عندما يتحدث القلب

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في القارئ يكتب . بتاريخ : Feb 1 2011 | العدد :76 | عدد المشاهدات : 1926

عندما يتحدث القلب

نسخة للطباعة
قـادته قدماه إلـى ذلـك المكان في ناصة الشارع، وأخذ يعبث بمفـاتيح سيارة كـانـت موجودة معه، ينتظر رجوع الفتاة التي أحس في هذه المرة أنه متعلـق بها بعد غيـاب طال مـدة العطلة الصيفية؛ فهـي لا تخرج إلاّ إلـى المدرسة لتعود إلى البيت بعد انتهاء اليوم الدراسـي، ولا تخـرج إلاّ في صباح اليوم التالي. 
تحسـس سـاعة يده ذات اللون الذهبي بقلق، ونظر إليها متظـاهـرًا بمعـرفة الوقت في حيـن أنه كان يعلم جيدًا أن هذا الوقت هو موعد خروج الطالبات من المدارس حيث كـانت الساعـة الواحـدة والربع تقريبا وهذا هـو مـوعد رجوع الفتاة التي تعرّف عليها في السنة الماضية، عندمـا كـانت هـي في السنة الثانية، وهو فـي السنة النهائية، وكـان يرتدي بـدلة الشغل العسكـرية، ولكنه في هذه المرة يرتدي بـدلة زرقاء على قميص وربطة عنق من نفس اللون زادتـه جمـالاً ساحرًا مع بشرته البيضاء، وشعـره المهفهف على جبينه، ونقطة الخال التي ركزت علـى خـده كنقطـة عنبر، في صحن مرمر. 
أحس أن الوقت يرم بطيئاً؛ فقد كان يرغب في رؤية الفتاة التي شغلت فكره، وجعلته يخرج من عمله، وينتظرها في أحد الشوارع ليراها من بعيد؛ فهو لا يستطيع أن يكلمها أو أن يتحدث إليها؛ لأنه لم يسبق له أن مر قريباً منها؛ حتى ولو مرة واحدة؛ فقد كان يخجل من نفسه أن يعاكس فتاة في الشارع خاصة إذا كانت مثلها وهي محترمة لا تلتفت يميناً أو شمالاً.
ولم يطل انتظاره؛ فقد ظهر من بعيد شبح خيـالها يتـراءى، وأحس بقلبه يخفق بشدة، وشعر بالدم يصعد إلـى وجهه خجلاً حتـى خيل إليه أن مسام خـدّيه ستنفجر بالدم، وتصبّب العرق من جبينه حتـى خاف على ملابسه من تلك القطرات التـي لو سقطت لاتّسخ القميص ومعـه السترة  رغم أن الجو كان لطيفا، وليس كما شعـر به تلك اللحظـة  ولو مسـح العرق؛ فقـد يـراه أحـد ويظـن أنـه يبكي!
وعبثا حـاول السيطرة على أعصابه فلم يفلح، في الوقت الـذي كانت تقترب منه دون أن تعره انتباها؛ لأنها لم تعـرفه، فلم تكن تعتقد أنـه هـو ذلك الشخـص الذي طـالما قـابلته في السنة المـاضية، ودخلـت أول زقاق، لكنها ما أن غـابت عنه حتى شعرت أن قلبها خفق لذلـك الشاب الـذي رأته واقفا في ناصية الشارع، فحـاولت الرجوع، وتظـاهرت أنها تذكرت شيئا نسيتـه، ويجب أن تمرّ إلى آخر الشارع لتصل إلى محل لبيع الهـدايا والعطور لتأخـذ شيئا ما، ونظـرت إليـه فعرفته فابتسمت له، وأكملت طريقها، في الـوقت الذي أحس هو أنه سيُغمى عليه من الفرحة فقد عرفته وإن هذه الابتسـامة دليل علـى ذلك، وشعر بأن سعـادته اكتملت، وأن الفرصة واتته، ولـم يبق إلاّ أن يكلمها ليتعرف إليها أكثـر، ولكن هل يجد الشجاعة لـذلك؟!
 لا أحد يستطيـع الإجابة عن هذا السـؤال، حتى هو نفسه. 
وصلت إلى حيث تريد، ورجعت على الرغم من أنها لم تأخذ شيئاً من هناك، وربما سألت عن شيء غير موجود، فقط ليكون لها حجة لو رآها أحد إخوتها، وربما سأل عنها ولكنها عند رجوعها أصرت إن لم يتشجع ويكلمها فسوف تذهب غليه وتخاطبه بتحية القلب، وفجأة وجدت نفسها تتراجع. هي أيضاً لم تستطع مخاطبته، وأحس هو أن شيئاً ما عقد لسانه، وأن رجلاه لا تقويان على حمله ليسير خلفها، و أحست هي أيضاً أن شيئاً ما خارت بسببه قواها، وسلب منها شجاعتها ، حتى تلك الابتسامة غابت من على شفتيها، فهرولت مسرعة إلى زقاق بيتها والتهمتها جدران البيت ورجع هو؛ فقد عرف أنه لن يستطيع مقابلتها مرة ثانية؛ لأنه رأى أحد إخوتها قادماً؛ فخاف عليها أكثر من خوفه على نفسه، وحرم الوقوف في ذلك المكان واعتبرها آخر مرة يرى فيها فتاة أحلامه، وشعر بأن هذا العمل لا يليق به، هو الذي لم يفعل مثل هذه الحركات الصبيانية من قبل، وأن عليه أن يطرق باب البيت إن كان يرغب في الزواج حقاً.


عبد الحكيم شنيشح