أمِنَت إسرائيل العرب.. فأساءت الأدب!

كتب بواسطة: علاء البشبيشي | في متابعات . بتاريخ : Jun 15 2012 | العدد :90 | عدد المشاهدات : 2381

أمِنَت إسرائيل العرب.. فأساءت الأدب!

نسخة للطباعة
"أعلن دعمي الكامل لقرار الحكومة الإسرائيلية بإطلاق الضوء الأخضر لاستهداف قادة الخلايا الإرهابية التي تخطط لشن هجمات إرهابية ضد إسرائيل. يجب أن يفهم هؤلاء الإرهابيون أنهم يتحملون المسئولية. وحتى لو تسبب ذلك في توتر الآن، لكن على المدى البعيد سيكون سببا للردع".
هذا التصريح الذي أطلقه رئيس بلدية بئر السبع، روفيك دانيلوفيتش، تعليقا على سلسلة الغارات الإسرائيلية التي خلفت 17 شهيدًا، وثلاثون جريحًا منذ أول أمس الجمعة، هو تلخيصٌ لـ(قوة الردع)، أحد المبادئ الرئيسية التي بُنِي عليها الفكر الاستراتيجي الصهيوني، والتي هي في الأصل تلبية للدعوة التلملودية، التي تقوم على القتل وسفك الدماء، وهو ما يظهر جليا في قول (جابوتنسكي) القيادي الصهيوني: "تستطيع أن تلغي كل شيء، القبعات والأحزمة والألوان والإفراط في الشرب والأغاني. أما السيف فلا يمكن إلغاؤه. إن التوراة والسيف أنزلا علينا من السماء". وكذا في كتابات "بن جوريون" الذي رأى أن "مملكة داود لا تقوم إلا بالدم، وأن مصير اليهود مرتبط بقوتهم العسكرية"، وأيضًا في كتابات "مناحيم بيجن" الذي كان يؤمن إيمانا شديدا بفوائد العنف والإرهاب من أجل بناء دولة اليهود فيقول: "نحن نحارب، إذن، نحن موجودون"، وليس هناك تطبيق عملي لهذه العقيدة أدلُّ من اعتبار كثير من "الإسرائيليين" "باروخ جولدشتاين" مرتكب مجزرة الحرم الإبراهيمي في عام 1994، بطلا قوميا، والاحتفاء بإنجازات جيش الاحتلال المتمثلة في قصف الأطفال والنساء العزل، وتؤكدها تلك النزعة العدائية للشعب اليهودي على مر العصور، حتى إن يهوذا إله "إسرائيل"، هو، أيضا، إله الجيوش، إنه محارب قاس، قاد بعناد شعبه غير المنضبط، الذي جرب كل المستجدات، كما قال الصحفي الفرنسي "جان لارتيجي" في كتابه "أسوار "إسرائيل".
من أجل ذلك كُتِب الفشل على أي تحرك عربي لم يراعي السياسة المكيافيلية الصهيونية التي عبر عنها (جابوتنسكي) بقوله: "لا يمكن أن توجد قوانين صالحة إلا حيثما توجد أسلحة قوية. وحينما توجد أسلحة قوية توجد قوانين صالحة". فالصهاينة قومٌ لا يعترفون بغير لغة القوة، والتخلي عنها في عرفهم ضعفٌ يُغري بالـ"فرعنة"!
طبعًا من السفه الانخراط في الجدل البيزنطي الذي حاولت الصحف الإسرائيلية إغراق قرائها فيه: "البيضة أم الدجاجة؟"، من بدأ العنف أولا، المقاومة أم جيش الاحتلال؟؛ لأن الحقيقة التاريخية أوضح من أن تتوارى حتى عن العميان: إسرائيل محتلٌ غاصب معتدٍ، والفلسطينيون أصحاب أعدل قضية في العصر الحديث.
لكن من المفيد معرفة أن الإسرائيليين لم يُقدِموا على جريمتهم النكراء في عز الربيع العربي إلا وهم يتوقعون دعما أمريكا تمثل في إعلان وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون إدانتها لإطلاق المقاومة الصواريخ، وتأييدها حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.
لم يجرؤ الإسرائيليون على هذا (الاستهبال الدموي) إلا بعدما عاينوا الصمت المخزي حيال مذابح سوريا، وشهدوا إفلات صالح بدماء اليمنيين، وأغراهم انشغال المصريين بخيبة عسكرهم، وأسكرهم تغزل أوباما في مؤتمر آيباك، متقمصًا شخصية قيس إذ يخاطب ليلى.
لم يطلق بنو صهيون رصاصة إلا وهم متأكدون أن الرد الـ (عباسـ)ـيّ لن يكلف سوى فاتورة هاتفه، ولن يزيد عن إجراء مشاورات طارئة مع القيادة المصرية والاتحاد الأوروبي والرباعية الدولية، أو مطالبة المسئولين الفلسطينيين بالتواصل مع نظرائهم الإسرائيليين ومطالبتهم بوقف "اعتداءاتهم" على قطاع غزة.
وإذا كان عباس يطالب الفلسطينيين بالتوقف عن زيادة وتيرة العنف؛ حتى لا يُعطوا إسرائيل حجة للتهرب من الجهود الدولية المبذولة لإحياء عملية السلام، أليس طبيعيا تحت ظلال هذه الصفاقة ألا تستحي زعيمة المعارضة تسيبي ليفني، أثناء لقاءها كلينتون في نيويورك، أن تطالب المجتمع الدولي بإدانة الإرهاب الموجه ضد إسرائيل، أو تشدد على ضرورة مواجهة إطلاق الصواريخ، ومن ورائها.
الإسرائيليون هؤلاء قومٌ يخافون ولا يستحون؛ يترددون سنين عددًا إذا كان الخصم يمتلك القوة على الرد، ويحسمون أمرهم في اجتماعٍ مسائي إذا تعلقت المواجهة بمن ليس له (ظهر). لذلك تجد السيد بانتيا، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، منشغلان في الفترة بين سبتمبر 2011 ويناير 2012، بتوجيه تحذيرات لإسرائيل بأنها إذا هاجمت إيران عليها تحمل مسئولية ذلك، بينما تدين فيكتوريا نولاند، الناطقة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، أمس السبت "بأشد العبارات إطلاق الإرهابيين في غزة الصواريخ على جنوب إسرائيل خلال الأيام الأخيرة". وتدعوا "المسئولين إلى اتخاذ إجراءات فورية لوقف هذه الأعمال الجبانة".
بالطبع ليس هذا وقت تصديع الرؤوس بسرد فصولٍ متكررة من المسرحية الهزلية/المبكية؛ حتى لا يقتلكم الملل أو الغثيان، بل هو وقت الاعتراف بأن إسرائيل ما أساءت الأدب إلا حينما أمِنت جانب العرب، وما انتصرت إلا حينما اتخذت "وأعدوا" شعارًا!