هولاند " الاحتياطي " يهزم اليمين ويطيح بساركوزي!

كتب بواسطة: علاء البشبيشي | في متابعات . بتاريخ : Jun 12 2012 | العدد :92 | عدد المشاهدات : 2819

هولاند " الاحتياطي " يهزم اليمين ويطيح بساركوزي!

نسخة للطباعة
متهمٌ بالميل إلى الهرب من الصراعات، وافتقاره ليس فقط إلى التجربة بل أيضًا إلى كثير من الكاريزما، بالإضافة إلى صفة الـ"رخو" التي ظلت تلاحقه لفترة طويلة من حياته.. لم يتولَّ أي منصبٍ وزاري طيلة 30 عامًا قضاها في عالم السياسة، وهو لا يعرف كثيرًا من قادة العالم بشكل شخصي، وكان حتى وقت قريب معروفًا في الخارج بأنه صديق "رويال".
هو (احتياطي) الاشتراكيين، الذي دعموه بعد الإطاحة بدومينيك شتراوس، الذي كان يحظى بتأييد 41% من حاملي بطاقات حزبه، وكان يتمتع بشعبية جعلت كثيرين يقولون إنه الوحيد القادر على الإطاحة بساركوزي.
أُلصِق به من النقائص ما يكفي لاغتيال (سوبرمان) معنويًا، لكنه استطاع برغم ذلك القضاء- عبر صناديق الاقتراع- على سيطرة اليمين على فرنسا طيلة 17 عامًا، وإخراج نيكولا ساركوزي- صاحب شعار (فرنسا القوية)- من الإليزيه.
من المفيد في هذا السياق توضيح أن صفة المرشح (الاحتياطي) التي استبدل بها البعض وصف (استبن) في مصر، هي مؤشر على قوة المؤسسية، وعمق العمل الجماعي، والالتفاف حول المشروع/البرنامج؛ لأنه هو محل التنفيذ بعد الفوز في الانتخابات، وليس الشخص، ولو كان (رامبو)، حتى لا يكون ذلك بابًا واسعًا لصناعة الطغاة.. الشعوب التي تعرف المعنى الحقيقي للديمقراطية تدرك هذا جيدًا، ويمارسونه عمليا.
نقطة التحوُّل في حياة ابن الـ 57 عامًا، رافقت قراره بتغيير شخصيته، وحتى شكله؛ فخضع لحمية غذائيّة صارمة، وارتدى مظهرًا جديدًا، وتبنى خطابًا أكثر قوة، وبدأ عمليًا في تطبيق مقولته الشهيرة (يجب في وقت ما إيجاد الأفكار، وتجسيد التغيير)؛ فترأس اللجنة الداعمة لفرانسوا ميتران في حملته الانتخابيّة سنة 1974، وأصبح عضوًا في الحزب الاشتراكي 1979، والسكرتير الأول للحزب من 1997 إلى 2008، ونائبًا في البرلمان عن منطقة الكوريز من 1988 حتى 1993 ثم من 2007 حتى اليوم، ورئيسًا لبلدية تول من 2001 حتى 2008، وقاد الحزب الاشتراكي الفرنسي من 1997 إلى 2008.
تبلورت شعبيته في التاسع من أكتوبر عبر الانتخابات التمهيدية للحزب الاشتراكي عندما حصل على المرتبة الأولى بنحو 39% من الأصوات، متقدمًا بذلك على مارتين أوبري وأرنو مونتيبورغ، وانتُخِب في الدورة الثانية من الانتخابات التمهيديّة للحزب الاشتراكي في 16 أكتوبر بشكلٍ رسمي، وبأغلبية واضحة كمرشح عن حزبه للانتخابات الرئاسيّة بدعم 56% من الأصوات.
أصبح ظاهرة عالميةً مثيرةً للفضول عندما جرؤ على تحدي ما وصفها بوصفة "التقشف اللانهائي" التي تقودها برلين. وأنفق أكثر من عامٍ في حملته الانتخابيّة يبني صورته كرجل دولة، ويُحَسِّن من برنامجه الخاص بالضرائب والإنفاق، ويعدُ بالتخلص من الأسلوب الذي ضمن لخلفه ساركوزي لقب "الرئيس المزركش".
أثار دهشة كثيرين خلال مناظرة تلفزيونية استمرّت نحو ثلاث ساعات، الأسبوع الماضي، حيث بدا رابط الجأش، ومتوازنًا أمام ساركوزي المحاور المدهش المعروف بقدرته على الإطاحة بخصومه في المناظرات.. وكانت هذه الضربة قبل القاضية لساركوزي الذي كان بريقه قد اقترب من الأفول.
درسان مهمان من هذا التحوٌّل؛
أولاهما، لليائسين، اقتباسًا من رحلة صعود هولاند: المستحيل قد يصبح ممكنًا،
وثانيهما، لسياسيي بلاد العرب، اقتباسًا من انتقال السلطة سلميًا في فرنسا، بدون دماء، خلال ساعة واحدة من ظهور النتيجة: الديمقراطية لا تُجزَّأ!
على أمل ألا تنتهي فترة ولاية هولاند بمستوى الشعبيّة التي انتهى إليها نظيره الأمريكي، أو يكتشف العالم -متأخرًا- أنه لا فارق كبيرًا بينه وبين ساركوزي، حُقَّ للفرنسيين، بعد تجربة الأمريكيين مع أوباما خلفًا لبوش، أن يرقبوا بحذر: هل يفي الـ"رجل عادي" بوعوده لناخبيه، أن يظل واحدًا منهم؛ يركب القطار، ويقوم بالتسوق لأسرته، على الأقل "إذا كان المبرد خاويًا"، أم يكون توقفه عن الذهاب إلى عمله بدراجته النارية الصغيرة أولى خطواتِ التراجع؟!
هذا الصعود يطول أيضًا شريكة حياته فاليري تريرفيلر (47 عاما) التي انتقلت من مقعد الـ"متفرجة ناشطة"، إلى عرش (سيدة فرنسا الأولى)، وهي المنحدرة من عائلة متواضعة- تعلن فخرها بها- والمولودة لأم تعمل في محطة تزلج في مدينة إنجييه الفرنسيّة، ولأبٍ توفي وهي في العشرين من عمرها.
يُقَال إنها تقف وراء المظهر الجديد لهولاند، الذي فقد عشرة كيلوجرامات من وزنه، قبل بداية الحملة، وبدا أكثر ثقةً في نفسه وتمكنا من الخطاب. ورغم عملها أثناء الحملة على تعزيز موقعه عبر المقابلات الصحافية وشبكات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى التجمعات الانتخابيّة، وحرصها خلال اجتماعاته "على أن يكون معطفه قريبًا منه" ومحاولتها أحيانًا أن تسرق البعض من وقته "للتجول في الغابة معًا"، نفت أن يكون لها دور أو تأثير في حملته الانتخابيّة، وأن المرشح "كان يصغي إليها، لكنه لا يعمل إلا ما يراه صائبًا"، حتى مكتبها الخاص في المقر العام لحملة هولاند، كانت نادرًا ما تستعمله.
هي مطلقة، وأم لثلاثة أطفال، أعلنت عدم تخليها عن عملها بعد فوز هولاند؛ وقالت: إنني "في حاجة إلى كسب قوتي لأربي أطفالي الثلاثة، فأنا لستُ مختلفة عن باقي الفرنسيين، وليس لفرانسوا ولا للدولة التكفل بمصاريف أطفالي". لكنها، على أي حال، لم تعد الصحفيّة الأنيقة التي تعمل في "باري ماتش" وكانت تقدم برنامجا سياسيًا على قناة "ديريكت 8"، بل سيدة فرنسا الأولى التي لم تتزوّج هولاند حتى الآن، وهو ما يمكن أن يسبب له إزعاجًا بسيطًا عندما يتعلق الأمر بزيارات الدولة