نعم أتغيَّر ! (2/2)

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في طفولة قلب . بتاريخ : Jun 12 2012 | العدد :92 | عدد المشاهدات : 3910

نعم أتغيَّر ! (2/2)

نسخة للطباعة
أتغيَّر؛ ‏ لأني ابن هذا الطين وشجرته الأولى! أنمو لأن الطين تحتي وهو تربتي، وحين أغدو يوماً تحت التراب ويتوقف عني الماء سأقف عن التغيير وأكون مرتهناً بعملي.
أتغيَّر؛‏ لأن التجربة المنضجة لم تحدث دفعة واحدة، وما زالت تزيدني خبرة ومراساً، التجربة التي دفعت ثمنها من حياتي وزمني، وتلك الأخرى التي دفعت بعض ثمنها حين قرأت تجربة الآخرين.
أتغيَّر؛‏ لأن الأفق الذي أسعى إليه وأنشده لا يزال بعيداً عني الآن!
وكلما اقتربت منه أحسست أنه يهرب وينأى!
أتغيَّر؛ ‏ وأنا ابن الأربعين عما كان عليه ابن العشرين .. وإلا فأين حصيلة السنين؟
وأين الفرق بين شرة الشباب وحكمة الشيوخ؟
أتغيَّر؛‏ لأنني تعلمت التسامح والعذر للآخرين، لكني لا أسامح نفسي في مراجعة آرائي وقناعاتي وعرضها على منطق الحق، وإجراء التعديلات عليها كلما لزم الأمر، فأنا هنا أمام حالة بشرية خاصة أساسها الإيمان بالله، ونتاجها خليط من المادة والروح والعقل ولقاء متمازج بين أساسٍ راسخ متين، ومحاولة ضعيفة مترددة معرضة للزلل.
أتغيَّر؛ لأنني لا أقدّس ذاتي ولا أجحد الأخطاء والمعايب والنقائص التي عليّ أن أطاردها حتى الموت، وفيها ما أعرفه جيداً وأستسلم له، وفيها ما يزين لي فأراه حسناً، ثم يمنحني ربي القدرة على كشفه وإقصائه!
أتغيَّر؛‏ ﻷنني غير مكتفٍ بما أنجزته.. وما زلت أطمع من ربي بالمزيد.
قد يمدحني محب بعمل، ويذمني مبغض به أو بغيره، وفي الحالين فهو لا يبلغ عندي مدح المادحين، ولا شنآن الكارهين..
أتغيَّر؛ لأنني أجد التغيير استجابة للفطرة حيث الكون كله يتغير
السماء تُغيِّر سحابها
والنهر يُغيِّر ماءه
والأرض تُغيِّر جلدها
والشجرة تجدد ورقها
والشمس كل يوم لها أفق
أتغيَّر؛‏ لأن التغير عندي هو الفرق بين الصورة الفوتوغرافية الجامدة التي تحكي تاريخاً فحسب، وبين صورة الفيديو المتحركة المتجددة الحية!
أقرأ مشهداً قديماً تمّ التقاطه قبل ثلاثين سنة فأجد تجاعيد الأيام والسنين على ذلك الوجه الغض، وأشاهد مقطعاً تمّ التقاطه الآن فأرى المواكبة والحيوية والحركة والانتماء للحظة تختفي تحتها آثار الزمن!
أتغيَّر؛ لأنني أسهم في تغيير الآخرين والتأثير عليهم، وهم يُغيِّرونني ويؤثرون فيَّ، أتعلَّم منهم وأُعلِّمهم، لم أعتقد يوماً أن مهمتي ذات اتجاه واحد، ولا أن رسالتي تعليم ينزل من أعلى لمن هم أدنى، نحن سواسية.. لا أحد أقل من أن يفيد ولا أحد أكبر من أن يستفيد.
سأتوقف عن التغيير عندما أصل إلى الكمال! وهيهات..
اللهم إلا كمال واهم متكبر مغرور بعلم أو بدين أو بدنيا يرى ألا مزيد على ما لديه، ويغفل حينها عن طلب المزيد (لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ )(الفتح: من الآية4)، (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً)(طـه: من الآية114).
أتغيَّر؛‏ لأنني أُمثِّل نفسي فحسب، لا أُمثِّل المنهج ولا الشريعة ولا الأتباع، والتزامي بمرجعية عليا يلزمني باستعداد أفضل للتغيير وتحقيق السمو..
أتغيَّر؛‏ لأنني لا أتعصَّب ولا أُقلد نفسي، فأنا لم أبدأ كاملاً وسأظل ناقصاً، وربما جزمت بصوابية موقف ثم كبرت وأدركت خطئي واستجمعت شجاعتي للتصحيح.
أتغيَّر؛‏ لأنني عبد للأحد العظيم الذي قدَّر التغير وأقسمَ بالشفق.. والليل وما وسق.. والقمر إذا اتسق.. لتركبن طبقاً عن طبق، أي: حالاً بعد حال! واختص ذاته العليَّة بالكمال الذي لا يطرأ عليه نقص ولا يعتريه تغيير.
(يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (الرحمن:29).
أتغيَّر؛‏ لأنني تابع لذلك النبي الذي يحلف على يمين ثم يرى غيرها خيراً منها فيُكفِّر عن يمينه ويأتي الذي هو خير!
أتغيَّر؛‏ لأني أجد القِبلة تغيَّرت من القدس لمكة، والدار تغيَّرت، والعلاقة تغيَّرت، والأحكام (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً)(الممتحنة: من الآية7)، (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)(البقرة: من الآية106).

مكة غير المدينة
عصر النبوة غير عصر الخلفاء الراشدين، شافعي مصر غير شافعي العراق، والأمر في الشريعة قبل النهي، والترغيب قبل الترهيب والرحمة قبل الشدة، والوعد قبل الوعيد.
أتغيَّر؛‏ لأن التغيُّر هو البشرية التي تقرر لأفرادها الحدوث والضعف والتنقل (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً)(الروم: من الآية54).
أتغيَّر؛‏ لأن الاجتهاد من أهم الثوابت وهو مصدر المتغيرات في التراث الفقهي العريق وفي مستجدات الأقضية لدى الفقهاء العظام.
إذا كان ما حولك يتغير وأنت جامد جمود (أبو الهول) فسوف تفيق يوماً وأنت وحيد مفرد.
أتغيَّر؛ لأنني بحاجة إلى هداية متجددة في كل وقت حسب التحوّلات والأمور الطارئة، ولذا أظل مبتهلاً في قيامي بين يديه طالباً الهداية إلى صراطه المستقيم.
أتغيَّر؛ فالتغيير هو التعلُّم الذي يساعد على مواكبة الجديد والتكيُّف مع المفيد، واقتباس النافع وتجاوز الضار.
أتغيَّر؛ لأن التغيير هو الانتقال من التبعيَّة والتقليد إلى الاستقلال والاجتهاد، ولو في مسائل أو مواقف جزئية، فلقد اعتدت أن أتفحَّص آرائي الشخصية وأراجعها غير قلق من خصوم.. أو أتباع.. فسيظل هؤلاء وهؤلاء مرافقين لي كظلي، وسأظل احتفظ منهم بعدد كافٍ.. قد يفوق احتياجي!
أتغيَّر؛ لأنني أرغب أن أراقب نفسي أكثر من أن أراقب الآخرين، وأتعرَّف على عيوبي قبل أن ألحظ عيوبهم، وأحاسب نفسي قبل أن أحاسبهم.
تجارب الحياة بخيرها وشرها وحلوها ومرها..
نقلتني من الضيق إلى السّعة، ومن الانكفاء إلى الحياة.
نقلتني لرؤية الوجوه الناصعة، حيث وجدت أن الكفوف الممدودة لها حق المصافحة.
الدين الرباني هو الأصل الثابت، وممارستي وآرائي هي الفرع الظاهر في السماء.. تُحرِّكه الريح يميناً وشمالاً ولكنها لا تقطع صلته بذلك الأصل الأصيل والركن الركين، فالرأي البشري متجدد، والذي كان يقول: « يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ »، كان يدعو « اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ ».
كلما لحقني عثار الطريق سارعت إلى التدارك والاستغفار؛ مستعيناً بالله مردداً (حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، (لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ).
أعتز بأن أعظم ثوابتي ومقدساتي إيماني العظيم الراسخ بالله اللطيف الخبير الحفيظ، وأنني أستمد من ذكره قوتي، ومن شكره طاقتي، ومن تسبيحه عزائي، وأنني ألقى همومي بين يديه وأناجيه وقد استقر في أعماق قلبي الإحساس بأنه يسمعني ويراني، ويعلم سري وجهري وقصدي وخطئي وعمدي، وأن أعظم الزلفى إليه أن أتعاهد موضع نظره.. فلا أسمح لخاطرة سوء أو غش أو حقد أن تستقر في قلبي، وأن أتعاهد لساني المعبر عن مكنون ضميري فلا أسمح له أن يطيح بمسلم، أو يهدم بناءً بناه الرب تعالى، أو يشمت أو يقول ما لا يرضي..
أتغيَّر؛ وأنا أعلم أن الله يحول بين المرء وبين قلبه، وأن إليه المآب والمصير، وعليه التكلان وإليه المشتكى، وهو المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم  


جدة     الاثنين - الساعة 11 مساءً
23/06/1433هـ