حينما يرتدي «الاستعمار» ثوباً قانونياً!

كتب بواسطة: جورج مونبيوت | في الجهات الاربع . بتاريخ : Jun 11 2012 | العدد :92 | عدد المشاهدات : 2552

حينما يرتدي «الاستعمار»  ثوباً قانونياً!

نسخة للطباعة
يبدو أن "الاستعمار" لم ينتهِ, ولكنه صار يتخفى في ثوب "القانون الدولي", الذي تعاقَب بموجبه الدول الضعيفة والتابعة فحسب، بينما يسمح للدول القويّة والغنيّة أن تفرض سطوتها على العالم بأسرِه.
خير مثال على ذلك, إدانة تشارلز تايلور, الرئيس الليبيري السابق, حيث بعث برسالة واضحة لرؤساء وقادة العالم الحاليين، أن: "منصبك الكبير لا يمنحك أي حصانة", وحملت رسالة ضمنيّة أخرى في الواقع، مفادها: إذا كنت تدير دولة صغيرة ضعيفة فإنك ستخضع للقانون الدولي بكامل قوته، أما إذا كنت تدير دولة قويّة، فلا يوجد ما تخشاه.
وفي الوقت الذي يرحب فيه أي شخص, يهتم بمجال حقوق الإنسان, بهذه الإدانة, تستعيد الأذهان ذكرى الحرب غير الشرعيّة على العراق وعدم محاسبة أي أحد قانونيا بسببها, رغم أنها جريمة توافق تعريف محكمة نورمبرج للعدوان, الذي يُطلَق عليه (الجريمة الدوليّة العظمى)؛ وعليه فإن التهم التي ينبغي التحقيق فيها, وفقا للنظام القضائي, ما قام به جورج بوش وتوني بلير وشركاؤهم هناك، والتي تعد أكثر خطورة من تلك التي أدين بسببها تايلور.
صحيحٌ أن هذه الإدانة "تُظهِر أن هؤلاء الذين يرتكبون أبشع الجرائم يمكن أن يقدَّموا للمحاكمة على أعمالهم", بحسب وزير الخارجيّة البريطاني وليم هيج، لكن المحكمة الجنائية الدوليّة, برغم إنشائها قبل عشرة أعوام ورغم أن جريمة العدوان معترف بها وفق القانون الدولي منذ 1945, ما زالت لا تملك نظامًا قضائيًا بشأن "الجرائم الأكثر خطورة".
ولأسباب واضحة تنتهج الدولة القوية الكبرى سياسة (المماطلة) في هذا الصدد؛ فإلى الآن لم تدرج المملكة المتحدة والولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية جريمة العدوان إلى تشريعاتها الخاصة, وبذلك يظل القانون الدولي يمثل المشروع الإمبريالي، الذي تعاقَب بموجبه الدول التابعة فحسب على الجرائم التي ترتكبها. وهذا ما لا ينطبق على غيرها من القوى العالمية الأخرى, مثل صندوق النقد الدولي, برغم إصلاحاته المهلهلة, الذي ما زالت الولايات المتحدة والقوى الاستعمارية السابقة تسيطر عليه, حيث إن كل المسائل الدستوريّة تتطلب التصويت بنسبة 85%، في حين أن الولايات المتحدة تحتفظ بنسبة 16.7% لضمان حق النقض "الفيتو" على إجراء الإصلاحات, مما يعتبر رقابة لا يمكن تفسيرها, كما ما زالت بلجيكا تحتفظ بثمانية أضعاف أصوات بنجلاديش، كما تحظى إيطاليا بنصيب تصويت أكبر من الهند، وتملك المملكة المتحدة وفرنسا معا أصوات أكبر من 49 دولة إفريقيّة, فضلا عن بقاء منصب الإدارة للمؤسسة الدوليّة، فسيبقى أوروبيا ونائبه أمريكيا وفقا للتقاليد الإمبريالية.
على سبيل المثال قام الصندوق في نهاية العام الماضي بالضغط على الاقتصاديات الناشئة بحجة حمايتهم من الأزمة, كما مارس الضغوط على الدول الآسيويّة لتحرير عملاتها للسماح للمضاربين الغربيين بالهجوم عليها, وبذلك صارت وصفات صندوق النقد الدولي غير مفهومة، وتثبت أنها أداة للقوى الماليّة العظمى.
لم ينتهِ الاستعمار بعد، بل استطاعت القوى الاستعمارية السابقة والإمبراطوريات الماليّة إنشاء وسائل أخرى للحفاظ على سيطرتها وهيمنتها، من هذه الوسائل ما ظل دون تغيير؛ مثل صندوق النقد والبنك الدولي، وبرنامج التسليم الاستثنائي للمتهمين، الذي جاء ردًا على التحديات الجديدة التي تواجه الهيمنة العالميّة, كما يُظهر اختطاف عبد الحكيم بلحاج وزوجته عام 2004 أن خارجية المملكة المتحدة وأجهزة مخابراتها تعتبر نفسها قوة بوليسيّة دوليّة لها أن تتدخل في شئون الدول الأخرى.
لقد ظلّ برنامج التسليم الاستثنائي بعيدا عن أنظار الرأي العام, مثل الجرائم الاستعماريّة التي ارتكبتها بريطانيا في كينيا وغيرها, والتي استمرت وزارة الخارجية البريطانية في إخفائها حتى تم الكشف عن أرشيفها السري الشهر الماضي. وكما أنكر, ألان لينوكس بويد, وزير الاستعمار البريطاني, مرارًا أمام البرلمان، وجود حالات اعتقال وتعذيب في كينيا وغيرها, قال جاك سترو, وزير الخارجية: "ببساطة لا توجد حقيقة حول المزاعم التي تورّط المملكة المتحدة في برنامج التسليم الاستثنائي".
وأفضل دليل على ارتداء الاستعمار ثوب القانون, ما قام به كل من بوش وبلير حينما أعلنا, من بلاد ما بين النهرين, الحرب الاستعمارية على أفغانستان, مستخدمين التمويه التقليدي للمهمة الحضاريّة, وذلك سعيا وراء السلطة والنفط ومناطق النفوذ, وانتحال القوى الكبيرة لنفسها وظائف الشرطة العالميّة لتحقيق العدالة من جانب واحد بالاستغناء عن القانون الدولي, وهي كلها دلائل تشير إلى أن القوى الاستعمارية لم تنتهِ بعد، لكنها تحولت إلى أشكال جديدة "قانونيّة" فحسب.
* المصدر بالإنجليزية