات، وعنده راديو يستمع إليه سراً لمتابعة الأخبار، ويبدو وكأنه يصنع قيادات شبابية مستنيرة بهدوء.
الفتى الذي أصبح شاباً تنقل في العديد من (قهاوي) رجالات الصحراء واستمع إلى أحاديث المعمرين عن ذكرياتهم في فلسطين والشام والعراق ومصر والهند، ومصاولاتهم مع قطاع الطرق، ونظامهم الحياتي الذين كانوا يدربون عليه فتياناً فوق العاشرة يصحبونهم خارج الجزيرة لطلب المعاش وهم يرددون في أحاديثهم 
-نجد تلد ولا تغذي !
استمع إلى (حمد العقيل) سائق آل سليم، وإلى (سليمان الجربوع) وهو من رجال العقيلات الصادقين، بعض أولئك الرجال عُمّروا وحضروا دروسه واستمعوا إليه بأجساد صحيحة وعقول حاضرة.
تبدو الأحوال مع الوحدة السياسية، والنفط المتفجر مختلفة بعض الشيء، ولم يعد ثم حاجة للسفر والترحال، وعدد من المقيمين في مصر والسودان والشام عادوا إلى ديارهم ليسهموا في تطوير البلد، ويضعوا خبراتهم موضع التنفيذ، وتبع هذا ترجيح مدرسة تأخذ بخيارات فقهية وعقدية أكثر صرامة، وتعدّ ما هو خارج الحدود بلاد كفر، والسفر إليها لا يجوز؛ لأنه سفر لبلاد الكفار، ويجري في حالات هجر للقادم من تلك البلاد ثلاثة أيام حتى يتطهر من أوضار ذلك السفر!
ظروف التكوين والتأسيس كانت سبباً رئيساً في هذا الترجيح.
أحد أصدقائه كان يظن أن واقع البلد موصول الحبل بالحياة النبوية دون وسيط ولا انقطاع تاريخي قبل أن يكتشف أن ما يراه هو مزيج تراكمي من مؤثرات وعوامل تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد وبالمعرفة؛ لتنتج صورة اجتماعية قابلة للتشكل والتحول كلما طرأت عوامل جديدة.
تظل طبيعة البلد تجنح إلى التعايش والاستيعاب، وتبدو محطة انطلاق لكثيرين من أبنائها البررة الأوفياء، وآخرين يمرون الجمشة ليصنعوا أنفسهم ثم ينطلقون صوب العمل الإداري أو الثراء أو المعارضة أو العلم أو الفكر والثقافة، وحتى الإلحاد، فالقصيمي كان هنا وإن كان من أصول مصرية !
طبيعة العيش مع التجارة لا يسمح بديمومة الإغلاق، والانفتاح التعليمي يأتي معه بأعداد كبيرة من الأساتذة من مصر وسوريا وفلسطين ويفضي إلى التأثير المتبادل، ونشوء المدارس والتيارات السياسية والدعوية والفكرية، والبلد في قلب الصراع، أياً كان، بين الفيصلية والناصرية، أو بين الإخوان والبعث، وحتى لو كان صراعاً تفصيلياً داخل المدرسة الواحدة بأطيافها المتعددة.
الحراك تعبير عن فاعلية إيجابية في المدينة، وانتصار للتنوع الإنساني، وهو تعبير هنا عن الانتماء المتدين المستعد لمزيد من الوعي والنضج والاستيعاب.
المدينة تكبر وتتسع عمرانياً، ويكبر قلبها المشفق الذي عبرت عنه يوماً قصيدة (الخلوج):
برور بنا ما مثلها يكرم الضنا
وصول بنا لكن نسينا وصالها 
تلقى علينا الجوخ والشال فوقنا
وهي عاريه تبكي ولا احد بكى لها
ويكبر عقلها لفهم الواقع والتعاطي معه بجدارة.
الفتى الذي لم يدرك العقيلات، ولم يستمتع بمغامراتهم وأسفارهم، سمح لنفسه بتوسيع دائرة علاقاته داخل منطقته، وثّق الروابط مع شباب من عنيزة، وكانت حالة تثاقف وحوار وصداقة في ذات الوقت، وشهدت منطقة (الحصاة) المتوسطة بين المدينتين عشرات اللقاءات، كان يشارك في بعضها الشيخ (عبد الله الجلالي).
مشى أبعد من ذلك إلى الرس، وأحكم علاقاته بواسطة الأستاذ (عبد العزيز البليهي) والأستاذ (محمد العبدة) مع نخبة شبيبة صالحة، إلى آخرين استقبلهم وهم قادمون للدراسة في معهد إعداد المعلمين، وعاش معهم في سكن العزوبية أياماً هي من أحلى أيام العمر .
صديقه الظريف الذي يتندر عليه بأنه عندما تعرّف عليهم واندمج في جوهم، ذهب إلى الفريق الرياضي، حيث كان يقوم بدور الحارس، وهم ينتظرونه في مباراة حاسمة، ورمى ملابس الرياضة عليهم وهو يقول:
-خذوا ملابسكم.. لقد أسلمت!
(المذنب) تبدو ذات ولاءٍ لمدينته، فلا مشكلة إذاً في الاتصال، والشيخ عبد الكريم الجارالله بدماثته وتواضعه يقود المشهد، والعلاقات تتسع وتشمل أجيالاً من الشباب، ورحلات منتظمة، وحج وعمرة، وصلات مع فتية من مصر كان يعدهم نقلة غير عادية، ستجد الأثر يمتد لـ (مرسى مطروح)، وليس المذنب فحسب !
وجد ابتساماتهم العريضة تعبر عن فرحتهم بفوزه في مسابقة الشعر التي نظمتها رعاية الشباب، وهم يرددون بإعجاب :
تحيةً يا فتى الإسلام والعربِ
في غمرة الهمِّ واللأواء والنَّصَبِ
تحيةً وفلولُ القوم لاهثةٌ
وواثبُ الحق رغم الخرق لم يثِبِ
عيون الجواء تتميز بالطيبة والسماحة، وشبابها يأتي للدراسة في الثانوية العامة وفي المعهد العلمي فيكون التعارف والتآلف والإخاء والذكريات الجميلة، والفتى يبدي استعداده حتى أيام الامتحانات ليترك كتبه ويُقدّم دروساً خصوصية فيما يحسن، اللغة العربية والمواد الشرعية، وأن يتعلم منهم حروف الإنجليزية، وحتى هذا التعلم يبدو وكأنه استدراج لتمتين الصداقة من خلال استلام الإحسان من أيديهم!
كتم إحساساً بالخيبة لما عرض على فتى يقترب منه صورةً لمعذبين نشرت في مجلة المجتمع، فقابلها بضحكةٍ وعدّها ضرباً من العبث !
قرر أن يتعدى حدود الجمشة إلى جيرانها الأقربين؛ في البكيرية، والبدائع، ورياض الخبراء، والشماسية، والأسياح، ثمّ صداقات وتاريخ جميل، وأصحاب حجزوا مقاعدهم في قلبه مهما نأوا، وظل يقابل الوجه الغريب المألوف فيبتسم له ثم يتذكر أنهم (كشتوا) يوماً تحت ظل الأثل، وأن نكتة لطيفة حفظت ذلك اللقاء !
موقف يبدو شيئاً عادياً، أو عابراً، أما حين يكون ذكرى فهو إحساس مكثف بالحنين، ومشاعر تهفو للانطلاق، وملامح تطل من بعيد، ويبدو في تضاعيفها الإخاء الإنساني الذي يألف الزمان والمكان والصور .
من الصعب أن ينسى رجلاً متفانياً منكراً لذاته مخلصاً دؤوباً مثل أبي أسامة، يحتويهم في بيته، ويقود بهم مركبته، ويخدمهم، ويعلمهم ويتعلم معهم، كانوا يسمون الأستاذ حمود اللاحم (عصا موسى).
 وجوه غضة بماء الشباب، وأرواح سامية.. التقت على الأوراد والصلوات الطوال، والتفكر في الملكوت وقت الهدآت والأسحار، وتعلمت تدبير العيش كما تعلمت حقوق الإخاء، وحفظته في الحضور والغياب !
تعلم مبكراً فنون الإدارة والتفويض والشراكة، الميدان يشجع على ظهور قدرات قيادية فاعلة شعرت بأهميتها وأتقنت دورها، يحيى البراهيم ومحمد أبا الخيل، كانا ثنائياً رائعاً لفترة دامت لسنين، عبرت خلالها وجوه استعصت على النسيان، تقتله بتفاصيلها الجميلة، وسهراتها العذبة، وهزلها الجاد، وجدها الهازل، واندماجها الصادق وشبابها المتوقد.
لو كان يدري أن الأيام ستحول بينهم، وأن الفريق المتآلف سيتفرق إلى غير لقاء .. أتراه كان يسمح لنفسه بذلك الاندفاع الوجداني العميق ؟
أواه يا راحل الأحباب من كبدي
لم يبق منها على شجوي سوى الوصبِ
أبكي عليهم وهذا منتهى عجبي
والقلبُ من ذكركم في نشوة الطربِ
أحن شوقاً إلى أيامنا وَمَضَـتْ
 قد أقْوَتِ الدارُ من أصحابي النُّجُبِ
ليس يأسى على تلك الأيام الحلوة، لقد بنت في نفسه الكثير، وأسهمت في إحكام تجربته، وصنعت له ذكرى طيبة، وأبقت له الحنين الدائم إلى وجوه افتقدها ..
أبقت له من كل ألفٍ واحداً يُعدّ بألف !