أفكار .. لا صور!

كتب بواسطة: فهد الطاسان | في رأي . بتاريخ : Jun 12 2012 | العدد :91 | عدد المشاهدات : 3060

أفكار .. لا صور!

نسخة للطباعة
ما يُصيبنا في مقتل، أنّنا نقف في كثير من الأحيان عند عتبة التوجّه، ومن الممكن جدًا اختصار نتاجٍ ثقافيّ لشخصٍ ما، ورحلة عُمًريّة -فكريّة- ثقافيّة، بصفةٍ واحدة/اتّهام واحد: ليبراليّ، متشدّد، متطرّف، ملحد، زنديق ..الخ.
وليس ثمّة مشكلة في وصفه بقلّة علمه، أو بخطأ منهجه العلميّ، أو انحيازه؛ فمن الطّبيعيّ في الأمور الفكريّة وصف شخصٍ بهذا، بعد تقصٍّ استقرائيّ عامّ لإنتاجه. إشكاليّة الاختزال في الوصف/الاتّهام أنّنا سنقف عند التّهمة ونحاول تفنيدها.
والمدّعى عليه –لطبيعته الإنسانيّة- ستُصيبه حرقة ليدافع عن نفسه، أو في أحيان سيتّجه إلى عدم الردّ من باب التّسفيه والاستصغار. في خلال هذا الصّراع، ننسى الأصل الذي ما نسيناه إلاّ لأنّنا لم نتّجه إلى "الفكرة" منذ البدء، واتّجهنا إلى "الشّخص"، عقيدته، اقتناعاته، وليت القصد كان هو نقاشه، بقدر ما هو اتّهامه.
في المجزرة التي تمرّ بها سوريا اليوم، يقف أئمّة المساجد يدعون في كلّ صلاة للمُستضعفَين فيها، مع العلم بأنّ هؤلاء "المستضعفَين" فيهم من غير المسلمين، ولا الصّالحين ولا من أهل السّنة. هذا مثالٌ للقول بأنّ الاستضعاف هو حالة إنسانيّة عامّة ويُحرَّم فيها الاجتزاء والتّفرقة، بل إنّ الكلّ يُؤخذون جماعةً أو يُتركون جماعة؛ فأنت لن تدعو لانتصار المسلمين دون بقيّة المُستضعفين، وإلاّ كنتَ بذا مُخالِفًا للدّين ابتداءً، وللإنسانيّة انتهاءً.
هذا النّموذج لنقول إنّ الإسلام يتعامل مع الفكرة العامّة، وأمّا التّفصيلات فمن الطّبيعيّ التّماهي فيها، ويبقى التّعامل معها على الأصل: "إنّما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق".
وإن كان هذا المبدأ في حال الشدّة، فما المانع ألاّ تكون هكذا في حال الرّخاء وفي كلّ أوقاتك: إنسانًا متمسّكًا بدينك اقتداءً وفِعلاً!؟.. كلّ إنسان يملك جوابه.
"العقول الكبيرة تناقش الأفكار. العقول المتوسّطة تناقش الآراء. العقول الصّغيرة تناقش الأشخاص"، المثل السّابق لا يهمّني أبدًا من قاله، أليبراليّ هو أم إسلاميّ، مسلم أم كافر، مبتدع أم سلفيّ .. لا يهم إلاّ أن تكون الفكرة صحيحة أم خاطئة، أنستطيع تطبيقها في مجتمعنا أم لا.  
وبالمناسبة ففكرة المثل صحيحة، أثبتتها الأيّام والتّجارب، ولم يُثبت صحّتها مكانة قائلها. قيل أيضًا: "يُعرَف الرجال بالحقّ، ولا يُعرَف الحقّ بالرّجال"، في إشارة إلى أنّ الحكمة إنسانيّة الاعتبار أينما وُجِدت أُخِذت: "الحكمة ضالّة المؤمن، أينما وجدها أخذها"، والقرآن الكريم يجذّر هذا المفهموم بقصّة "الخضر" فلم يكشف لنا "اسمه" وتفاصيل عنه، مع تبيين "علمه" وفضله على موسى –عليه السلام-. واليوم في الأغلب أصبح الشّعار: قلْ لي من أنت.. أقلْ لكَ صوابٌ ما قلتَ أم خطأ!
الحكمة لا تتّبع فكرًا، عقيدةً، ولا دينًا. الحقيقة هي دينُ الفِكر ومُعتقده الوحيد، يشترك فيها كلّ العالمين. يحضر هنا وجوب الإشارة إلى آية كريمة تمثّل نموذجًا للكونيّة الإنسانيّة المعتبرة في الشّرع: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)، ولا يستقيم أن يكون التّعارف بلا حديث، والحديث قد يؤدّي إلى الاستئناس، وهو ما يؤدّي إلى الكلام وتبادل الأفكار. في ذات الوقت وبالتّوازي يعلّمنا الدّين مبدأ "الولاء والبراء" ليس فقط من الكفّار بالإسلام، بل حتّى مع العصاة من المسلمين، فيُعلّمنا الحبّ والبغض في الله على قدر "الفعل"، لا على صورة "الشّخص". فأنت تحبّ الشّخص على ما فيه من الخير، وتكره فعله للشرّ؛ لأنّك تريد له الخير كما لنفسك، لمحبّتكَ له كإنسان: تتولّى إنسانيّته، وتتبرّأ من خطئه.
العقليّة العربيّة، ولتراكمات تاريخيّة- سياسسيّة، اتّجهت إلى "الأُحادية السّببيّة" في أغلب أحكامها. والإشكاليّة هنا أنّ هذا العيب الكبير اتّجه من عالم الفكر إلى عالم الأشخاص، وأصبح –مثلاً- "الجرح والتّعديل" يُمارَس على الأشخاص في التّعاملات اليوميّة، في خروجٍ من مكانه المُفترض كعلم، إلى ما لا يتحمّله طبيعةً، أو عقلاً، ولا حتى شرعًا !. وأصبح الفرد العربيّ لا يمكنه استيعاب أنّ الإنسان فيه خير وشرّ، وأنّه روح وطين. قد يصعد ويرتفع، وقد يسفُل وينخفض.
"التّنوّع" يخلق الهدوء في النّظر، وعدم استعجال الحُكم. هذا ما أدّى بالأمّة الإسلاميّة في وقت من الأوقات إلى أن يحتكمَ إلى قُضاةِ المسلمين "يهود"؛ لأنّهم عَرَفوا من التّعامل اليوميّ أنّهم أمام أناس لا يحكمون بجهةٍ واحدة، بل سيستوعبون الاختلافات ويقدّمون القيمة: العدل. بغضّ النّظر عن الشّخص الذي أمامهم، فهم يتعاملون مع الفكرة.
لا يغيب عن مُريد الحقّ أمثلة لعلماء أعلامٌ في علمهم، بعضهم ظُلِموا من قِبَل علماء آخرين، فقط لأنّهم أرادوا وجاهةً دنيويّة-اجتماعيّة، بل إنّ بعضهم أقام علاقاتٍ مع العدوّ من أجل الحظوة الدّنيويّة. وبعضهم كانوا أصحاب ابتداع، وبعضهم عُرف عنه صوفيّته، وبعضهم من كان قاسيًّا شديدًا مكروهًا. كلّ هذا "النّقص" لم يكن محرّضًا لمجرّد التّفكير في إنهاء علمهم، وتسفيه مقامهم، بل وجّهنا إلى التّبرير والتماسِ الأعذار، وتخريج تصرّفاتهم مخارج قد لا تحتملها أفعالهم، احترامًا لفضلهم في العلم. ومفترض أن نكون نحن -ولتراكمات الأفعال- مثلهم، ونقتدي بفعلهم، لا أن نستعدي المخطئ، نخوّنه، ونجهّله. كأنّنا نقفز إلى نتيجة: الجزء المصاب لابدّ من استئصاله. ماذا عن محاولة علاجه أولاً؟! وللّذين يؤمنون بأنّ العلاج لم ينفع، سأقول: جرّبوا علاجًا آخر، فايروس "الانفلونزا" لم يُنتَج له علاج فعّال؛ لأنّه يغيّر شكله باستمرار، والحقيقة الباقية: الفايروس لم يختفِ ولا العلماء توقّفوا عن المحاولة!
       في محصّلة ذلك كلّه يكون من الظّلم المُجحف الاعتذار لبعضهم والتّبرير لأخطائه، كما أنّه من المجحف إثبات الخطأ ورفض الصّواب. يُعلّمنا ديننا أنّ رسولنا –صلوات ربي عليه- لم يقبل من الصّحابة أن يسُبّوا "الزّانية"؛ لأنّها تابت وأصلحت، هذا وهم يرجمونها، يعلّمنا أيضًا أنّ ثمّة امرأة زانية من "بني إسرائيل" دخلت الجنّة في كلب، وأخرى "مسلمة" من أمتنا دخلت النار في هرّة: في إشارة إلى الطّبيعة الإنسانيّة في الأفعال، وأنّها قد تتناقض في ذاتِ الشّخص.
في (تويتر) اليوم آلاف من الغرباء يتعاملون مع أفكار آلاف غيرهم. يقرؤون أفكارًا مُختزلة لا تُشكّل تفصيلاً عامًا لواضعيها. يضطرّ الإنسان حينها على التّعامل مع الفكرة مجرّدة. ما يُعكّر صفو هذا، أن يكون الشّخص "معروفًا"، أو تكلّم في معروفٍ. حينها، بغضّ النّظر عن مدى روعة الفكرة، صوابها أو خطئها، سيكون الحديث مُختلفًا، سيغيب العدل، يرتفع الأدب، ويُصلب في (هاشتاق). أفكّر في حلاوة أن نتعامل مع الآخرين كأنّنا نراهم للمرّة الأولى. نتعرّف عليهم، ونكتشفهم، من دون حكم. من دون الشّعور بأنّ أحدًا ما، بغضّ النّظر عن مكانته، لا يستحقّ الولاء الكامل، والقداسة: "كُلٌّ يُؤخذ منه ويُردّ إلاّ صاحب هذا القبر". أدعو إلى تعميم "ثقافة المقاهي": ترحل الأكواب/الشّخوص، وتظلّ ذكرى اللّقاء، والأفكار