د. سعيد بن محمد القرني: من فضل الله على "العربيّة" أن مقوّمات بقائها من السماء لا من الأرض

كتب بواسطة: زياد الركادي | في الملف . بتاريخ : Jun 9 2012 | العدد :60 | عدد المشاهدات : 3130

د. سعيد بن محمد القرني: من فضل الله على "العربيّة" أن مقوّمات بقائها من السماء لا من الأرض

نسخة للطباعة
تجد الكثير ممن تخصصوا باللغة العربية، وفي المقابل تجد من تخصص بلغة أخرى كالإنجليزية مثلاً، ليس مجرد قدرة الحديث بها فحسب، بل هو أبعد من ذلك من استيعاب الحديث بها، وفهم دلالاتها، وقواعدها، والقدرة على منافسة أهلها بها.. ولكن من الصعوبة بمكان أن تجد ممن تخصص وجمع بين لغتين في آن واحد، ومنهم الدكتور سعيد بن محمد القرني – عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى – وعضو عدد من اللجان مثل الجمعيّة السّعوديّة للعلوم اللغويّة ـ الرّياض وكذلك لجان التّعريب بمكتب تنسيق التّعريب بالرّباط, الذي جمع بين اللغة العربية واللغة الإنجليزية، وأخذ على عاتقه الدفاع عن اللغة العربية والدعوة إلى المحافظة عليها والاعتزاز بها، مع تبيين قوتها وعظمتها  وأهمية سيادتها، حوارنا مع الدكتور سعيد تناول هذه الهموم والاهتمامات..
 كيف هي مكانة اللغة العربية في الإسلام؟! وهل الحديث عن اللغة العربية يُعدّ نوعًا من أنواع التعصب لها؟ 
- اللسان العربيّ لا اللغة العربيّة؛ فكلمة "لغة" يونانيّة المنشأ؛ فأصلها (Ologus)؛ أي: كلمة أو وحْي، والوحي لديهم ذو ظلالٍ أسطوريّةٍ. 
أمّا مكانة اللغة العربيّة في الإسلام فهي لسانه النّاطق بمعانيه وأفكاره وأصوله وشرائعه وأخلاقه؛ فالله غايرَ بين الأديان وفاضلَ كما غايرَ بين ألسنتها. فالله كتبَ الخلود لشريعته الخاتمة شريعة الإسلام، وجعلها ديناً مستديماً للنّاس جميعاً لا يدين الله أحدٌ إلاّ به، واختار الله له العربيّة لساناً، فهي وعاؤه ودالّته. ولقدْر هذا اللسان من الشّريعة والإنسان استُرضِع رسولُه (صلّى الله عليه وسلّم!) في بني سعدٍ؛ لبناء لسانه وإنسانه، حتّى إذا تنزّل الدّين بهذا اللسان أحاط بحدوده ومادّته لفظاً ومعنًى.
وقد أدرك سلف هذه الأمّة هذه المعاني؛ فكان تعلّمُ العربيّة فرضاً من فروض هذا الدّين لا يُدرَك إلاّ به؛ فهي منه بمنزلة الرّوح من الجسد. ومنهم غيرُ العرب، ولنا في كون سيبويه صاحب علوم الآلة وأوّل كتابٍ في العربيّة هو الكتاب، وأصحاب الصّحيح، وابن جنّي الرّوميّ، وغيرهم ـ عبرةٌ وعظةٌ، وقد كانوا بُناةَ علوم العربيّة حين دخل النّاس في دين الله أفواجاً واختلطت الألسنة، وخِيف على هذه اللغة الضّياع.
 ومن زعمَ أنّ الألسنةَ سواءٌ من حيثُ الفضلُ والتّفاضل فقد جهِلَ ناموسَ في الخلْق للألسنة والنّاس على السّواء؛ فالله فاضل بين الرّسل، وبين النّاس، والأمكنة، والأزمنة، وسائر خلْقه، ولذلك خلقهم.
والعربيّة فاضلةٌ لا مفضولةٌ متوفّرةٌ على أسباب الخلود في ذاتها، وفي غيرها؛ فمن حيثُ ذاتُها تمتاز من غيرها صوتاً وصرفاً ونحواً ودلالةً؛ فعلى المستوى الصّوتيّ هي لغةٌ ثلاثيّة المخارج والمدارج (Triple Language)؛ فأصواتها تخرجُ من فضاء الحلْق أو تجويفه (Thoaracic cavity)، ومن فضاء الفم وحدوده Oral) cavity)، ومن فضاء الأنف وخياشيمه (Nasal cavity). في حين أنّ الإنجليزيّة مثلاً أحاديّة المخرج فمويّة. استبدلنا الّذي هو أدنى بالّذي هو خيرٌ، ونسينا مقالة عمر ـ رضي الله عنه! ـ: "إيّاكم ورطانة العجم".
وعلى المستوى الصّرفيّ توفّرت العربيّة على السّوابق واللواحق والحشو؛ فجمعت الشّرف بأبعاده الثّلاثة، ونحن نعلم أنّ الرّؤية بأبعادها الثّلاثة تفضل الرّؤية الأحاديّة في التّكوين الأوّليّ، أو الثّنائيّة في التّكوين المستوي. 
وعلى المستويين النّحويّ والدّلاليّ توفّرت العربيّة على ثراءٍ في مواضع الكلم وتأثير بعضها في بعضٍ  
وثراءٍ في الدّلالات الإفراديّة والتّركيبيّة، ولسنا هنا بسبيل سردها واستقصائها؛ فهي أشهر من أن تُذكَر، والعالِمون بالألسنة بحقٍّ يعرفون للعربيّة قدرَها، وسرّ اجتبائها لكتابه ورسالته الأخيرة الآخِرة. 
 على من يقع الدور الأكبر في المحافظة على هذه اللغة؟
- على الحكومات العربيّة الإسلاميّة والعلماء؛ فالله يَزَعُ؛ أي: يمنع، بالسّلطان ما لا يزع بالقرآن. ومؤتمرات التّعريب والتّرجمة في الجملة في ما مضى من مؤتمراتٍ وندواتٍ ومناشط مختلفةٍ تُجمِع على دور الإرادة السّياسيّة في سيادة اللغة أو تنحّيها في مجالات استخدامها المختلفة في الحياة. وتتدرّج المسؤوليّات تنازليّاً بعد ذلك؛ كلّ بحسب وُسْعه وطَوْقه.
 هل الاستخدام الامثل للغة العربية هو التخاطب فقط أم أن هناك ما هو أبعد من ذلك؟ 
- الحكمُ عن ذلك فرعٌ عن تصوّر اللسان من الإنسان؛ فاللسان في حقيقته كاشفٌ عن طبيعة الإنسان في كلّ أمرٍ من أموره، وليس أصواتاً مفردةً أو مركّبةً فحسبُ. ومن أجراه كذلك فقد فصل بين الوسائل والغايات، وليس ذلك بسبيل المحسنين الصّادقين المهتدين. فاللسان هو فكرُ الإنسان ومشاعره وحسّه وطبْعه، وهو كاشف ذلك كلّه ودليله الرّئيس. 
 كيف تلعب اللغة العربية دورًا في توحيد الأمة؟!
- التّسليم بما سبق يفضي إلى الجواب؛ فهي مقدّماتٌ تفضي إلى نتائج. ولو قلّبنا النّظر واستقرينا التّاريخ على الوجه استقراء تدبّرٍ وتفكّرٍ لوجدْنا أنّ اللغة أو اللسان ركيزةٌ من ركائز الوصْل بين النّاس، وانتشارها أمرٌ سياديٌّ دالٌّ على سيادة أصحابها؛ إذا اقترنَ ذلك بوَحْدة الفكر في المسلّمات وتغايرها في غير تضادٍّ في ما سواها. فلو أردت الحكمَ على أمّةٍ فتأمّل لغتها دالاًّ ومدلولاً!
الأمّة الإسلاميّة في عصور سيادتها اللسان العربيّ لسانها إعلاماً وتعليماً، وثقافةً واقتصاداً واجتماعاً وسياسةً وفنّاً. وإذا أدركتَ سنّة التّداول في الحياة علمتَ أنّ انتشار الإنجليزيّة اليوم في النّاس دالٌّ على سيادة أهلها أصلاً وفرعاً، وما حرصُ أهلها على نشْرها في النّاس طلباً للسّيادة والكسْب إلاّ دليلٌ على دورها السّياديّ في نشر الفكر والثّقافة الطّارفة والتّليدة.
ومن فضل الله على العربيّة أنّه حافظٌ لها بحفظ كتابه، وحفظ هذا الدّين؛ فمقوّمات بقائها علويّةٌ لا سُفليّةٌ، وإذا رغب عنها أهلها رغب فيها غيرهم. ومن عجبٍ أن نجد المسلمين غير العرب أشدّ حرصاً على تعلّمها وتعليمها ونشرها من أبنائها العرب، ويبين ذلك لك لأوّل وهلةٍ إذا سرتَ في الأرض شرقاً أو غرباً وجُزتَ حدود أهلها الجغرافيّة السّياسيّة. 
 تواجه اللغة العربية عقبات كثيرة في سبيل ترسيخها في أذهان أبنائها, فبصفتكم متخصصيْن في تدريس اللغة العربية, ما هو واقع اللغة العربية بين طلابها, لاسيما المتخصصين فيها؟!
-النّاس منصرفون عن تعلّمها في الجملة؛ لقيمٍ نفعيّةٍ سائدةٍ مقرونةٍ بسوق العمل الّذي يُجلّ دارس غيرها ويوسّع عليه رزقه، ويُذلّ دارسها ويقدُر عليه رزقه، وما أكثر النّاس ولو حرصْت بمؤمنين.
وكم دارسٍ للعربيّة ومدرّسٍ وعالمٍ بها ومعلّمٍ؛ هي منه براءٌ. فلو قلّبتَ النّظر في حال طلاّبها ومطلوبيها في مؤسّسات العالم العربيّ التّعليميّة النّظاميّة والأهليّة لوجدْت أنّ كثيراً منهم أُلجِئ إليها إلجاءً في الطّلب، ولم يأتها مؤمناً بفضلها، طالباً لثواب تعلّمها في الدّين والدّنيا معاً.
 كيف كانت تجربتك في تعليم اللغة العربية في الجامعة؟!
تجربتنا في جامعة أمّ القرى مهد اللسان العربيّ مشبهةٌ ما حولها من جامعاتٍ قريبةٍ أو غريبةٍ؛ في تواضع مستويات طلاّب الجامعة بإجمالٍ في تحصيل مسائلها وموضوعاتها، فالمتغيّرات الثّقافيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة ذات أثرٍ بعيدٍ في الإقبال على تعلّمها وتعليمها. على أنّ منهم وفيهم من تسنّم وبلغ الغاية النّسبيّة في الفضل.
ولو بإحصاءٍ نسبيٍّ لإقبال طلاّبنا على تعلّمها وتعليمها لوجدنا النّسبة في تضاؤلٍ، ولئن لم نولّها ونولِها همّاً وهمّةً؛ بتحديث وسائل نشرها وتعليمها وتعلّمها، ليكوننّ الأمرُ في سُفولٍ. وليس ذلك بقصْرٍ على المرحلة الجامعيّة الدّنيا، بل بالغٌ الدّراسات العُلَا إجازةً وعالِميّةً.  
 هل كان الاحتلال -أو كما يحلو للبعض أن يسميه "الاستعمار"- هل كان يقف وراء ذلك المستوى المتدني للغة العربية الذي نعيشه الآن في حياتنا؟!
- نعم، وهذا ناموسٌ ألفناه في ما غبر من أزمنةٍ فضلاً عن زماننا هذا. وأذنْ لي بتسميته استحماراً لا استعماراً، فما من أمّةٍ ذات عمْقٍ تاريخيٍّ وثقافةٍ متجذّرةٍ تركَن إلى ذلك أو تُسلّم له. بل تستعين على تكييف ما يستجدّ من نتاجٍ للإنسانٍ مادّيٍّ وغير مادّيّ وإخضاعه للسانه. وقد فعل ذلك غيرنا من الأمم شرقاً وغرباً؛ فما اليابان وغيرها من دول الشّرق ودول الاتّحاد الأوروبّيّ عنّا ببعيدٍ؛ فقد أقرّ ذلك الاتّحاد كلاًّ على لسانه من غير حيْفٍ أو زيفٍ؛ لبصَرهم بقدر اللسان من الإنسان، ووضعوا لصوغ الحضارة ونشرها مع عدم اخترام الألسنة ومراعاة المتغيّر اللغويّ آليّاتٍ؛ كمراكز التّرجمة الآليّة وبنوك المصطلحات اللغويّة، وغيرها؛ فأكسبهم ذلك ثراءً وإثراءً، وظهر أمرهم في النّاس. 
ومن أراد أن يسود فلن يسود إلاّ باتّباع سنن الله في التّسويد ولن تجد لها تبديلاً، واستقراء تجارب من ساد عن بصرٍ وبصيرةٍ.
أمّا اللغة فلم يتدنّ مستواها بل تدنّى مستوى اللاغين بها أو المتحدّثين والمستعملين.
 هل ترى أن برامج الابتعاث الحالية والكثيرة على مستوى الوطن العربي ستؤثر على اللغة العربية؟
- نعم؛ فقضايا الصّراع اللغويّ وقيم الإحلال والإبدال في تعلّم اللغات ناموسٌ لا يتخلّف ولا يخضع لأهوائنا، وإذا لم نعتنِ بنوْع التّعليم في الابتعاث وكمّه بين الدّارسين فقد يقضَى الأمر على غير ما نرتضي.
 كيف السبيل إذن للنهوض بهذه اللغة من كبوتها والمحافظة عليها؟!
- في ما تقدّم غناءٌ وكفاءٌ. وأمّا سبُلُ التّرقّي باللسان والإنسان على السّواء فموقوفٌ على عامليْن اثنين على ما قرّره علماء الحضارة اليوم:
أوّلهما: عامل الوعْي بالذّات (Awareness Identify Factor): فقد ساوى الله بين خلْقه في أصْل الخلْق، ونحن جميعاً غربيّنا وشرقيّنا متكافئون، وليس لأحدٍ على أحدٍ مزيّةٌ في ذلك، بل التّفاضل في استعمال ذلك الخلْق وتوظيفه وفق سنن الله في التّرقّي.
وثانيهما: عامل الوعْي بحركة التّاريخ (Belonging Identify Factor): فالإنسان السّويّ هو من ينسُبُ نفسَه إلى أمّته في غير إغفالٍ لعامل النّشأة التّاريخيّ، إذا استقام له أمرها، وصحّ له منهجها.
ومن طريف ما وقفتُ عليه حديثُ وزير التّعليم الأردنيّ للسّفير الكوريّ الجنوبيّ في عمّان؛ إذ سأله عن تدريسهم العلوم بإجمالٍ الطّبّيّة والهندسيّة وغيرهما باللغة الإنجليزيّة، فلم يردّ عليه، فسأله ثانيةً فأجاب عنه بقوله: وهل هناك أمّةٌ تقيم لذاتها وزناً تفعلُ ذلك؟!
اللغة العربيّة لم تكبُ بل كبا أهلُها، وإذا أرادوا التّرقّي بحقٍّ فلن يكون ذلك بحقٍّ إلاّ بها وبما جاءتٍ به من قيمٍ شموليّةٍ حضاريّةٍ. وأدواؤنا في ذواتنا، لا في لسانٍ لا تصحّ نسبتنا إليه عند التّحقيق؛ فمنّا قاصرٌ ومنّا متقاصِرٌ.
 يُقال إن لك موقفاً طريفاً حدث في إحدى المؤتمرات التي تناولت موضوعاً يختص بالتربية واللغة العربية... حدثنا عنه؟
- يسوؤني أن نشخّص أدواءنا في التّعليم والإعلام بلسانٍ غير لساننا؛ ومن ذلك ما رأيتُ في ندوة الاعتماد الأكاديميّ (Academic Accreditation) الثّانية الّتي كانتْ في قاعة الملك فيصل (رحمه الله!) للمؤتمرات، وقد كنتُ بمعيّة وفدٍ من الجامعة في تلك النّدوة، وقد بقينا من الثّامنة صباحاً إلى الرّابعة عصراً نصِفُ حال التّعليم لدينا إدارةً وتنظيماً وتحديثاً بأثرٍ من أوراق عملٍ بلسانٍ إنجليزيٍّ غير مبينٍ، ويتسابق المنتدون ذكراناً وإناثاً من أساتذة جامعاتنا ومؤسّساتنا العلميّة على الحديث بها وفق السّمات الأصليّة لها بإكبارٍ وإعزازٍ يُنبي عن غيبة الحسّ بواقع الطّلب ومأموله، والرّغبة في التّبعيّة حسّاً وفكراً لبيئتها. ورجوتُ بعضهم في ورش العمل البَعديّة أن يثوبوا إلى لسانهم، ويأطروا أرباب تلك الأوراق على التّرجمة، أو الحديث بوسيطٍ آليٍّ، لا لعجْزٍ عن الحديث بها، بل إعلانٍ عن صدْقٍ في الانتماء للساننا، وإظهارٍ لمهابته.