في ظل الثورات العربية المعاصرة أي مستقبل للعالم العربي

كتب بواسطة: كريم مروّة | في متابعات . بتاريخ : Jun 15 2012 | العدد :90 | عدد المشاهدات : 4825

في ظل الثورات العربية المعاصرة أي مستقبل للعالم العربي

نسخة للطباعة
الحرية والخبز والكرامة، تلك هي الشعارات التي حملتها وانطلقت باسمها الثورات العربية المعاصرة.  وهي شعارات تشير في جوهرها إلى أن الإنسان هو القيمة الأصلية في الوجود، وأن إنسانيته لا تكتمل إلا إذا اقترنت بالحرية التي يشكل امتلاكه لها الشرط الضروري لنضاله من أجل تأمين خبزه وعيشه الكريم.  والإنسان هو دائماً فرد وجماعة في الآن ذاته.  والجماعة هي في الأصل جمع لأفراد أحرار.  فإذا انتفت الحرية عند هؤلاء الأفراد في أي جمع في أي زمان وفي أي مكان يتحول هذا الجمع  ويتحول الأفراد فيه بفقدانهم حريتهم من جمع لمواطنين أحرار إلى جمع لرعايا فاقدي الوعي بحقيقة أنهم بشر حقيقيون، والوعي بأنهم أصل الوجود على الأرض وجوهر هذا الوجود.  وهم، إذ يفقدون وعيهم هذا، إنما يفقدون معه إرادتهم الحرة.  ويصبحون عملياً، كأفراد وكجماعات، أدوات طيعة ومطوعة في تأسيس الشروط التي تهيئ لولادة الاستبداد، وتؤمن للمستبدين شروط وجودهم واستمرارهم.  وقد شهدنا في التاريخ القديم والحديث في بلداننا وفي البلدان الأخرى صيغاً متعددة لهذا الاستبداد وأنواعاً متعددة للمستبدين.  من هنا، وانطلاقا من هذه الحقائق الجوهرية بالذات، اكتب اليوم عن حاضرنا وعن مستقبلنا وعن المعنى الكبير لكون شعار الحرية هو الشعار الطاغي في ثوراتنا العربية المعاصرة، مقروناً بالدعوة الجريئة والحاسمة إلى إسقاط أنظمة الاستبداد السائدة.  
أبادر إلى القول بوضوح بأنني إنما أتحدث من موقعي كديمقراطي علماني، ويساري معاصر.  وكوني يسارياً معاصراً يعني بالنسبة إليّ أمرين متلازمين.  الأمر الأول هو أنني ابن تجربة يسارية اشتراكية ذات تاريخ عريق مليئ بما حفلت به تجاربنا من إنجازات ومن إخفاقات، من الصواب فيها ومن الخطأ.  الأمر الثاني هو أنني قد تحولت بالتدريج من ذلك التاريخ القديم الذي لا أتنكر له إلى تاريخ جديد معاصر مختلف.  وهو تحول قادتني إليه تحولات العالم المعاصر والخلاصات التي استنتجتها من تجاربي وتجارب الحركة التي كنت جزءاً منها على امتداد عمري.
لقد كثرت الكتابات والأحاديث حول الثورات العربية.  وكثرت التحليلات والتوصيفات والتسميات للحدث الكبير.  ورغم أن ثمة إجماعاً على أن هذا الحدث هو حدث تاريخي غير مسبوق في شكله وفي مضمونه وفي استمراريته تحت شعار الحرية، فإن البعض ينأى عن إعطائه صفة الثورة.  وهو أمر يدعو إلى الغرابة.  وأعلن بوضوح وبجزم اختلافي مع هؤلاء، وأؤكد بأن ما نشهده هو ثورة بكل المعاني.  وفي رأيي فإن المعنى الدقيق الذي تشير إليه كلمة ثورة هو أنها تدعو إلى إحداث التغيير في اتجاه الأفضل والأرقى.  وهذا بالتحديد ما تدعو إليه وتناضل من أجل تحقيقه ثوراتنا المعاصرة تحت شعار الحرية والخبز والكرامة والحق في الحياة باسم المواطنة والحق في العيش الكريم باسم العدالة الاجتماعية.  وهي الشعارات التي يكاد يصل بعضها إلى التحقق ويذهب بعض آخر منها في طريقه إلى التحقق.  ألا يعني هذا الاستمرار في الحراك تحت هذه الشعارات والشجاعة والإقدام والثبات والتضحيات التي يقدمها الشباب أننا أمام ثورة حقيقية؟  وفي الحقيقة فإن جميع هذه الصفات والسمات التي يحملها هذا الحراك الشعبي بشعاراته الأساسية التي تتمحور حول الحرية إنما تشير إلى وعي يزداد عمقاً ورسوخاً في اتجاه تحرير بلداننا من أنظمة الاستبداد بصيغها المختلفة التي عاشت في بلداننا عقوداً وعاثت فساداً وإفساداً وأفقرت شعوبنا وأحدثت تخلفاً في بلداننا وأخرجتها بالقسر من التاريخ المعاصر للعالم.  وهمشت السياسة وأفرغتها من وظيفتها الثقافية والمعرفية ومن ارتباطها بالأخلاق، وحولتها إلى ميدان للنفاق والخداع.  وغطت بديماغوجيتها الخرقاء هزائمها أمام العدو الإسرائيلي تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة".  وحولت الجيوش إلى أدوات قمع لحماية أنظمتها.  ومارست بحق الفلسطينيين في وطنهم وفي مخيمات القهر والإذلال أبشع أشكال العسف.  وأسهمت بتدخلاتها الفظة في تفتيت وتقسيم حركتهم الوطنية.  وأدخلت القضية الفلسطينية في المتاهات.  وعقدت المسار التاريخي الذي يقود إلى ولادة الدولة الفلسطينية الكاملة السيادة على أرض فلسطين على قاعدة السلام العادل الذي ما يزال في مهب الرياح العاتية.
أرى أن علينا، نحن الذين نمارس حقنا وواجبنا بالكتابة وبوسائل أخرى للتعبير عن أفكارنا، ألا نحمّل الثورات العربية في هذه المرحلة من قيامها أكثر مما تحتمل.  بل أن علينا أن نسهم كل منا من موقعه في جعلها ترتقي بالتدريج في الاتجاه الذي يهيئ الشروط لتحقيق الشعارات التي ترفعها، آخذين في الاعتبار أنها قد حققت إنجازاً تاريخياً يتمثل في إعادة اعتبار الإنسان العربي إلى ذاته وفي إيمانه بأنه صاحب حق لا جدال فيه في الحياة الحرة وفي العيش الكريم.  لكن من بديهيات الأمور، ونحن نتحدث عن الثورات، أن تكون لكل بلد ولكل ثورة فيه خصوصياتها.  هكذا كان الحال في التاريخ القديم.  وهكذا هو الحال في التاريخ الحديث.  غير أن ثمة مشتركاً أكيداً بين ثوراتنا العربية المعاصرة.  وهو مشترك لا يفقدها خصوصياتها.  يعبّر عن هذا المشترك كون جميع هذه الثورات ترمي إلى تغيير الواقع المأساوي الذي تعاني منه شعوبنا في ظل الأنظمة الاستبدادية وإلى تهيئة الشروط للانتقال من هذا الواقع إلى واقع أفضل منه من خلال إسقاط أنظمة الاستبداد.   وثمة مشترك آخر لثوراتنا العربية يتمثل في أنها تعبّر عن المصالح الحقيقية التي توحد بين البلدان والشعوب العربية وتؤسس لوحدة حقيقية مختلفة جوهرياً عما ساد من أفكار كان بعضها ضبابياً رومانسياً وكان بعضها الآخر نقيضاً لفكرة الوحدة ومشوّهاً لجوهرها.
لا بد لنا من أن نرى بأنها حين انطلقت في تونس ثم في مصر ثم في البلدان العربية الأخرى إنما كانت العفوية طابعها الطاغي.  وهي عفوية ترافقت مع وعي ظاهر ووعي باطن.  وما أن سلكت طريقها وكونت جمهورها حتى بدأ الوعي الحقيقي يحتل مكان العفوية لدى أقسام واسعة من جمهورها.  والعفوية في قراءتي لها في هذه الثورات إنما تتمثل في أن الهبّة الشعبية، التي كان الشباب والعمال والمهمشون والفقراء والكثير من المثقفين يشكلون قوتها الأساسية، كانت في جوهرها رد فعل غريزي على قهر دام عقوداً في ظل استبداد استخدم سادته كل ما في ترسانة الاستبداد من عمل لتدمير حياة البشر وتحويلهم إلى أدوات فاقدة للوعي والإرادة ومستسلمة لواقعها المرير.  وكانت تلك الهبة الشعبية تعبّر في بداياتها في شكل بسيط ومباشر عن المشاعر التي طغت على وجدان هؤلاء الناس، المشاعر التي كانوا يعبّرون فيها عن ذواتهم بأنهم أناس لهم حقوق وأن الأساسي في حقوقهم هو حقهم في الحرية والكرامة وفي الخبز وحقهم في العيش الكريم، وأن قاهرهم وسالبهم حقوقهم هو نظام الاستبداد الذي أشهروا في وجهه شعارهم البالغ الدلالة: الشعب يريد إسقاط النظام.
في اعتقادي أن هذه الثورات قد بدأت تشق طريقها إلى مستقبل جديد للعالم العربي.  وأول هذا الطريق إلى المستقبل وأول بند من بنود هذا البرنامج المفترض لهذه الثورات يتمثل في الإصرار على اعتبار أن النظام القديم قد بدأ يصبح جزءاً من الماضي.  بمعنى أن أنظمة الاستبداد قد بدأت تخلي قسراً، وبفعل هذه الثورات، المكان الذي كانت تحتله لصالح المستقبل الآتي.  وهذا القطع الجازم بأن أنظمة الاستبداد قد بدأت تصبح من الماضي لا يقلل من شأن الطابع الهمجي عند بعض سادة هذه الأنظمة في مقاومة حركة التاريخ، ولا يقلل من شأن ما تقوم به بعض فلول النظام الذي سقطت رموزه من أجل العودة في صيغ جديدة لعرقلة مسيرة الثورة في اتجاهها نحو بناء النظام الجديد.  وإذ أشير إلى الخطورة المتمثلة بالوحشية التي تقاوم بها أنظمة الاستبداد التغيير الذي تدعو إليه الثورات، فإنني أود أن أركّز على ما ينتجه هذا العنف من عنف مضاد.  فالدم يستسقي الدم.  والعنف والدم والدمار إنما تولد الحقد، وتهيئ الشروط لراديكالية شعبوية تطغى فيها المشاعر على حساب العقلانية والواقعية اللتين يشكل تلازمهما الشرط الضروري لجعل الصراع بين الماضي والمستقبل يصب في صالح المستقبل المنشود.  
وإذ يعتبر شباب الثورة أنهم هم أصحابها ومفجروها وأنهم هم الذين بنضالاتهم السابقة الذين هيأوا لها، وهم على حق في ذلك، فإنهم لا يملكون التجربة الكافية ولا هم منظمون في حركات تؤهلهم لأن يلعبوا الدور الذي يعتبرون بحق أنه هو دورهم الأساسي في التغيير.  لكنني أزعم أن الوعي الذي بدأ يرتقي في صفوف هؤلاء الشباب والكفاحية المقترنة بالشجاعة وبالاستعداد النادر المثال لتقديم التضحيات سيؤهلهم بالتدريج لأن يلعبوا هذا الدور، إن لم يكن في المستقبل القريب ففي مستقبل قادم. غير أنه سيكون من الخطأ عدم الحذر إزاء ما تمثله بعض الحركات الأصولية التكفيرية التي تطل بوجهها وببعض أشكال نشاطها التخريبي هنا وهناك وهنالك.  وخطورة هذه القوى تكمن في اتجاهين.  الإتجاه الأول يتمثل في أنها تحاول استغلال حالة الفقر والبؤس والتهميش عند كثرة كبيرة من المواطنين لتعمق عندهم الخوف والحذر من القوى التي تنادي بالتغيير الديمقراطي تحت شعار مدنية النظام وعلمانيته.  إذ هي تسعى لاستنفار مشاعرهم الدينية البسيطة وتأجيج الغرائز عندهم وجعلهم في حالة امتناع ظرفي عن معرفة حقوقهم في الحرية والعيش الكريم في حياتهم الدنيا.  الاتجاه الثاني يتمثل في ما يخلفه هذا التطرف عند هذه القوى السلفية التكفيرية، باسم الخرافات التي تلصق بالدين ضد قيمه، من تأثير سلبي في الصراع داخل التيارات الإسلامية بين قوى تريد التجديد وتشكل جزءاً من الثورة وقوى تريد البقاء في القديم من دون تغيير.  
إلا أن التحذير من هذا النوع من الحركات السلفية لا يصل إلى الحدود التي تجعلنا نرى فيها خطراً على الثورة، كما يشير إلى ذلك بعض الثوار.  بل أن على شباب الثورة أن يكونوا حذرين إزاء ما يروج له أركان الأنظمة المنهارة وأركان الأنظمة المرشحة للإنهيار من أن هذه الحركات التي تعطى صفة الإرهاب ستشكل البديل من أنظمتهم في حال نجاح الثورات في إسقاط تلك الأنظمة.
يتحدث البعض في هذا السياق من التذكير بتنوع وتعدد مكونات قوى الثورة عن خطر آخر يواجه الثورات يتمثل بالتنظيمات الإسلامية المعروفة التي أعلنت انتماءها إلى الثورات بعد قيامها: الإخوان المسلمون في مصر وسوريا وحركة النهضة في تونس وسواها من التنظيمات الإسلامية.  إذ يعتبر هذا البعض أن تلك التنظيمات هي سلفية  وأن انضمامها إلى الثورات يشكل مصدر خطر يهدد ويشوه الهدف الذي عبّرت عنه شعارات الثورات، ويحرفها عن اتجاهها الأصلي في ما يشبه الثورة المضادة.  لست بالطبع معنياً بالدفاع عن هذه المنظمات ولا معنياً بالتأكيد على انسجامها مع أهداف الثورة.  فهي وحدها المؤهلة للدفاع عن نفسها وعن موقعها في الثورة كأجزاء مكونة من قواها.  لكنني، بحسب معرفتي بما يجري من تحولات داخل هذه التنظيمات بفعل تجاربها وبفعل ما يجري من حولها، أتحفظ، من دون جزم، على ما يرمي إليه هذا البعض في مخاوفهم المشار إليها لثلاثة أسباب.  السبب الأول هو أن الثورات قد أصبحت، بفعل ما حققته وتحققه، أقوى من أن تستوعبها أية تنظيمات مهما كبرت وأن تحرّفها عن مسارها.  السبب الثاني هو أنني أرى أن تغييرات مهمة بدأت تحصل في التنظيمات الإسلامية المشار إليها في الإتجاه الذي يقودها إلى الانخراط في التحولات الجارية في بلداننا وفي العالم المعاصر.  وهي تحولات تفرضها على هذه المنظمات وقائع العصر وتحولاته.  وقد أتيح لي أن ألتقي وأناقش مع قائدين كبيرين لتنظيمين إسلاميين في مصر وفي تونس، وأن أستمع إلى أحاديث وأن أقرأ مواقف لعدد من قادة هذه التنظيمات، استنتجت منها ما أشرت إليه من هذه التحولات في المواقف.  السبب الثالث هو تنبّه قوى الثورة، أو بعضها ممن أشرت إليهم، إلى عدم الوقوع في شرك سادة النظام القديم الذين يبررون قمعهم للثورة بحجة أن سقوط نظامهم سيكون لصالح التنظيمات الإسلامية المشار إليها.  
ويتحدث البعض داخل تجمع القوى المشاركة في الثورة وبعض آخر من خارجها أو ضدها عن خطرين آخرين.  الخطر الأول هو الخطر الذي يواجه الأقليات في العالم العربي.  وهو في رأيي وهم خطر، تشكل المبالغة في الحديث عنه خطراً حقيقياً على الأقليات وعلى بلداننا وعلى وحدة مكوناتها، ينبغي الحذر منه والحذر من الذين يطرحونه ويبالغون فيه.  ورغم أن هذا البعض من جهتيه يستند إلى وقائع معينة من نوع  ما واجه ويواجه المسيحيين في مصر وفي العراق فإن لهذه الوقائع ما وراءها ولها من هو صاحب المصلحة في إثارتها وفي تعظيمها.  لذلك فإن على قوى الثورة أن تظل لصيقة بنضالها من أجل المستقبل  وأن تزيل من أدبيات الثورة ما يتصل بالتخويف من الأخطار التي تواجه الأقليات، وأن تعمل لجعل هذه الأقليات صاحبة المصلحة في أن تكون جزءاً من الثورات وصاحبة دور فيها وصاحبة مصلحة في إنجاز المهمات التي يناضل الثوار من أجل تحقيقها.  أما الخطر الثاني فهو ما يتصل بدور الخارج في الثورات.  وأعلن بوضوح أن موقفي المبدئي هو ضد أي تدخل من قبل بلد في شؤون بلد آخر.  ورغم أنني متمسك بموقفي المبدئي رفضاً للتدخل الخارجي في شؤون بلداننا، إلا أنني أرى أن القرار في قبول أو رفض التدخل لدعم ثورة هنا وثورة هناك
من أية جهة أتى إنما يعود لقيادات تلك الثورات وليس لأحد
سواها.
غير أن من أروع ما ارتبط بالربيع العربي هو أنه بدأ يشكل ظاهرة عالمية وبدأت مفاعيله تدخل إلى بلدان العالم المختلفة.  ألا تشير إلى ذلك الحركات الشعبية التي تشهدها الولايات المتحدة الأميركية في شارع الوول ستريت، والتي تتصاعد في الطريقة ذاتها التي ابتدعها الربيع العربي؟  ألا تشير إلى ذلك الحركات الشعبية باسم "الغاضبون" التي شهدتها ألف مدينة في شتى بلدان العالم وشهدتها إسرائيل بالذات؟
لقد دقت ساعة التغيير في بلداننا.  ومن سيتأخر في الانخراط في حركة التغيير هذه سيفقد مكانه في عصر التحولات الكبرى التي ستشكل سمة القرن الجديد