الثورات المضادة إحباط بعد «الربيع العربي»

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Jun 15 2012 | العدد :90 | عدد المشاهدات : 2211

الثورات المضادة  إحباط بعد «الربيع العربي»

نسخة للطباعة
في الوقت الذي كان يظن فيه كثير من أوساط الرأي العام في العالم العربي أنه بوقوع الثورات العربية فإن إقامة الحكم الرشيد سرعان ما سيسود دول العالم الغربي بعد إنهاء حقب الاستبداد، اكتشف الجميع أن هناك بونا شاسعا بين إقامة الثورات وبين تحقيق أهدافها في إقامة هذا الحكم الرشيد.
هذه الحالة أصابت كثيرا من جمهور الرأي العام بحالة من الإحباط الشديد، خاصة وأنه كان هناك الكثير من الأحلام بشروع أبناء «الربيع العربي» في إقامة دولهم على أسس صحيحة بعدما أعياها الاستبداد.
ويرجع الخبراء وأساتذة علم النفس هذه الحالة النفسية التي أصبح عليها جمهور الرأي العام في بلاد الثورات إلى الثورة المضادة التي تسعى إلى إجهاض «الربيع العربي»، وفق ما هو حاصل حاليا في البلاد التي هبت للقيام بثوراتها، فمصر على سبيل المثال لا تزال تفتقر إلى الأمن والنمو الاقتصادي، علاوة على التجاذبات الحاصلة بين القوى السياسية.
تجاذبات سياسية
أما في تونس، فهناك التجاذبات التي بدأت تنال من الصعود الإسلامي في دوائر الحكم، وارتفاع نبرة العلمانيين والليبراليين تجاه هذا الصعود، وفي ليبيا شأن آخر، يتمثل فيما بات يتم تنفيذه، بإثارة حديث عن الفدرلة وإثارة أزمة برقة، في إطار تقسيم ليبيا إلى دويلات، علاوة على اليمن التي لا تزال تئن من بقايا حكم علي عبد الله صالح.
وعلى الرغم من أن الحالة النفسية التي كانت تصيب الرأي العام قبل الثورات أصبحت أشبه بتلك التي أضحت عليها بعد «الربيع العربي»، فإن هناك من يتوقع حدوث انفراجة في هذه الحالة وحلحلتها، كلما نجحت الثورات العربية في اكتساب خطوات لها على الأرض.
التوق إلى الحرية
وعلى هذا النحو يرى أستاذ الصحة النفسية الدكتور أحمد عكاشة أن المواطن العربي كان يعيش عقودا طويلة من الاستبداد السياسي، والذي تسبب في التأثير سلبا على حالته النفسية، وفور وقوع الثورات العربية كان هناك توق إلى الحرية بعدما حرم منها المواطنون العرب، ولذلك فوجئت بلاد الثورات أنها على وقع حرية بلا حدود، وأصبح ما كان يعجز المواطنون العرب عن ذكره في الغرف المغلقة، أصبحوا يصدعون به في أكبر وأوسع الميادين، غير مبالين بسجن أو تأثير.
ويقول: صار هناك ما يشبه الفوضى في مجال الحرية، وهو ما جعلنا نرى أشكالا عدة من التجاوز، في الوقت الذي لم تترك فيه بقايا الأنظمة السابقة الثورات على حالها، فعملت على إجهاض أي محاولة لمواصلة هذه الثورات في تحقيق أهدافها، وأنه كلما نجحت الثورات في المضي قدما لتحقيق أهدافها على الأرض كلما كانت هناك الفرصة أوسع لتحقيق الطمأنينة في أوساط جمهور الرأي العام، وهذا لن يتحقق إلا من خلال استعادة الأمن وتحقيق النمو الاقتصادي.

ما قبل وبعد الثورات
والواقع، أن الناظر للشأن الاجتماعي في مصر على سبيل المثال قبل وقوع ثورة 25 يناير، يرى عناوين ساخنة، تعكس حالة من التفسخ الاجتماعي بعد انتشار الجريمة داخل الأسرة الواحدة على نطاق واسع، للدرجة التي كان يرى المرء نفسه أصبح معتادا على قراءة أنباء عن ارتكاب جرائم قتل.
مثل هذه النوعيات من الجرائم أصبحت تتسع، ليست في مصر وحدها بفعل انتشار السلاح وفرار الموقوفين، ولكن في اليمن أيضا، نتيجة لانتشار السلاح بها، واعتماد القبائل عليها بطريقة أساسية، فضلا عن ليبيا التي يعد السلاح منتشرا فيها على نطاق واسع، بشكل يفوق غيرها من بلاد الثورات.
من هذه الجرائم، التي تفشت في داخل نسيج المجتمعات العربية، جرائم القتل على نطاق واسع، وهو ما يعكس خطورة ما يصل إليه مرتكب الجريمة، داخل الأسرة الواحدة، أو بين أربابها، أو في محيطها الخارجي، الأمر الذي يكون من نتيجته حالة من التفسخ الاجتماعي الذي صارت إليه الأسر، والمجتمع في آن واحد.
هذه الجرائم أصبحت تحمل معها خطورة الابتعاد عن الالتزام بروح الدين، وعدم اتباع أوامره، فضلا عما تشكله هذه الجرائم من خلخلة في بنية المجتمعات العربية، وتفكيك في نسيج الأسرة الواحدة، وهو ما يتسبب عنه انزواء لثقافة التسامح، وتغييب لروح الحوار، حتى أصبح استخدام العنف الاجتماعي هو السبيل لحل الخلافات.
خبراء علم الاجتماع يرجعون ارتكاب هذه الجرائم إلى ارتفاع الأسعار، والبطالة، وعدم استطاعه رب الأسرة توفير الاحتياجات الأساسية لأبنائه من مأكل وملبس وتعليم، مما قد يؤدي إلى استخدام الآباء وأبنائهم للعنف في التعامل فيما بينهم من ناحية، ومع المجتمع من ناحية أخرى.
وتكشف الدكتورة إيمان شريف قائد، أستاذ علم النفس الجنائي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية، أن انتشار العنف واستمرار الحالة النفسية للمواطن العربي بعد الثورات يرجع إلى أسباب مجتمعية نتيجة وجود من يرغب في إجهاض الثورات، علاوة على حالة الانفلات الأخلاقي، والتي ساهمت في ارتفاع معدل العنف، نتيجة لسقوط هيبة الدولة، وعدم تماسكها، وظهور حالة من رخاوة الدولة على المستوى المؤسساتي، في ظل المراحل الانتقالية التي تعيشها بلاد الثورات.
وترصد الدكتورة إيمان أنواعا لاستخدام العنف الاجتماعي، وأن «كل نوع من أنواعه له سبب، مع اندراج كافه أنواع العنف تحت مظلة المجتمع، وأن أقدم أنواع العنف هو العنف الأسري، فالأسرة هي منبع العنف أو المسبب الرئيسي له، وأول جريمة في التاريخ كانت من داخل الأسرة التي تؤثر على حياة الفرد منذ أن كان جنينا في بطن أمه».
وترى من أسباب الحالة النفسية أيضا الإحباط، فعندما لا يستطيع الفرد تحقيق هدفه فقد يخرج ما بداخله من غضب في صورة عنف في التعامل مع الآخر، بالإضافة إلى ما قد يكون سائدا في المجتمع، الذي يعلم الفرد بأن يأخذ حقه باستخدام العنف، مثل «من ضربك فلتضربه»، وهو ما يتطلب توجيه المجتمع من خلال كافه مؤسساته إلى كيفيه التعامل والتنفيس عن الغضب بطرق صحيحة.
وبالإضافة لما سبق، فإن الأخطر هو الدور الذي تلعبه أجهزة ووسائل الإعلام المختلفة من نشر ثقافة العنف بين جمهور الرأي العام، مما يكون له أبلغ الأثر في ردود فعل سلبية وغير إيجابية، والتي قد تعمل على إثارة حالة من الحنق بين المواطنين، والسعي إلى الثراء السريع ومظاهر الحياة الجذابة التي يمكن بدون تحقيقها أن يسبب هذا التأثير الإعلامي حالة من الإحباط، مما يتطلب في المقابل توعية دينية للتمسك بالقيم والمبادئ والأخلاق العامة، والالتزام بالسياج الأسري والمجتمعي.
الدكتور إبراهيم البيومي غانم، خبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، رصد بالأرقام تطورات تداعيات مشهد العنف الاجتماعي بمصر، على سبيل المثال، قبل الثورات، والذي رأى أنه تعاظم بعد الثورات، في الوقت الذي قلت فيه أسبابه، وأنه بعدما كانت أعمار المنتحرين بعد سن الستين، أصبح المنتحرون حاليا تقف أعمارهم ما بين 30 إلى 35 عاما.
ويقول: إن العنف الاجتماعي مهما كانت أسبابه، إلا أنه لا يمكن السيطرة عليه، عكس العنف السياسي، خاصة وأن الأول موجه ضد الذات، فضلا عن اتساعه أخيرا ليمتد للآخرين.
ومن جانبها، تقول الدكتورة أمل حمادة، مدرس العلوم السياسية بجامعة القاهرة: إن هناك صيغا جديدة للتعبير السياسي للشباب والتي تزايدت بعد الثورة، في الوقت الذي كانت هناك حالة من الإحباط تسود أوساط هؤلاء الشباب قبل الثورات، وبعدها لاحظ الشباب أن أهداف ثوراتهم لم تتحقق بعدهم فأخذتهم هبات الشباب وحمايتهم في استمرار الثورات، وتواصل حالات جديدة من الزخم الثوري لتحقيق أهداف الثورات