حتى ننحر الانتحار

كتب بواسطة: عبدالرحمن الجوهري | في رأي . بتاريخ : Jun 12 2012 | العدد :92 | عدد المشاهدات : 4108

حتى ننحر الانتحار

نسخة للطباعة
"قال لي لكل شيء في هذه الحياة حدود وعندما يفقد الإنسان كل شيء بما فيه احترامه لذاته عليه وضع حدّ لحياته"، هذا ما قاله جابي ضرائب إيطالي لزوجته في مساء منصرم من الشهر الماضي، قبل أن يكمل عمله وينتحر. تزايد حالات الانتحار في إيطاليا. اليونان تشهد موجة انتحار أخرى، إثر حالة اقتصادية مريرة، ثلاثة منتحرين، بينهما قسيس وأستاذ جامعيّ في يوم واحد في أثينا. خلال الشهر الفائت
في الجزائر، إثر انتحار 15 طفل بعد مشاهدة فلم للمحقق كونان، وكدت أشك بالخبر، لولا وجوده لدى أغلب الصحف الجزائرية. وهذا ملمح جد مهم، لسبب انتحار، كدنا نحسبه لا يوجد إلا مؤشرا بسيطا، في أوراق خبراء التربية، وهو انتحار المحاكاة. في الجزائر أيضًا انتحار مسن يبلغ الخامسة والتسعين من العمر في نفس اليوم الذي ينتحر فيه طفل لا يبلغ الثالثة عشرة من عمره. كل هؤلاء خلال شهر واحد –ابريل 2012-.
اليابان تشهد انتحارًا شبابيا يقفز من 60 حالة انتحار في عام 2006، إلى أكثر من 150 شاب منتحر في 2011. وتحافظ على صدارتها موازاة مع فيليندا: 34 منتحر من كل 100 ألف، وألمانيا 9 منتحرين من كل 100 ألف. تقول دراسات نشرت في أكثر من مصدر، أن 38% من اليابانيين يفكرون بالانتحار.
هنا في السعودية، يبدو الوضع غريبُا، وغير مألوف. في يومين متتاليين انتحرت خادمة أثوبية في الرياض قفزا من الطابق الخامس، وفي حفر الباطن انتحرت الثانية. من الشهر الفائت. إضافة إلى سبعة حالات انتحار لمواطنين، لم يأخذوا حصتهم، لا من العمل ولا الحياة.
أخبار الانتحار متواترة في كل مكان. يشهد العالم تصاعدًا كبيرًا في نسبها. لكن وحين العطف على مفردة "الخصوصية" السعودية، نجد أن المؤشر لدينا، يشي بأكثر من أمر. أولها غياب التعاطي الجاد مع مثل هذه الأخبار المروعة. فالبرلمان العراقي، المشغول بانفجارات مدنه ولملمة أشلاء ما تبقى منه بعد الحرب، ناقش الأسبوع الفائت من هذا الشهر، تنامي حالات الانتحار بين العراقيات. ما الذي يمكن أن يوازي هذا لدينا.
ثاني هذه الأمور، غياب النسب الدقيقة، لمعدل حياة وموت حقيقي. تدفعه من خلفه مؤسسة دينية، ومجتمع محافظ، وبيئة يبدو أمام الناس أنها مترفة ومترعة بما تشاء. إذ لا توجد حتى الآن دراسة رسمية تبين الرقم الحقيقي، الحالي، أو المتوقع، لنسب الانتحار في السعودية، سوى دراسات متباعدة، تطلق أجراس إنذار تكاد لا تسمع في صخب حافز وساهر وأخواتها. –دراسة تقول بوجود حالتي انتحار يوميًا في السعودية العام الفائت وبتصاعدها هذا العام-.
ثالث هذه الأمور، التعاطي  الإعلامي والمجتمعي مع هذه الأمور، بنسبتها ودائما للخلل النفسي، والأمراض الذاتية. دون توجيه الأصبع على الأقل، نحو الجهات المسؤولة عن وجود أرقام بشرية مكلفة كهذه، تنهي حياتها بالنسيان، كما عاشتها.
وضع مقلق وحقيقي، أن ينتحر شباب سعوديّ، في بلد نفطي. دينه وقيمه ومجتمعه أولا تمنع ذلك. وبلده ثانيا قادر على توفير حياة رغدة وكريمة له، ثم يعمّ السكوت القاتل