نعم أتغيَّر! (١/...)

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في طفولة قلب . بتاريخ : Jun 12 2012 | العدد :91 | عدد المشاهدات : 2561

 نعم أتغيَّر! (١/...)

نسخة للطباعة
حين أنطلق من منصتي الأولى نحو التأثير على الآخرين سأكون تلميذاً يختبر معلوماته التي تلقَّنها في البيت، والحلقة، والمدرسة، والمحضن الحركي أو التربوي، وهي تحوي الكثير من الأساسيات الجوهرية التي لا أبغي عنها حِوَلاً!
تحوي الجذور الراسخة؛ التي تربط الشجرة بتربتها وترسِّخ انتماءها؛ كأركان الإيمان والإسلام، ومبادئ الأخلاق، وأصول الأحكام.
وضمنها الإجماعات المعتبرة الثابتة؛ التي تحمي سياج الشريعة المحكمة، وتوفر على السالكين عناء إنتاج البحث من جديد في مسائل لا حاجة تدعو إلى النظر فيها.
 ومن وراء هذا القدر الثابت تقع دائرة الفروع التي جرى الخُلف فيها والتنازع حولها عبر القرون، ابتداءً من الصدر الأول وعهود السلف ثم الأئمة وأتباعهم.
 وفي كل مجتمع تتوفر مقررات خاصة يتداولها الناس، ويأخذونها غالباً مأخذ التسليم.
وهذه تشمل خيارات فقهية من المذهب السائد وهو المذهب الحنبلي.
وخيارات أخص من الكتب المتداولة، وخاصة زاد المستقنع وشروحه، وهذه وتلك يتم فهمها وتطبيقها ضمن نظام البيئة المحلية؛ التي لا تنفك عن المؤثِّر البشري، وتختلف بين مجتمع وآخر.
وثمَّ نمط ثالث من الخيارات الفقهية التي تقبَّلها الناس كجزء من الثقافة الشرعية؛ لأنها اختيارات الإمام ابن تيمية وابن القيم، وعادة ما يختم الباحث تطوافه بين الأقوال بترجيح رأي الشيخين.
وهنا لا يتم التدقيق إن كان القول موافقاً للجمهور أو غريباً، ففي كل الأحوال هو دليل على عظمة هؤلاء الأئمة وعمق اختيارهم، وعند التأمُّل يظهر رجحان أقوالهم من مجموع الأدلة ولو خالف المشهور والسائد التاريخي!
وإذا تعزَّز هذا القول بترجيح الشيوخ الأجلاء؛ كابن باز، وابن عثيمين.. لم يكد يجرؤ أحد على خلافه علانية.
ومن هذا الباب سادت أقوال قَصْر الصلاة للمسافر وإن طال سفره؛ خلافاً لقول الأئمة الأربعة، ومثله الفطر في رمضان، ومسألة وقوع الطلاق الثلاث واحدة إذا كان بلفظ واحد، أو في مجلس واحد، وعدم طلاق الحائض، وعدم جريان الربا في الذهب المصنوع كحلي؛ خلافاً لمشهور الأئمة الأربعة.
ومن الطريف أن ابن تيمية -رحمه الله- سئل عن هذه المسالة في فترة مبكرة من حياته، فأفتى بالتحريم ووجوب رد السلعة إن كانت قائمة، وحكاه اتفاقاً لأهل العلم، ثم رجع عن ذلك وقرر الجواز بنَفَسٍ طويل فيما يقارب مائة وخمسين صفحة في كتابه (تفسير آيات أشكلت)، ونقض قوله الأول، ووافقه ابن القيم في (إعلام الموقعين عن رب العالمين)،
وفي رسالته عن الأسماء الشرعية عدل عن أقواله السابقة التي قررها في شرح العمدة، وبعض فتاويه، وكتبه المتقدمة في مسائل يطول سردها، بما يصح معه أن نقول إن ابن تيمية انتقل من منهج اتباع المذهب إلى منهج اتباع ما يعضده الدليل النقلي والعقلي حسب اجتهاده، واقتضى هذا أن يتجاوز أقواله السابقة دون حرج، ولم تكن تلك الأقوال القديمة التي هجرها مما قاله من قِبَل نفسه بل هي آراء فقهية قال بها أئمة، وربما اعتذر لهم ابن تيمية.
كما أن غالب أقواله الجديدة كانت نتيجة اطلاع على كتب ومذاهب وآراء خارج مألوف المدرسة التي تربَّى فيها، إذ من الواضح أنه انتقل إلى قراءة فقه الصحابة والتابعين والسلف، ودرس مدونات واسعة؛ كمصنف عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وسنن سعيد بن منصور، واعتنى بـ(المحلى) لابن حزم، ونقده في مسائل، واقتبس منه كثيراً في مسائل عظيمة.
ومن الواضح أن الفترة العمرية التي وصل إليها ذات تأثير، كما أن الاتصال بالناس، وتلمس حاجاتهم ومشكلاتهم، ومعرفة أوضاعهم الاجتماعية، وظروفهم الشخصية.. طبعت شخصية ابن تيمية بطابع أقرب إلى الواقعية، وإدراك مبدأ المصلحة الشرعية، ومبدأ العدل على ضوء متغيرات الأحوال ومستجداتها.
كان ابن تيمية أكثر موضوعية من ابن حزم، ولذا يغلب عليه عرض الأقوال وأدلتها والتخيُّر منها، وطالما رجَّح قولاً لأبي حنيفة في المعاملات، أو لمالك في الطهارات، أو للشافعي.. مع حفظ مقامات الأئمة وبيان مأخذهم في الاستدلال.
ابن حزم فقيه أصيل، ومجتهد جليل، لكنه شديد الحمل على خصومه، وقلَّما يعتذر لهم، وهو شديد التمسك بقوله ولو كان غريباً أو شاذاً.
ولا يُعرف لابن حزم أقوال تخالف ما قرره في (المحلى) بشكل حاسم، كما حدث لابن تيمية، ولكن لا أحد يَعُدّ هذه منقبة لابن حزم.
 ولا مناص من الإشارة إلى أن أئمة كباراً من المدرسة ذاتها، بل من تلاميذ ابن تيمية وخاصته، لم يواصلوا معه المسير إلى النهاية، واستوحشوا من آرائه، ولم تعجبهم جرأته على انتحال الأقوال وترجيحها وإشاعتها، ومن أشهرهم الإمام ابن رجب الحنبلي المُحدِّث الأصولي الفقيه؛ الذي ثبت عنه رجوعه عن الإفتاء بأقوال ابن تيمية، كما ذكر الحافظ ابن حجر في (إنباء الغمر بأبناء العمر)،
وبسبب ذلك جفاه بعض تلاميذ ابن تيمية ومحبيه، وقد رجع ابن رجب إلى اعتماد المذهب، وصنَّف رسالة مطبوعة في تحريم الخروج عن المذاهب الأربعة، ورسالة أخرى في وقوع الطلاق بالثلاث؛ خلافاً لرأي ابن تيمية.
كما نسب بعضهم للذهبي رسالة في (بيان زغل العلم) شنَّع فيها على ابن تيمية ولامه، ويُشكك بعض الباحثين في صحتها، وإذا صحَّت فهي -والله أعلم- حالة عابرة وجد فيها الذهبي على الشيخ بسبب موقف أو وشاية أو أمر عارض؛ لأن الذهبي أثنى على الشيخ بعد ذلك، ورثاه بعد موته.
عشت البارحة ساعات متنقلاً بين مواقع تنتمي للشيخ ابن تيمية، وأخرى تنتمي لخصومه، ودار رأسي من أوار معارك تتجدد بعد مئات السنين، ولغة يغلب عليها التعصُّب والإقصاء وسوء الظن، وأدركت جيداً معنى أن الأخلاق تبين عند الاختلاف.
أحسست أن الهدوء ونشدان الحق والحياد هي مما يظن الكثيرون أنه ديدنهم، وأن خصومهم على الضد من ذلك، وهي قصة سهلة لمتعصب جاهل يرمي خصمه بالنقائص ، ويلتمس لنفسه المعاذير.
راقتني كلمة نقلها ابن رجب عن ابن تيمية أنه حين سجن في القلعة في آخر حياته ندم!
(ندمت على تضييع أوقاتي في غير معاني القرآن) ذيل طبقات الحنابلة (٢/٤٠٢).
هذه المرحلة الأخيرة في تجربته وحياته  وهي خلاصة جهاد طويل، وأنا أتعمَّد أن أُسميها "تجربة"؛ لأنها كانت فعلاً بشرياً يستلهم الوحي، ويخلص في فهمه واتباعه، ويجدد أدواته وآراءه ومواقفه كلما عبر قسطاً من حياته؛ لأنه لم يعتقد لنفسه الكمال يوماً، ولا ظنَّ العصمة لرأيه، ولأنه لازال حيَّاً تتسع معارفه وتتراكم خبراته، ولأنه مخلص للحقيقة ينشدها ويتحراها ويقدمها على معتاده ومألوفه.
يُروى عن أرسطو أنه قال: "أستاذي أفلاطون عزيز عليَّ، ولكن الحق أعز"!
ويُروى عن الذهبي أنه قال: "شيخ الإسلام عزيز والحق أعز"!
ولعل هذا مما تلقَّاه الذهبي من مشكاة ابن تيمية؛ الذي كان لا يكفّ عن التعديل المستمر لنموذجه، حتى انتهى به المطاف إلى(الندم) على (ضياع) وقته في غير معاني القرآن.
تعديل طفيف يجريه ابن تيمية أو انتقال جزئي يُحدث فرقاً، وآخرون ينتقلون من طرف إلى طرف، أو يختفون في الزحام، ولا أحد يسأل عنهم!
والحديث موصول  



بريدة
27/5/1433هـ