تأملات في تاريخ سقوط الرومان

كتب بواسطة: أيمن الغامدي | في أوراق ثقافية . بتاريخ : Jun 11 2012 | العدد :92 | عدد المشاهدات : 4754

تأملات في تاريخ سقوط الرومان

نسخة للطباعة
يُعد شارل لوي دي سكوندا المعروف بـ (مونتسكيو) – نسبة إلى حصن في جنوب شرق فرنسا ورثه عن أحد أعمامه – خير مثال على ما يُعرف بعقلية القرن الثامن عشر الأوروبي.
جمع بين موسوعية الاطلاع وتحرر الفكر وتنوع التجربة وتذوق الأديب وعمق المفكر، يتجلى ذلك في مؤلفاته الشهيرة "الرسائل الفارسية" و"تأملات في تاريخ الرومان" و"روح القوانين" والأخير أدرجته كنيسة روما ضمن لائحة الكتب المحظورة على الكاثوليك !
عظموه الإنجليز واشتهرت آراؤه في البلدان البروتستانتية واعتبروه أنه قدّم أعمق تحليل لتقاليدهم السياسية غير المكتوبة، وأقوى دفاع عن الحرية في وجه الاستبداد، وتجاهله الفرنسيون ولم يصغوا إلى دعوته إلا بعد أن قامت الثورة وعكفوا على تحرير دستورهم الجديد.
أما كتابه هذا فما يهم مونتسكيو وما يهم غير المتخصصين في الرومانيات من منظرين في العلوم السياسية ليس دقة المعلومات ليس دقة المعلومات بقدر ما هو عمق التحليل والقدرة على استخلاص العبر، لذا فالكتاب مليء جداً بالتحليلات والاستنتاجات السياسية العميقة.
فمثلاً نجد في الفصل السادس مثلاً والذي عنونه بـ " السياسة التي انتهجها الرومان لاستعباد سائر الشعوب " مجموعة ملاحظات تكون إشارات مرجعية لدليل إجرائي في سياسات الحكم انتهجتها دول ودويلات كثيرة من عصر الرومان إلى العصر الحاضر، ها هو يشير في الصفحة 71 إلى شيء من هذه الممارسات " كانوا أحياناً يستغلون التباس بعض الألفاظ في لغتهم لخداع الخصوم. تصالحوا مع قرطاج على أن تظل قائمة ثم خربوها بالكامل متذرعين أنهم تعهدوا بالحفاظ عليها كهيئة ونظام لا كمجمع سكني. ومعلوم ما جرى للأطوليين في هذا الباب إذ استسلموا للرومان على أمان، فغدر بهم هؤلاء بدعوى أن عبارة (عن أمان) تعني في اللاتينية التنازل عن كل شيء، عن الأرواح والأرض والمدن والمعابد وحتى المقابر!"
الفصل الثاني والعشرين يعكس التوجه والتربية العلمانية عند مونتسكيو والتي تلقاها صغيراً مؤسسات الأوراتوريين وهي الجماعة الرهبانية المعروفة بانفتاحها الفكري مقابل الياسوعيين. فملء الفصل بكثير من الملاحظات التي تدعو إلى فصل السلطات السياسية عن التوجيهات الدينية الكنسية، والتفريق بين حبر السياسة وماء التعميد.
بيد أن ما أضفى على الكتاب روحاً التعليقات الحية من معرب الكتاب وناقله من الفرنسية إلى العربية المفكر والمؤرخ والفيلسوف المغربي عبد الله العروي الذي طرح مجموعة من التساؤلات المثيرة في مقدمة الكتاب حول الترجمة والتعريب ونقل الثقافة والمعرفة.
يمارس على عقول قراءه إجهاداً ثقافياً مستفزاً بسؤاله: " كيف يتم تعريب الألفاظ دون أن يستدعي ذلك تعريب المفاهيم، وبالتالي طمس الخصوصيات التي هي لب التاريخ كما يقول الفرنسي جول ميشله؟ "
ثم يُدعَّم هذا التساؤل بملاحظة تحفز الباحثين المهمتين بالترجمة والتعريب للبحث عن إجابات علمية ومنطقية لها " لو سرنا على نفس النهج وعربنا كوميثيا Comitia بندوى، وتريبون Tribun بنقيب، وسنسور Censor بمحتسب، وبريتور Praetor بولي، وكويستور Questor بعامل، وسيناتور Senator بشيخ، وامبراطور Imperator بأمير، وفلامين Flamine بإمام، وأوسبيس Auspice بعراف ... الخ. أما كنا طمسنا خصوصية تاريخ الرومان وجعلنا من أخبارهم جزءاً من أخبار عامة الملوك والسلاطين؟ "
ثم يطرح علينا إجابته المقتضبة على هذا السؤال المحفز لأطروحات وأبحاث " الهاجس عندي هو أن هذا هو ما حصل بالضبط للمفكرين المسلمين في القديم، تاركاً بصماته في نظرتهم إلى التاريخ، ففهموا من المقابلة المماثلة. رأوا كل شيء في تاريخ الرومان حتى في العهد الجمهوري على ضوء ما عهدوه في أخبار الأمويين والعباسيين وغيرهم".
هذا المزيج بين عمق وتحليلات مونتسكيو وربطه مجموعة من الأفكار السياسية الرومانية بأحداث عصره في القرن الثامن عشر الميلادي، ورشاقة العروي في التعليقات الهامشية واستدراكاته أحياناً على المؤلف جعل من هذا الكتاب وجبة فلسفية سياسية فكرية تُحفّز الأذهان لتأمل التاريخ، وأتحفت المكتبة العربية بنموذج يجب تطبيقه في الدراسات التاريخية المعاصرة.

مقتطفات من الكتاب:
 عند تأسيس دولة ما يكون الرئيس هو الذي يُشكل المؤسسة. في ما بعد تعود المؤسسة هي التي تُشكل الرئيس.
 لا ندرك اليوم الهدف الحقيقي من الرياضة البدنية، نحتقر من يتعاطاها بانتظام، ونرى فيه ضرباً من التسلية والترفيه، في حين أن القدامى كانوا ينظرون إلى كل أشكالها حتى الرقص كوجه من وجوه الاستعداد للحرب.
 الخلاصة واضحة: المساواة في الملكية العقارية هي سبب بروز روما وخروجها من وضعها الحقير. ويقوي هذا الاستنتاج ما حصل عندما زالت تلك المساواة.
 نستخلص أن الظلم سياسة خرقاء لا تحقق أبداً أي هدف.
 الفتح سهل لأنه يتم بجيش كامل. الاحتفاظ بما فتح عسير، إذ يكون بجزء فقط من ذلك الجيش.
 كان أشرف من أن يهين نفسه أكثر مما أهانه القدر. كان يعلم أن الشهامة قد تنقذ المُلك، أما الخسة فتضيعه لا محالة.
 لم يبرموا أبداً صلحاً ليدوم. بما أن هدفهم البعيد هو الاستيلاء على كل شيء، لم يروا في أي صلح سوى هدنة.
 طريقتهم نوع من الغزو التدريجي. بعد فوزهم على عدو يكتفون بإضعافه، يملون عليه شروطاً توهنه من دون أن يشعر بالأمر، إن انتعش عادوا وأهانوه إهانة أكبر حتى يصبح خانعاً خاضعاً وهو لا يعلم متى حدث ذلك بالضبط.
 من غباوة الفاتحين إصرارهم على أن تتبع الشعوب المقهورة أعرافهم، وتعيش بحسب قوانينهم. لا مصلحة لهم البتة في ذلك. همهم الأول هو الطاعة وهذه متاحة في أي نظام.
 لم يقصد أبداً الرومان فرض تنظيماتهم على كافة الشعوب التابعة لهم. القاسم المشترك الوحيد بين هذه الشعوب هو الخضوع لروما. كان السكان رومانيين دون أن يكونوا مواطنين.
 في نفس الوقت بدأت تترسخ في روما عادة سيئة وهي إقصاء الخصوم السياسيين. لهذا السبب غادر روما عدد كبير من المواطنين. رحب بهم ميثريدات وألحقهم بالكتائب التي أنشأها، فكانوا خير جنوده.
 الملاحظة أن من يحكمهم ملك أقل غيرة وطمعاً ممن تسوسهم أرستقراطية وراثية. بين الأمير والرعية الهوة سحيقة إلى حد أنها لا تكاد تلحظ، فلا يخطر ببال أحد ما يستدعي النفور والتبرم.
 أما الحكام الأشراف فإنهم يتجولون في الأسواق، يراهم الناس كل يوم، فتسهل المقارنة التي تؤدي حتماً إلى الاشمئزاز والمقت. لذا ترى في كل زمان وحتى اليوم أن الشعب يعادي دائماً أعضاء مجلس الشيوخ.
 أسعد جمهورية هي التي تختار زعمائها من دون اعتبار للنسب، إذ الشعب لا يغار من سلطة يقلدها من يشاء ويسحبها ممن يشاء.
 كان هم المحتسب أيضاً استدراك ما أغفله القانون ويعجز القاضي عن متابعته، المثل السوء أخطر على أمن الدولة من الجريمة المكشوفة. والدول التي انهارت بسبب خرق أعرافها أكثر من التي تساهلت في تطبيق قوانينها.
 كان المحتسب في روما يقوَّم الانحرافات التي تغير مزاج وعقلية المواطن، وتهدد إن صح التعبير بقاء واستمرار الجمهورية. يتدخل لإيقاف شغب في الشارع أو خصومة في البيت، يطرد من مجلس الشيوخ من أخل بواجبه، يجرد الفارس من مركوبه الذي هو ملك للدولة، ينقل المرء من قبيل إلى آخر، بل قد يضعه ضمن جماعة تؤدي ضرائب المدينة دون الاستفادة من أية خدمات.
 بالجملة حكومة حرة هي بالتعريف حكومة غير قارة. فلا يكتب لها البقاء إلا إذا ضمَّنت دستورها آليات تقويم ذاتي.
 إن الدول المبنية على مبدأ الحرية معرضة للزوال أكثر من التي تأسست على الطاعة والانقياد. السبب ظاهر هو أن الحرية تتضرر على حد سواء بما يلحق الدولة من خير أو من شر. أما الطاعة فهي تترسخ في حالتي الانتصار والانكسار. لذلك تقضي الحكمة على كل جمهورية أن تتجنب المخاطرات وأن تتوخى السلامة في كل الأحوال.
 هناك قاعدة بدون استثناء، كلما رأيت الوداعة عامة في دولة تدعي أنها جمهورية، فتيقن أن لا حرية فيها.
 هناك فرق كبير بين القوانين الجيدة والقوانين المواتية، بين تلك التي تهيئ شعباً ليسود وتلك التي تحفظ له السيادة بعد أن حصل عليها.
 لا يوجد تشريع صالح لكل زمان ومكان إلا إذا كان المقصود بكلمة تشريع توخي العدل.
 بمناسبة الفوضى الطارئة يفرض بعض الرجال مواهبهم فيتبوأون المكانة اللائقة بهم، بعكس الحاصل في الأيام العادية حيث يوضع كل فرد في مكان معلوم وغير مناسب له في الغالب.
 انهارت الجمهورية لا بسبب طموح بعض الأشخاص كما يقال عادة، بل بسبب طبيعة البشر الذين يزدادون رغبة في السلطة كلما حازوا قسطاً منها، فيتطلعون إلى الكل بعد أن يستحوذوا على الجل.
 صفح قيصر عن جميع أعدائه، ومدحه لذلك كثيرون، لكني أرى أن من يتظاهر بالحلم بعد أن يكون قد اغتصب كل شيء لا يستحق مثل هذا التنويه.
 لا إهانة فوق الاستخفاف بأعراف الناس والمتواتر في سلوكهم. حاول أن تقهرهم فقد يرون في المحاولة تعظيماً لقدرهم، أخرق عمداً عاداتهم فذاك في نظرهم علامة استصغار.
 الرجل المعدم بوجه ما، لا يهمه كثيراً في أي نظام يعيش.
 لا يتحمس السكان لأي فريق. لا يهمهم كثيراً أي الحزبين، الأرستقراطي أو الديموقراطي يخرج منتصراً. متى سقط رئيس أحد الفريقين سارعوا إلى الانضمام إلى الآخر.
 سولا رجل حاد المزاج، كان يدفع روما بعنف في سبيل الحرية. أما أوغوست الطاغية الماكر فقادها بلين إلى العبودية. تحت حكم الأول كانت الجمهورية تتماثل للشفاء والكل يندد بالطغيان، وفي قبضة الثاني كان الطغيان في تنامٍ والكل لا يلهج إلا بالحرية.
 شر طغيان ذاك الذي يمارس في ظل القانون وتحت رداء العدالة.
 لم ير التاريخ أبداً طاغية افتقر إلى مساعد ومساند. لذا وجد تيبار قضاة على أتم الاستعداد لإدانة كل من يتهمهم الأمير مهما كان عددهم.
 قل من يدرك إلى أي حد ترتبط شهامة الأشراف بنفوذ الشعب، وكم تتراجع الأولى باضمحلال الثانية، والعلة هي هذه:
لما تكون التوليات بيد الشعب يتقرب إليه الطامعون فيها، لكن عن طريق الكرم والسخاء. يقيمون الولائم والألعاب، يوزعون الأموال والأقوات. الهدف ذميم لكن الوسيلة إليه نبيلة قدراً ما، إذ يليق بالشريف أن يصطنع الشعب بالهبات والعطايا.
أما بعد أن لم يعد بيد الشعب ما يعطيه، وأصبح الأمير هو المتحكم باسم مجلس الشيوخ في كل الوظائف والخطط، عندها لجأ الناس للوصول إليها إلى أخس الوسائل: التملق، هتك الأعراض وحتى الجريمة. لم يعد بد لكل امرئ طموح من أن يطرق هذه المسالك.
 الحق هو أن شعب روما في تلك الحقبة لم يعد يلعب أي دور في تسيير شؤونه. أصبح مكوناً كله تقريباً من الموالي، قريبي العهد بالرق، ومن عاطلين لا يحسنون أية صناعة، يتلقون قوتهم اليومي من الخزينة. شعب مثل هذا لا يجرب من نفسه إلا العجز، يتأثر كما يتأثر الأطفال والنساء. ومثل هؤلاء يغتم لما يستشعر من مسكنه. شعب بئيس تعلق بمخاوفه وآماله كلها بشخص جرمانيكوس. ولما فقد هذا الملاذ غمره اليأس.
 الأمران مرتبطان. من بهرته وهو مأمور السلطة المطلقة، لا بد أن يغلو في استعمالها وهو أمير. مزاج المرء واحد لا يتغير.
 هذا الطغيان الفظيع الذي اتسم به سلوك القياصرة يعود إلى طبع متأصل في الرومان. ذلك أنهم مروا مباشرة من سلطة القانون إلى حكم الهوى.
 ذهب كاليغولا بطغيانه إلى حد السفسطة. بما أنه كان ينحدر معاً من أنطوان ومن أوكتاف، أعلن أنه ينتقم من أي قنصل لا يحتفل بذكرى معركة أكتيوم، وينتقم منه كذلك إن فعل !
كما وضع أخته دروسيلا بعد وفاتها في مقام الآلهة، ثم قرر أن البكاء عليها جريمة لأنها آلهة، وعدم البكاء جريمة كذلك لأنها أخت القيصر !!
 هذه روما، كم خاضت من حروب، كم سفكت من دماء، كم استأصلت من شعوب، كم أقامت من معالم، كم كسبت من معارك وحققت من نصر، كم أبانت في سياستها عن حكمة وحزم وشجاعة، ومشروعها المذهل امتلاك الأرض بكاملها. أي اتقان في تخطيطه، أي صبر في تنفيذه، أي حذق في إتمامه.
هل قامت روما بهذا المجهود الجبار فقط لتشبع في النهاية نهم خمسة أو ستة وحوش ؟ ومجلس شيوخها الذي كان يطرد الملوك بإشارة منه، أما فعل ذلك إلا ليركع خانعاً لأخس أعضائه؟ وبعد ذلك ليقرر بمحض إرادته التمادي في الاقتتال حتى الهلاك؟ أما يسمو السلطان إلا ليهوى؟ أولا يبني الإنسان إلا ليهدم ما بنى؟ أو لا يكد إلا لجمع قوة إلا ليورثها لمن هو أوفر حظاً منه ويراه يستعملها ضده؟
 يستنتج من سير الأحداث أن حكم العسكر ينتسب إلى النظام الجمهوري أكثر منه إلى النظام الملكي.
 الأسلم لأي أمير أن يخاطر بالحرب مهما قلت حظوظ النجاح، عوض أن يساوم على السلم. يحترمه عدوه إذا ما تيقن أنه لن يخضعه إلا بمشقة بعد مقاومة عنيدة.
 ثم هذه المنح التي تكون طوعية في البدء. لا تلبث أن تتحول إلى أتاوى واجبة. من يتلقاها يعتبرها بعد ظرف وجيز حقاً لازما. إذا تراخى الامبراطور عن أدائها، أو أعطى أقل من المعتاد تحول في الحين من موالٍ إلى معادٍ.
 تنازلت روما عن كل شيء أولاً لجنودها ثم لأعدائها.
 إن أخطاء رجال الدولة لا تكون دائمة اختيارية. غالباً ما تترتب عن وضع قائم إذ السيئات تولد السيئات.
 خلاصة تاريخ الرومان هي ما يلي: كانت لهم مبادئ بواسطتها قهروا شعوب الأرض. ولما أدركوا القمة لم تصمد دولتهم. غيروا مضطرين نظام حكمهم على أسس توافق وضعهم الجديد، لكنها تخالف مبادئهم القديمة، وهذه القواعد الجديدة هي التي هدت صرح عظمتهم.
 في الدول المشرفة على الهلاك تكثر المصاريف فيضطر صاحبها إلى مضاعفة الجبايات، في وقت تكون فيه الرعية عاجزة أكثر فأكثر عن أدائها.
 نسجل بهذه المناسبة أن الأساطيل الضخمة مثل الجيوش الجرارة قل ما تضمن لصاحبها النصر. إن طال أمدها استنفدت موارد الدولة، إن نزلت بها كارثة تعذر إصلاحها أو إنقاذها، إذا تضرر قسم منها تعطل الكل. إذ سفن الحرب ومراكب الشحن والخيالة والمشاة والعتاد أجزاء مترابطة لا فائدة في بعضها إن لم تكن كلها جاهزة.
ثم إن مدة التجهيز تطول فيتسرب الخبر إلى العدو الذي يستعد عندئذ للمواجهة. زد على ذلك أن الحملة قلما تصادف الفصل المناسب. لا تستكمل الترتيبات إلا شهوراً بعد الأجل المحدد، فغالباً ما يكون إبان العواصف قد أطل.
 ألح مونتسكيو لا سيما في روح القوانين على أهمية نظام الأسرة وأثره في تطوير المجتمع. ربط انحطاط الدول الإسلامية بالاستبداد السياسي، ثم ربط هذا الاستبداد بالمناخ ونظام الأسرة.
 بيد أن ما أوهن الدولة أكثر من أي شيء آخر هو إصرار الامبراطور على أن يعتنق الجميع نفس العقيدة. وذاك في ظل ظرف جعل من هذا التعنت تعدياً سافراً.
 الدين الحق ينير العقول بقدر ما تعميه عقيدة فجة كالتي سادت في القسطنطينية، وربطت كل محاسن البشر وأعلى تطلعاتهم بولاء أعمى للتماثيل، إلى حد أن قواد الجيش رفعوا الحصار عن مدينة وأجلوا عن أخرى بمجرد أن ظفروا بذخيرة مقدسة يتبركون فيها !
 يا عجباً لتناقض النفس البشرية! في روما القديمة لم يمنع القانون رجال الدين من المشاركة في الحياة المدنية. لم يعفهم من أي واجب سياسي ومع ذلك نأوا بأنفسهم عن هذه الهموم.
ثم جاءت المسيحية وفصلت فصلاً واضحاً بين الكنيسة والمجتمع. مع هذا تدخلت الأولى في شؤون الدنيا لكن باعتدال.
ثم انحطت الامبراطورية وأصبح الرهبان يشكلون جلَّ إن لم نقل كل أعضاء الكنيسة. عندها تصيد هؤلاء الرهبان - وهم الذين اعتنقوا حرفة تدعوهم إلى الزهد في الدنيا وتجنب مشاكلها – كل فرصة للمشاركة فيها. رفعوا صوتهم عالياً في كل مكان وزعزعوا دعائم المجتمع الذي ادعوا أنهم اعتزلوه.
لم تحسم قضية سياسية، لم يبرم صلح، لم تعلن حرب، لم تعقد هدنة، لم تفتح مفاوضة، لم يتم زواج، إلا بحضور هؤلاء الرهبان كما لم يتركوا أي مقعد لغيرهم في مجلس الأمير أو مجامع الأمة !
وكم من أضرار نجمت عن تطفلهم هذا ! كم من أمير نبيه حولوه إلى بليد بطول مصاحبتهم ! كم من مشروع نافع أفسدوه عند التطبيق بتدخلاتهم المستمرة !
هذا الامبراطور باسيل الأول يأمر الأسطول بالمشاركة في بناء كنيسة مهداة إلى القديس ميخائيل في الوقت الذي كان العرب ينهبون جزيرة صقليا، ويستولون على ميناء سراقوسة.
وهذا ابنه ليون يسير على خطاه فيستخدم البحرية لنفس الغرض تاركاً المسلمين يحتلون منطقة طورومينية وجزيرة لمنوس.
 أصبحت المناظرات الحامية الشغل الشاغل لسكان العاصمة، إلى حد أن جان (يوحنا السادس) عندما اقتحم المدينة وجد الامبراطور والامبراطورة يترأسان مجمعاً يناقش سبل مكافحة أعداء الرهبان.
وعندما حاصر محمد الثاني القسطنطينية كان السكان منشغلين بقرارات مجمع فلورنسا غير آبهين بما يحدق بهم من خطر الأتراك.
 في الخصومات العادية يدرك كل طرف أنه قد يكون مخطئاً فيضبط نفسه ويلجمها عن التمادي في العناد. أما في النزاعات الدينية فكل خصم يعتقد بالطبع أنه على حق. فيغضب بشدة على المكابر الذي يمانع في إصلاح حاله، بل يروم إفساد من يتوخى إصلاحه !
 لا بد للمرء أن يهتم بجدل المتكلمين، لكن دون أن يظهر لهم ذلك، وإلا زاد المتناظرون غروراً وظنوا أن كل جهد يبذل لدفعهم إلى المصالحة يدل على أن استقرار الدولة وسلامة الحكام مرتبطان بمنحى تفكيرهم.
 يخطئ من يتصور سلطة بشرية مطلقة على كل المستويات. هذه السلطة الوهمية لم توجد قط ولن توجد أبداً. أعظم سلطة محدودة من بعض الجهات.
هذا السلطان العثماني ما أن يفرض ضريبة جديدة حتى تتعالى أصوات الإنكار توقفه على حدود لم يكن واعياً بها.
وشاه إيران يستطيع أن يلزم ولد بقتل والده، ولكن لا يستطيع إلزام رعيته بشرب الخمر. لكل أمة مزاج عام هو عماد السلطة، إذا صدمته السلطة صدمت نفسها وتجمدت في الحين.
 كل المصائب التي ألمت بالروم جاءت من منبع واحد مسموم، تجاهلهم طبيعة وحدود سلطة كل من الكنيسة والدولة، لذا تاهت السلطتان معاً.
الفصل بين هاتين السلطتين الذي هو ضمان أمن كل أمة. متأصل ليس في العقيدة وحسب، بل في العقل وفي الطبيعة أيضاً. الأمور المتميزة حقاً والتي لا تعمر طويلاً إلا إذا ظلت متميزة لا يجب أبداً مزجها