زبيدة بنت جعفر المنصور.. سيدة في بيوت الخلفاء

كتب بواسطة: بلقيس عبدالعزيز | في بروفايل . بتاريخ : Jun 1 2012 | العدد :61 | عدد المشاهدات : 3938

زبيدة بنت جعفر المنصور.. سيدة في بيوت الخلفاء

نسخة للطباعة
امرأة قل نظيرها على مدار التاريخ كانت لها بصمة مميزة في وقتها والأزمان التي تلته، ويعود ذلك إلى أعمالها التي لا تزال بعض منها قائمة إلى وقتنا الحاضر، والتي ينتفع منها بنو البشر، على الرغم من مرور قرون كثيرة .
هي زبيدة بنت جعفر المنصور الهاشمية العباسية، وزبيدة هو لقب لها وليس اسمها الحقيقي، واسمها (أمة العزيز)، وغلب عليها لقبها (زبيدة)، قيل: كان جدها (المنصور) يرقصها في طفولتها ويقول: يا زبيدة أنت زبيدة لبياضها ونضارتها! فغلب ذلك على اسمها، وهي تنفرد بأمور كثيرة، منها: أنها تعود إلى  تسعة من الخلفاء كلهم لها محرم، زوجها هارون الرشيد، وابنها الأمين، وابنا زوجها المأمون والمعتصم، وابنا ابن زوجها الواثق والمتوكل، وعمها المهدي، وجدها المنصور، وعم أبيها أبو العباس .
   وُلدت في عام 145هجرية في مدينة الموصل بالعراق، وتزوجت من هارون الرشيد سنة 165هـ، وكان ذلك في خلافة المهدي ببغداد، وأنجبت منه ابنها محمد الأمين، أحبها الرشيد كثيراً، وبنى لها قصراً جميلاً بالقرب من قصره، فلما دخلت قصرها في أول ليلة، ورأت أن عدد الجواري اللاتي يخدمنها نحو (100) جارية كلفت كل واحدة منهن بقراءة جزء من القرآن.. وهكذا صار يُقرأ في منزلها القرآن كاملاً كل ليلة، ومن يقترب من قصرها يسمع دوياً كدوي النحل، وعندما يقترب أكثر يسمع قراءة القرآن الكريم من جواريها في القصر.

فصاحتها
عُرفت بفصاحة الكلام. فعندما بُعث إليها مرة من أحد عمالها كتاب ردته إليه، وبه ملاحظة تقول: (أن أصلح كتابك وإلاّ صرفناك) فتعجب العامل لذلك وأقلقه الأمر؛ لأنه لم يستطع معرفة موضع الخطأ. وعرض كتابه على أصحاب الفصاحة والبلاغة فقالوا له: إنك تدعو عليها في كتابك وتقول: أدام الله كرامتك، وذلك دعاء عليها وليس لها؛ لأن كرامة النساء بدفنهن فعرف العامل الخطأ وأصلحه، ثم عاد وأرسله لها فقَبِلته.

اهتمامها بأمور المسلمين
كانت تهتم كثيراً برعاية أمور المسلمين وتوفير متطلبات الحياة، حتى إن عيناً في طريق مكة تُنسب إليها، وهي عين زبيدة في مكة التي جُلب إليها الماء من أقصى وادي نعمان شرقي مكة، وأقامت لها الأقنية حتى أبلغته مكة؛ فكانت تسعى دائماً إلى مساعدة الناس، وتروي كتب التاريخ أنها عندما ذهبت إلى أداء مناسك الحج في طريقها إلى مكة وجدت أن المسلمين يجدون مشاق كبيرة في الحصول على الماء، وكان ذلك عام 186 هجرية، ووجدت أن الطريق طويل جداً – يساوي (1400) كم تقريباً – من بغداد أو الموصل أو الكوفة إلى مكة بحيث يمشي فيه المسافر شهراً أو أكثر، وأن الجميع يعاني وحتى هي وحراسها – على الرغم مما معهم من الكلأ والماء والدواء- عانوا كثيراً من مشاق الطريق مع قلة الماء أو انعدامه، فما كان منها إلاّ أن فكرت في كيفية إيصال الماء إلى الصحراء وكيفية توفير الماء لهؤلاء المسلمين المحتاجين للماء، فدعت خازن مالها وأمرته أن يدعو المهندسين والعمال من أنحاء البلاد وقالت له: أريد أن يصل الماء إلى الناس، فقال لها إن هذا العمل سيكلفك كثيراً، فقالت له كلمتها المشهورة: اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس ديناراً.. فوفد على مكة أكفأ المهندسين والعمال، ووصلوا بين منابع الماء من حنين حتى مكة بمسيرة عشرة كيلومترات، حتى فاض الماء، وصار يُسمّى باسمها زبيدة، وظلت العين في صدقة جارية تجاوز عمرها الآن مئات السنين.. تحمل الخير لحجاج بيت الله الحرام، والحسنات الدائمة لزبيدة صاحبة هذا المشروع العظيم الذي بلغت نفقاته في تقدير ذلك العصر مليوناً وسبعمائة ألف دينار، كما أمرت بتمهيد الطريق الذي يصل بين العراق ومكة، وحفرت له الآبار، وشيّدت له المنازل والدور بما يُعرف باسم (درب زبيدة)، وقد وصلت نفقات مشروعها في تلك الحجة أربعة وخمسين مليون درهم.
وأصبحت الطريق مفخرة هندسية لتأمين المياه للحجاج من خلال بناء شبكة هائلة من خزانات المياه، تبدأ من الكوفة مروراً بالحدود الشمالية من المملكة العربية السعودية، ثم حائل، فالقصيم، ثم يميل الطريق إلى جهة الجنوب الغربي، شاقاً الصحراء إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة.
بعد رحيلها ظلت باقية حية في أذهان بني العباس وفي قلوبهم، يتذكرون أخبارها وأخلاقها وثقافتها المميزة، وظلوا يتناقلون أفعالها في كل مكان، وخصوصاً أخبار مسامحتها للمأمون بعد اتهامه بقتل وحيدها وفلذة كبدها الأمين؛ إذ إنها هنأته بالخلافة قائلة: "أهنيك بخلافة قد هنأت نفسي بها عنك قبل أن أراك، ولئن كنت فقدت ابناً خليفة فقد عُوّضت ابنا خليفة لم ألده، وما خسر من اعتاض مثلك، ولا ثكلت أم ملأت يدها منك، وأنا أسأل الله أجرًا على ما أخذ، وإمتاعًا بما عوّض. فقال المأمون: ما تلد النساء مثل هذه، وماذا أبقت في هذا الكلام لبلغاء الرجال".
توفيت زبيدة ببغداد في جمادى الأولى سنة 216هـ الموافق 831م، وقد رآها عبد الله بن المبارك في المنام فقال لها: "ما فعل الله بك قالت: غفر لي الله بأول معول ضرب في طريق مكة...".
رحمها الله تعالى، وجعل من حياتها وأعمالها قدوة لبنات الإسلام ونسائهن في أن يتركن بصمة مميزة ينتفع بها المسلمون.