أختك «خدامة»!

كتب بواسطة: عبدالرحمن الجوهري | في رأي . بتاريخ : Jun 15 2012 | العدد :91 | عدد المشاهدات : 2543

أختك «خدامة»!

نسخة للطباعة
القضية لم تعد محوراً لمقالة، ولا لبرنامج واجه المناحة أو الصحافة أو واجه أيّ أحد. لا نريد مواجهة المرايا المشطوبة. القضيّة خجل عميم يجب أن يسود وجوهنا في كل مرآة. كل خبر يجيء عن انتحار خادمة، أو هروبها، أو اكتشاف مناطق التعذيب من جسدها، أو التحايل من قبل موسرين ـ قادرين على جلب خادمة ـ لتأخير راتبها، لأن الإجازة السنوية المقررة سلفاً في بلاد هذه الخادمة للأسرة السعيدة العريضة، ستأخذ من ضمن نطاق التقشف وشد الحزام، رواتب تسعة أشهر للخادمة المسكينة، كبدل عفش لطائرات الخطوط السعودية!
مهزلة، بل أمر يصل بالمهزلة إلى مرحلة الجريمة. كم يمكن أن يتذكر الإنسان القارئ هذا السطر الآن، من جريمة يعرفها قرباً وواقعاً، بالنسبة لخادمة. وفي نفس الآن، كم يعرف الإنسان حالة فريدة ونادرة ومثالية للتعامل مع خادمة أيضاً، بالنسبة لأسرة سعودية. ـ أعرف أسرة سعودية تخصص عمرة كل ستة أشهر للخادمة، ونزلات تسوّق خاصة بها، وهاتفاً يتبدل. وملابس تمنح. ولهذا ليس مفاجئا لي أن تكون الخادمة هذه هي الأقدم في البيت بعد الأب والأم بالطبع، والولد الكبير ـ.
المحور الأول: تتابع في قصص الرعب المعلنة تجاه هذه الفئة المستضعفة. تنامي لا أخلاقية جيل، في التعامل معها. من يوقظ الخادمة ليلاً، من نوم مهدود بعد يوم مكدود، لتجلب له ماءً بارداً. ومن يلعنها نهاراً، لأنّ ياقة ثوبه لم تكن منشاة بما فيه الكفاية، بينما الأم العظيمة ـ التي تكون وراء الرجل العظيم ـ، تعيد إدخال اسمها المزور في المنتدى الجديد، لتنزل صور شنطتها الـ «غوتشي» التي شرت نسختها الوحيدة قبل يومين من شارع التحلية والمرارة.
المحور الثاني: لا إعلام يتابع قصصا فائقة الروعة، ومثالية، وبل ومدهشة حد عدم التصديق، لعوائل كريمة، تعرف كيف تجعل من هذه الخادمة المحصورة بالغياب والغربة والبعد عن الذوي والأهل، ضيفاً عزيزاً مكرماً، يعمل ما يعمل بحسّ الحب والواجب الأنيق. ويعرف كيف يكون رسولاً، لخادمات أخرى، لمثل هذه العائلة. وهذا ليس كرماً، ولا منة، ولا فضلاً، قدر ما هو أيضاً حس ديني، يفرضه هذا الدين، ويقدسه، ويقدره. إن ديناً كهذا، لم يمار اثنان فيه أبداً، على قدر ما منحه من أجل رعاية الخادم والعبد والمسكين، والضعيف، والمنقطع. ألم يخصص جزءًا من زكاته التي يحرم أخذها لغير مستحقيها، لابن السبيل والمنقطع الغريب.
انتحار خادمة. القبض على أخرى هاربة. ضرب خادمة حتى الموت. حبس خادمة لمدة 3 أشهر. السفارة الفلانية تستنكر ما يجري لمواطنيها. السفارة الأخرى، تقرر عدم جلب المزيد من الذلة والهوان لبنيها. إنّ هذا مقلق على حساب السمعة التي يجب أن يبتوأها البلد الأكثر مصداقية وسمعة دينية وقربا من مقدسات الله وموروثات هذا الدين. إنه كاف لملء قائمة طويلة لمبغضي هذا البلد، وبعده مبغضي هذا الدين. إنه بائس بؤسين. بؤس أن يقع. وبؤس ما يتبع. إن الإعلام الخارجي، لا بحس المؤامرة، ولا حس حقوق الإنسان، ولا الحيوان حتى، يفتش عن مثل هذه القصص. يلمعها، يهبها بعض التفاصيل القاتلة، ليصور أوطاناً من وحوش، لا شعوب. لهذا: ما الذي يمكن تقديمه كتعهد لازم، لتوقيف المهزلة هذه. إن على حساب الجهة المسؤولة، وإن على حساب التربية الأسريّة. لأن انتحار أربع أو خمس خادمات ضعيفات بسبب سوء التعامل، والإذلال، والقهر، يساوي انتحار مجتمع قوي بكل قيمه، إذا سمح بحدوث مثل هذا، ثم سكت