الزائر الصغير..!!

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في طفولة قلب . بتاريخ : Jun 9 2012 | العدد :60 | عدد المشاهدات : 2568

الزائر الصغير..!!

نسخة للطباعة
نقط الزيارات بدأت تتابع، وتحقق فلسفته البسيطة للحياة؛ املأ ما هو فارغ، وأفرغْ ما هو ملآن، ومعها توسعت دائرة الأماني لديه، وأصبحت أكثر إغراء، وأشد تشويقاً لتلك التي لم يكن نبض القلب لولاها.
كبر سنها، ومرضها، وقلبها المرهف.. كلها أعذار كافية لتأجيل قرار الزيارة، عينها لا تريد أن ترى (جنينها) مغلوباً على أمره، على أنها كانت ترسل مع كل زائر قطعة من قلبها، وزفرة من زفراتها، شعراً يقطر دمعاً وحرقة، وكأنما أُصيبت بـ (فوبيا) الغياب.
مع هذا كله كانت ينبوع الصبر الذي يشرب منه كلما أظمأه الفراق، وهو يتذكر قول هيلين كيلر: (إننا لا نستطيع أن نتعلم الشجاعة والصبر إذا كان كل شيء من حولنا مرحاً).
كان يستمد صبره من صبرها مستعيناً بربه، متوقعاً أفضل النتائج، وإن لم يكن لديه أسباب كافية في عالم المادة.
الجنين المنتظر خرج إلى الدنيا في رمضان محمّلاً بالبراءة، ولهذا اشتق له منها اسماً أحاطت به الشائعات.
كان (البراء) في الطريق إليه كأصغر زائر عمره عشرة أيام.
تلهّف للرؤية، واحتار ماذا عساه أن يقدم أمام تلك المنحة الربانية، لقد شعر أن هدية العيد سبقت أوانها؛ المركز العاطفي في جسده فتح أبوابه، وغرّدت على أغصانه عصافير المودة، والعقل كعادته يعمل بصمت، ويرسل للقلب لوحات ملونة بذكريات عذبة عن رجاله الذين كانوا أطفالاً سابقين، كما يحبّ أن يسميهم.
تعانقه الخيالات؛ فيسمع أجراس الطفولة، وقهقهات البراءة تخترق حصون الزمان والمكان.
يتعجب؛ كيف سرقه الانشغال عن متعة كهذه، إنها صور ذات متعة سحرية، وإيقاع مميز، والألم وإن كان حتمياً في مثل حاله، إلاّ أن الشقاء وتكبيل الروح فيه هو شأن اختياري.
زيارة مختلفة، فالشهر رمضان، والوقت بعد صلاة التراويح، والجهد للحصول عليها عظيم، ولكن الثمرة تُنسي الفلاّح التعب، الظلام يضرب رواقه فيما حوله، والوحشة تلفّ المكان، أما هو فليله حالم.
في طريق أصبح مألوفاً، وأصبحت أقدامه أكثر ثباتاً فيه، واقترب من الغرفة المخصصة، على أن محاولته لتهدئة نفسه باءت بالفشل!! اقتحم الغرفة بلهفة وحماس، وقلّب نظره بين المقاعد الخاوية.. لا أحد!
انتظر هنا قليلاً!
لا بأس.. فمن صبر كثيراً يصبر قليلاً، وبدأ يسمع همهمات العاملين.. أحدهم يفتح عليه الباب مبتسماً:
زوّارك على وشك الوصول.
العروس أصبحت أماً، والجنين تنسم أنفاس الحياة، ها هو ملفوف بثوب تقليدي تعبيراً عن رجولة مبكرة..
صافح الخال بحرارة, وهو يهتف:
حييتَ يا خالَ البراءِ وحبَّه 
طودٌ أشمُّ وجبهةٌ غرّاءُ
وتسلّم الوليد بيدين مرتجفتين، وهزّته شحنات عاطفية سلبته ذاته، ومع أن توقّع الشيء يفوق معايشته؛ إلاّ أنه ها هنا وجد التجربة تفوق التوقعات!
 إن ميلاد طفل لك يجعلك ترى أحلامك وآمالك بشكل مختلف..
غمره الحنان، وتلبّسته الشفقة، وأدرك بشعوره الواعي ظروف الميلاد، وتساءل بألم: كيف سينمو في خضمّ هذه الأحداث؟ وهل سيعي ويعيش مرارة الحرمان؟
ضمّه بعمق، وأحسّ بأنه يحمل قلبه بين يديه، ويشتم منه رائحة الجنة وعبير الطهر، وهي تتغنى..
نمْ يا صغيري.. إنّ هذا المهدَ يحرسُه الرجاءْ
من مقلةٍ سهرت لآلامٍ تثورُ مع المساءْ
أشدو بأغنيتي الحزينة ثم يغلبُني البكاءْ..
وأمدُّ كفّي للسماءْ..
نمْ لا تشاركني المرارةَ والحزنْ..
فلسوف ترتضعُ الجراحَ مع اللبنْ..
ستمرُّ أعوامٌ طِوالٌ في الأنين.. وفي العذابْ..
وأراك يا ولدي قويَّ الخطوِ موفورَ الشبابْ..
تأوي إلى أمٍّ محطَّمةٍ مغضّنةِ الإهابْ..
وهناك تسألني كثيراً عن أبيك وكيف غابْ
يا الله! ما أروع هذه المخلوقات الصغيرة، إنها تفعل بنا ما لا يفعله أي سلاح أو جبروت!
حلم وانقضى.. وفتح عينيه على الحقيقة.. وانصرف إلى معتزله.. وهو يشعر بأنه مشطور إلى نصفين، نصف ينتمي إلى الفرح، والآخر يمثل الإحساس بالمعاناة.. بيد أن اليأس علاج ناجح.
توالت الزيارات، وأصبح يستغرق في لحظاتها، ويلتقط منها كل معنى جميل، ويضخّ فيها بسخاء حباً وتحناناً؛ فما الحياة سوى لحظات، واللحظة الحالية هي ما يملكه منها، وكما قيل: 
"مكتوب على باب الفرص كلمة: ادفع! ".
الرضيع ينمو جسداً وعقلاً، والأسئلة تكبر.
الخطوة الأولى من رحلة الصغير بدأت من هذا المكان الموحش، عليه ألاّ ينتظر خروجه للحياة ليقوم بدور الأب المحبّ المربي، بل سيفعل ذلك الآن، وعندما تكون في الحدث ستفعل ما يتوجب عليك فعله.
اجتهد ليحافظ على قلبه خالياً من الكُره، وعلى عقله خالياً من القلق؛ فشعاعه يسقط على من حوله.
الصغير ينتظر الزيارة تلو الزيارة بشوق عارم، والمؤثرات التي تنبعث من والده تحمل رسالة من نوع خاص، نبرة الصوت، وتعبيرات الوجه، ورقّة العبارات، واحتكاكات الجسد..
كانت تلك الروح البريئة تتفاعل بضحكات كأعذب الأنغام يتردّد صداها في المساحات الفارغة.
يداه الصغيرتان وأنامله الرقيقة تعبث بوجه والده، يحاول أخذ عينه، فإذا لم يفلح فشعيرات من وجهه، وتارة يلجأ إلى العض في فترة التسنين!
عندما أصبح يستعدّ قبل أمه للزيارة, ويسبقها إلى مكان اللقاء بخطواته التي لا تكاد تلامس الأرض إلاّ وترتفع مرة أخرى، يتخللها عثرات خفيفة، ليقذف بنفسه في النهاية بلا خوف في حضن والده..
كان يعتقد أن المكان حيث يجد أباه، ويرى والديه مجتمعين معاً، هو منزله الحقيقي، وما سواه فهو مزار!
تطورت الأسئلة.. أين بابا؟ متى نروح لبابا؟ لماذا لا يأتي معنا؟ في كل لقاء جديد أصبح يبكي بحرقة؛ طالباً منه أن يخرج معهم إلى السيارة، ويتبلل بقطرات المطر المنعشة في الخارج..
الوالد يفر من التعليق بتشتيت انتباه الصغير بقطعة حلوى، أو لعبة، أو دغدغة أو ملاعبة.
نظام التواصل بين العقل والجسد يتسم بالوضوح، و "الجسم السليم في العقل السليم" وليس العكس، لذا بدأ الصغير يعاف الطعام، وبان عليه الهزال، احتجاجاً على غياب والده، وأنه لا يشاركهما الطعام والخروج من المنزل والأفراح والأسفار، واحتاج إلى طبيب يشخّص له الحالة، ويساعده على  استرجاع الشهية.
الأمر يبدو جاداً، والصورة لابد أن توضّح، ومن الخطأ أن يُستهان بما يعتمل في فكره، المهمّ هو ماذا سيضعان داخل عقله الصغير؛ لأن ما يوضع داخله سيتدفق إلى الخارج متفاعلاً مع الأحداث المستقبلية لحياته.
أمام دموعه الغزيرة اعتراضاً على انصرافهم بدونه، كان والده يشعر بجرح عميق لعاطفته، ويحس بداخله بحراً يهيج، فيحاول أن يركن إلى التأمل، وهو عملية رائعة لتهدئة العقل وانسجام مكوناته.
ذات مرة قرر أن الزيارة ستكون خاصة لـ"المحقق الصغير" وسيحظى بإجابات عن كل تساؤلاته التي تفوق عمره، وقد قارب الثلاث سنوات.
سؤال يجرّ سؤالاً، وجواب يفجّر إشكالاً.. وبين السؤال والسؤال سؤال: لماذا لا تخرج معنا؟!
مرة باستفهام، وأخرى باستعطاف، وثالثة بيأس، ورابعة بعتب وغضب!!
يظل الطفل طفلاً يعالج جرحه ببكاء حار، وهو بغريزته يعرف فوائد البكاء، وأنه أقوى وسيلة للإقناع..
"إذا كان بابا ما يقدر يطلع.. أبغى أقعد عنده!"
يحاول إقناعه بالعدول عن رأيه فيرفض، وبعد محاولات مضنية ينجح جزئياً؛ فيخرجه من غرفة الزيارة إلى صالة الاستقبال.
العويل يشتدّ، والأب ينصهر مع البكاء، وليس مسموحاً له أن يصل إلى تلك المنطقة.
يضرب بقدميه الأرض الرخامية ليردد الصدى صوت القهر، تحاول الأم ولا فائدة، والخال صاحب المكان الكبير في القلب الصغير، ولا فائدة، يلتف حوله العاملون يهدّئونه ويقنعونه ويعطونه الحلوى فيرميها، وهو يردّد:
- "أبي بابا!"
يعطونه اللعبة فيقذفها ويصرخ:
- "ما أبغاها.. أبغى بابا" 
يكاد الجميع أن يبكي.. ويحمله خاله وهو يتشبث بأرجل المقاعد وانحناءات الجدار، ويرفس بيديه ورجليه.. تحمل شيئاً من معاناة البكاء, وحمل أبويه أضعافه، ثم نام بعد طول إجهاد!
أسعد الناس هم أولئك الذين ليس لديهم سبب محدد لسعادتهم فيما عدا أنهم سعداء فقط!
الأطفال هم من هذا الصنف، فهم سريعو البرمجة لذواتهم، سريعو التكيف مع الظروف، سريعو التجاوز للمحن..
وهكذا كان..
أصبح يزور والده، ويغتنم لحظاته بالأنس معه، خاصة وقد جعل الأب من نفسه طفلاً ليذوب مع طفله في خلطة فريدة، وحينما يتغنى بأبياتٍ يداعبه فيها:
يا برائي.. وأين مني برائي.. لاعجُ الشوقِ يا صغيري براني
يضحك الصغير طرباًً، ويقهقه عالياً لهذه الكلمات والنغمات, التي لا يفقه منها سوى اسمه، ولكنه يدرك أنها تعني شيئاً جميلاً يخصّه، فحتى جزئيات الماء تتأثر بما تسمعه, حسب تجارب العالم الياباني (إيموتو)..
تحين ساعة اللقاء.. ويخرج الأب حين أصبح عمره في الخامسة، فيطير فرحاً، فها هو ذا والده يدخل منزله الصغير المستأجر في الرياض.. الدهشة تعلوه، والفرحة تلجمه، فيقف برهة يتأمل ويستوثق مما يراه.. ويركضان في عناق طويل.
يتفلت من بين يديه، وينطلق يجري خارج المنزل؛ ليعود وقد اصطحب أقرانه وأبناء خاله.. والضحك يقطع عباراته:
- ناظروا بابا عندنا بالبيت!
     ليلة مشحونة بالعواطف، استمتعوا حتى شبعوا، وحاولوا أن يثأروا من سني البعاد.. ينام الجميع بعدها بهناء وسعادة، والصغير يحتضن يد والده.
يستيقظ الأب صباحاً ويغادر إلى القصيم، هل يوقظ صغيره ويتمتع به ويشمه قبل ذهابه، أم يدعه في نومه.. قرر أن يحرم نفسه منه، ويغادر وهو نائم شفقة عليه.
أحلام وذكريات يفيق عليها الصغير، ويهب من فراشه عجلاً، يتلفت يمنةً ويسرة، ويتفقد الغرف ويطرق أبواب دورات المياه.. والأم ترقبه بصمت.
استمرت عملية التفتيش عدة دقائق، تخللتها نظرات بحثٍ وتحرٍّ، وتقليب للفراش الذي ينطق بنوم شخصٍ إضافي لم يعتد على نومه، نفد صبره، وتزايدت مخاوفه، وتوجّه إلى أمه يجلس بحضنها, ويستعد لسؤال يخشى عواقبه:
- ماما.. بابا طلع من السجن, وإلاّ أنا كنت أحلم؟!