سوزان سونتاغ سيّدة الغموض الواضح

كتب بواسطة: نورة سعد الشريف | في بروفايل . بتاريخ : Jun 15 2012 | العدد :90 | عدد المشاهدات : 3310

سوزان سونتاغ سيّدة الغموض الواضح

نسخة للطباعة
المثقفة الأكثر حضورًا، رغم أنها معجونة بالغموض  والثورة. وقعت في فخ الإشكالية المتحولة, ورأت العالم كبورتريه صور. تعيشُ اللحظة كصورة، والحرب كفيلم، مستقلةً، ثائرة، مناضلة، مصطخبة. سارت في اتجاه مناهض لسياسة دولتها الولايات المتحدة الأمريكية، بل دأبت على تقديم انتقاد لاذعٍ للحكومة الأمريكية.
كاتبة و روائية نافذة ناقدة. ارتبطت بحماسها ونصرتها للطليعية في الأدب والفن على ذات الميزان، وذات الكفة. واحدة من الأدباء الأمريكيين الأكثر غموضًا/حضورًا، وأكثرهم جلبة في القرن العشرين. قالت معلقة على أحداث سبتمبر: "مهما يكن من وصف يليق بمن فعلها، فإنه لا يجوز أن نقول أنّهم جبناء. إن هذه الهجمات ليست جبانة، ولكنها رد على تحالفات وسياسات أمريكية خارجية".
 
غموض الوضوح
ولدت سوزان روزنبلات أو سونتاغ كما هو معروف عام 1933م، في قلب المدينة ذات الأبراج الشاهقة نيويورك، من أبوين أمريكيين هما: جاك روزنبلات، وميلدريد ياكوبسين. والدها تاجر فراء في الصين لكن ذاكرتها معه تكاد تُنسى لوفاته وهي في سن الخامسة متأثرًا بمرض السّل. بعد وفاة والدها بسبع سنوات تزوّجت والدتها من ناثان سونتاغ، والذي منحها اسمه مع انه لم يتبنّاها بصفة رسمية.
ترعرت سونتاج في أريزونا في مدينة توكسون، التي تركتها وراءها متوجهة إلى لوس انجلس وهناك تخرجّت من الثانوية لتبدأ حياتها الجامعية في جامعة بيركلي والتي سرعان ما ودّعنها متحولةً إلى جامعة شيكاغو وفي هذه الأثناء تزوّجت سونتاغ، فيليب ريف بعد تعارفهما السريع الذي لم يتجاوز العشرة أيام.
لتتخرج بشهادة البكالوريوس في الآداب, وفي جامعة هارفارد أنجزت دراساتها العليا في الفلسفة والديانة الكاثوليكية  وعلم اللاهوت والأدب.
أنجبت سونتاج ابنًا  كان فيما بعد محررًا لبعض كتبها, كاتبًا فذا يُدعى ديفيد ريف. وُصفت سونتاغ بالسيدة الغامضة للآداب الأمريكية لذا تهافت على لقائها المشاهير مثل وودي آلن (مخرج وممثل) والفيلسوف آرثر دانتو.

مواجهة العالم
سافرت سونتاغ إلى كل من فيتنام، ويوغسلافيا، وفلسطين، والبوسنة. وهناك عرضت مسرحية في انتظار غودو لبيكيت، مقدمة إياها للشعب البوسني على أضواء الشموع، ومنتقدة موقف العالم المخزي من المجزرة الجارية هناك، قائلة أن وجود الحرب، لا يمكن أن يلغي الوجود الثقافيّ. وبعد نهاية الحرب عادت إلى أميركا لتستأنف نشاطها الكتابيّ.

المعذرة
سيّد ماركيز
في 27 أبريل/نيسان خلال معرض الكتاب في بوغوتا، وهي تقص شريط الافتتاح، انتقدت سونتاغ الكاتب الكولومبي الشهير ماركيز، لصمته إزاء ما وصفته بـ (حملة القمع التي شهدتها الجزيرة الشيوعية تقصد كوبا. قائلة في كلمة الافتتاح: "إنني معجبة بغارسيا ماركيز ككاتب كبير، لكن لا يبدو لي من اللائق أن يقف صامتا حيال ما يجري في كوبا". في إشارة منها إلى أحكام بالسجن صدرت بحق منشقين وإعدام ثلاثة كوبيين حاولوا خطف عبارة للهرب إلى الولايات المتحدة. وتابعت : "إن بعض الكتاب يقررون اتخاذ مواقف في الميدان السياسي ويرتكبون هفوات غارسيا ماركيز مثالًا، إذ يبدو لي كاتبا كبيرا، لكنني غير موافقة على مواقفه السياسية".

إسرائيل
تكرّم سونتاغ
توالي إشكاليات سوزان سونتاغ، أخذ محوراً بعيدًا هذه المرة. المرأة المناضلة، تسلمت جائزتها من شمعون بيريز، رئيس الكيان الصهيوني الغاصب. مجموعة مواقفها السياسية طوال مسيرتها الثقافية منذ حقبة الستينات، ومنذ البداية من خلال إعلائها للصوت الرافض للحرب الأميركية على فيتنام ثم الحرب على العراق وحرب التصفية ضد البوسنة تعثر هذه المرة بقبولها جائزة القدس من شيمعون بيريس ويهود اولمرت. ومع ذلك فإن الناشر الأردني إلياس فركوح يورد إثر هذه القصة كلمتها في هيوستن بتاريخ 30/3/2003 لمناسبة منح جائزة أوسكار روميبرو لزعيم حركة الجنود الإسرائيلية الرافضة للخدمة العسكري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي تقول: "إن احتمال عدم نجاح أعمال المقاومة التي تقوم في وقت الظلم، لا يعفيك من النضال على أساس ما تعتقد مخلصا أنه الأفضل لصالح جماعتك". إشكال كان مريرًا لسيدة عرفت بمقارعة الظلم أينما كان.

"ولادة ثانية"
مسيرة أدبية ضاجّة خلفتها سونتاغ وراءها، ألفت سبعة عشر كتابا، تُرجمت إلى أكثر من اثنتين وثلاثين لغة، بينها أربع روايات والعديد من الكتابات حول الأدب والفن والنقد. قيل عن عملها بأنه شكّل تحولا جذريا في تقاليد النقد في فترة ما بعد الحرب في أمريكا، وأزال الحدود الفاصلة بين سطوة الثقافة العالية والثقافة الجماهيرية، كما نزع الفروقات، التي كانت الكاتبة تعتبرها تبرّجا زائفا بين فن وآخر. "ولادة ثانية" كتاب مذكراتها، اعتبر صورة شخصية متعددة الألوان لواحدة من أعظم الكتاب والمفكرين الأمريكيين، ففي سن مبكرة كتبت سونتاغ مذاكراتها, التي لم  تتوقف عن كتابتها منذ ذلك الحين حتى وفاتها لكنها لم تنشرها في كتاب ولا ضمن سيرة ذاتية لها.
"كل امرئ له غموضه". هكذا تكتب سونتاغ  ويراه القارئ مباغتةً في يومياتها. ولن ننتظر الكثير باعتبارها المرأة الأكثر غموضا في تاريخ المشاهير الأمريكيين، فتورياتها متلونة جذابة تلتمع آناء تلوّنها.
 هذه اليوميات التي بدأت كتابتها في عمر الخامسة عشرة، مدونة كمنمنمات من الاعترافات الكبيرة والمهمة في حياة الكاتبة. يومياتٍ كتبتها فقط لنفسها، وعلى نحو متواتر منذُ مراهقتها المبكرة حتى آخر سنوات حياتها.
لم تسمح سونتاغ  بنشر سطرٍ منها، كما لم تقرأ منها - بخلاف بعض كتّاب اليوميات- إلى أصدقائها، حتى المقرَّبين         ، لكنها حُرّرت بعد وفاتها على يد ابنها ديفيد ريف. والذي همست في أذنه مرة كإذن بالنشر: "ديف .. أنت تعرف أين أضع يومياتي".
يقول ديف في تقديمه لمذكرات والدته: "كنت أعتقد دائما بأن من أكثر الأشياء حماقة التي يقولها الأحياء عن الأموات هي عبارة "فلان كان يريد أن يحيا حياته بهذه الطريقة". هذه العبارة مجرد تخمين، وربما في الغالب عجرفة، ولا يهم إن كان القصد منها حسنا. لأننا لا يمكننا حقًا أن نعرف.
إذن، مهما سيقال عن نشر "ولادة ثانية"، فإن هذا الجزء و الذي سيكون ثلاثية من يوميات سوزان سونتاغ المنتقاة، هو غير الكتب الذي كتبت، وإن مسؤولية قرار نشر اليوميات كمختارات، كانت مسؤوليتي وحدي فقط. حتى عندما لا يتعلق الأمر بالرقابة، فإن الأخطار الأدبية والأخلاقية لمثل هاته مغامرة  بديهية".

رواية العدسة
في تحليلها لتأثير الصورة الفوتوغرافية التي نعدها رواية للخبر بشكل آخر في القرن العشرين. في كتابها الفريد من نوعه في تلك السنوات «التصوير الفوتوغرافي» الذي أصدرته الكاتبة قبل أكثر من ربع قرن في زمن البحث حول قضية الصورة. والحقيقة أن الكتاب جاء كاستشراق للمستقبل، مفاجئاً وعلميًا في تحليلاته، لا سيما حين تسوق  الكاتبة البراهين في واحدة من أهم فقرات الكتاب حول أن «التصوير الفوتوغرافي قد أصبح واحدة من أهم وسائل الوصول الى خبرة بالأشياء تعطي المرء انطباعاً بأنه مشارك فيها».
وهذه المشاركة – من خلال رؤية الصورة – هي في الحقيقة الموضوع الأساس لهذا الكتاب.
تقول سونتاغ مفتتحة كتابها النبوءة: "إن صورة مثل تلك التي نشرت في العام 1972، على الصفحات الأولى للصحف في الكثير من بلدان العالم –وهي صورة طفلة فيتنامية جنوبية، عارية، تركض بعد أن طاولها رذاذ قنابل النابالم خلال غارة أميركية، على الطريق في اتجاه آلة التصوير ويداها مفتوحتان وهي تصرخ من الألم– هذه الصورة تمكنت على الأرجح من أن تغذي عداء العالم كله إزاء الحرب، أكثر مما كان يمكن أن تفعل مئات الساعات من الأخبار التلفزيونية المصورة لفظاعة العمليات العسكرية الاستعراضية" .

أقلّ من الهوس
أكثرُ من الفتنة
كتبت سونتاغ مقالات منتظمة في مجلة " نيويورك ريفيو أوف بوكز" سلسلة من المقالات حوله، تتناول أساساً، معاني استخدام الصور، وإنتاجها ونشرها وتلقيها والظروف المحيطة بالمصور والصورة ، وجليًا يبدو لكثر انها تستخدم المقالات كتعويذة في محاولة لإخراج نفسها من ذلك الهوس المستحوذ عليها. وهذه المقالات، المترابطة أصلاً في ما بينها، كانت محصلة سوزان لصبِّ متن الكتاب، الذي كان أول تأمل جدي وواسع حول فن عالمي شعبي ، مع ذلك قد بلغ أكثر من مئة وخمسين عاماً من العمر»، بحسب رأي النقاد الذين تناولوا الكتاب في ذلك الحين. بل ان بعضهم قارب بين اشتغال سوزان سونتاغ على التصوير الفوتوغرافي، وبين اشتغال رولان بارت على «الموضة» و «أساطير» القرن العشرين في كتابين رئيسين له، أو اشتغال غي ديبور على الاستعراض وشريعته في مجمل أعماله .
أنصار حيادية فن التصوير الفوتوغرافي انتقدوا هذا التدخل التحليلي – الفلسفي في عملهم فعدوا كتاب سوزان سونتاغ «بياناً ايديولوجياً»، أمّا الأكثر جدية رأوا في الكتاب، تحليلاً ذكياً ودقيقاً، وحاداً جادًا أحياناً، للمكان «الذي بات التصوير الفوتوغرافي يشغلها في مجتمعاتنا المعاصرة، المجتمعات المسماة : استهلاكية» حين بات استهلاك الصورة، سوداء بيضاء أو ملونة، أمراً مريعاً.

لا براءة في الصور
"إن تصوير شيء ما كحدث فوتوغرافيا معناه تملّكه والاستحواذ عليه"، فعلى طول صفحات الكتاب تعود المؤلفة إلى المصور الذي يلعب في آن واحد دور المخرج والراوي في الأحداث، والاهتمامات الاجتماعية والفكرية. إذ لا يوجد ثمّة صورة بريئة، خصوصًا لدى محترفي التصوير.
وهذا يقودها إلى أن تتساءل: "هل يجب أن تخدم الصورة الحقيقة؟" وتجيب: "إن الصورة ومهما يكن موضوعها وغرضها  يجب أن تكون للحقيقة ولا غيرها".  أما ما يتعلق بالصور الاحترافية الجمالية، فإننا نعرف وبعد سبر الكتاب، أن ليس ثمة ما هو أجمل من الصور التي تحكي البؤس والفقر، وكأنها تعرف تمامًا "ستيف ماكاري" مصور البؤس في إفغانستان والهند.
إن الخاصية التي تمتلكها الكاميرا الفوتوغرافية من دون غيرها، على ما ترى سونتاغ "تكمن في قدرتها الفائقة على تحويل سمات الواقع الى أشياء جميلة وفاتنة، وذلك تحديداً لأن الصورة تبدو عاجزة ومستحيلة عن التعبير عن حقيقة ذلك الواقع".

أكثر من كتابة
كتبت سونتاغ إثر بحثها الطليعيّ هذا العديد من المؤلفات الثرة والمنوعة، من بينها «المرض كمجاز» حاكية فيه عن معاناتها مع مرض السرطان، وكتاب «الإيدز وتحولاته»، ثم «صناعة الأدب»، «أنماط من الإرادة الراديكالية». وفي مجال الروايات أصدرت: "الُمحسن"، و"سجعة الموت"، و"عاشق البركان"، و"في أميركا". أما في مجال المسرح فقد أصدرت مسرحيتين: "أليس في السرير"، و"سيدة من البحر". إضافة إلى كتابه المهمّ: "ضد التأويل ومقالات أخرى".
"ضد االتأويل"
حيث يعتبر هذا الكتاب من الحقبة الكلاسيكية المتمدنة. صدر للمرة الأولى عام 1966، ولم يتوقف عن الصدور منذ ذلك الحين. تأثيره كان عظيما على أجيال من القراء في كلّ أنحاء العالم ولغاته. يضم المقالات الشهيرة لسونتاغ مثل: "ملاحظات حول ظاهرة التكلف"، و"ضد التأويل"، إلى جانب تحليلها المفعم بالشغف لسارتر، وكامو، وسيمون فايل، وغودار، وبيكيت، وليفي ستراوس، وأفلام الخيال العلمي، والتحليل النفسي، والفكر الديني المعاصر.
وفي طبعة عام 2008م، ضم الكتابة خاتمة جديدة بعنوان "بعد ثلاثين عاماً"، تعيد فيها سونتاغ التأكيد على المعركة التي تخوضها ضدّ الذوق والضحالة الأخلاقية واللامبالاة. ليكون الكتاب أحد الكتب الهامة في مجال النقد الحديث ورغم قولها بأنها لا تعتبره نقدا إلا أن الكتاب كان له تأثير كبير على أغلب مدارس النقد العالمية. يضم الكتاب ما يقارب 30 مقالة تناولت فيها شخصيات أدبية وفلسفية وآراء حول أهم قضايا الفن والمسرح والسينما.

وضوح الغموض
قبل يومين من نهاية عام 2004، تناقلت وكالات الأنباء العالمية، رحيل سونتاغ. واصفة إياها بكونها "نصيرة حقوق الإنسان العالمية"، والمثقفة الطليعية، أحد "أهم أسماء الثقافة الأمريكية"، عن 71 عاماً من الدأب والتعب