من شابه أباه فما ظلم

كتب بواسطة: توماس فريدمان | في متابعات . بتاريخ : Jun 15 2012 | العدد :90 | عدد المشاهدات : 3862

من شابه أباه فما ظلم

نسخة للطباعة
 
ترجمة: حسن شعيب

عندما أشاهد اجتياح الجيش السوري لمدينة حمص بهدف إخماد الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد, أشعر وكأني أرى نسخة جديدة من فيلم سيء كان بطله حافظ الأسد، الرئيس السوري السابق ووالد الرئيس الحالي، قبل ثلاثين عاما، وقد شاهدتُ بنفسي النسخة الأصلية من هذا الفيلم.
كان هذا في شهر أبريل عام 1982, عندما قدمتُ إلى بيروت لأعمل مراسلا صحفيا لصحيفة نيويورك تايمز, وسرعان ما سمعت قصصا مرعبة حول الاحتجاجات والانتفاضة التي قادتها جماعة الإخوان المسلمين السورية في مدينة حماة في شهر فبراير. حينها لم يكن هناك انترنت أو هواتف محمولة, بينما كان حافظ الأسد يسحق هذه الانتفاضة في مهدها بقصف جميع أحياء مدينة ونسف مبانيها بسكانها.
في شهر مايو حصلتُ على تأشيرة دخول إلى سوريا، واستأجرتُ سيارة وذهبت إلى مدينة حماة بعد إعادة فتحها, في الوقت الذي كان النظام السوري يشجع السوريين على الذهاب إلى هذه المدينة المحطمة الجريحة؛ للاعتبار مما سيشاهدونه.
وبالفعل كانت فاجعة مذهلة, حيث دُمِّرَت مساحات كاملة، وسُوِّيَت مبانيها بالأرض كملاعب كرة القدم, فإذا ما قمت بركل الأرض ستُخرج لك بعضا من بقايا ملابس أو كتب ممزقة أو أحذية. وقدرت منظمة العفو الدولية أعداد القتلى في هذا الوقت بحولي 20 ألف قتيل, وقد ألفتُ كتابا لوصف هذه الوحشية التي لم أر مثيلا لها في حياتي بعنوان "قوانين حماة", وكان من بين هذه القوانين: عليك أن تفعل كل ما يلزمك لتبقى في السلطة ولا تتعرض لمجرد هزيمة من خصومك, فاقصف منازلهم وسوِّ بها الأرض، حتى لا ينسى أبناؤهم أو أبناء أبنائهم، أو يحلمون حتى بتحديك مرة أخرى.  

كسر حاجز الخوف
بعد 30 عاما, يبدو أن الأجيال السورية نسيت هذه المجزرة، وكسرت حاجز خوفها, بل إن هذه المرة لم تكن الانتفاضة في مدينة واحدة، أو قامت بها جماعة الإخوان المسلمين فحسب، بل انضم إليها الشباب من كل أنحاء سوريا, منخرطين في سلسلة قوامها مائة مليون شخص تتراوح أعمارهم بين (15 – 29) يعيشون في الشرق الأوسط، نكثت حكوماتهم وعودها، فلم توفر لهم وظائف ولا فرص للزواج، ولا مساكن، وهذا بالأساس ما أثار كل هذه الانتفاضات الشعبية البركانية.  
بيد أن الأمر مختلف في سوريا, فغياب الديمقراطية ليست المأساة الوحيدة التي تعاني منها, حيث إن سوريا بلد قبلية طائفية ومقسمة للغاية, فالأقلية التي تمثلها الطائفة العلوية بقيادة الأسد تهيمن على الحكومة والجيش والأجهزة الأمنية، ويقدرون بحوالي 12 %, أما المسلمون السُّنة فتتجاوز نسبتهم حوالي 75% , والمسيحيون حوالي 10%, أما النسبة الباقية فتضم الأكراد والدروز وغيرهم.
وفي الوقت الذي بدأت فيه الثورة السورية تعبر بشكل سلمي وغير طائفي عن رغبة الشباب السوري في أن يُعاملوا كمواطنين, بدأ بشار الأسد يطبق قوانين حماة مستخدما العنف ضد المتظاهرين, ما أيقظ المخاوف الطائفية لدى كل الأطراف, وأصبح من الصعب الآن معرفة التطلعات الديمقراطية لوقف التمرد والطموحات الطائفية, حيث ظهرت على السطح رغبة الأكثرية من السنة في الإطاحة بالعلويين, وكنتيجة لذلك, احتشد معظم العلويين بجانب الأسد, وكذلك بعض السنة الذين استفادوا من نظامه, وخاصة في حلب والعاصمة دمشق.
مفصلان يؤلمان أكثر
برغم أني لا أعرف ما الذي يكفي لإقناع الأسد بالتنازل عن السلطة لحكومة وحدة وطنية, لكني أعرف أنه من أجل الإطاحة به لابد أن يخسر أهم اثنين من دعائم الحفاظ على نظامه, والأولى هي مساندة الصين وروسيا وإيران, من خلال مواصلة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية والإسلامية دعوتها موسكو وبكين وإيران إلى التخلي عن دعم قتل الأسد للمدنيين العزل, حيث إن الصين وإيران وروسيا لا يهتمون بإدانة الولايات المتحدة بقدر ما يهمهم باقي دول العالم.
أما الدعامة الأخرى, فهي الشعب السوري, برغم أن معارضته لا تزال منقسمة, لذلك لابد من إيجاد وسيلة لتوحيد صفوفه والوصول إلى العلويين والمسيحيين السوريين والتجار من السنة، والتأكيد على أن مصالحهم ستكون فى مأمن في سوريا الجديدة بعد الإطاحة بالأسد, وبدون ذلك لن يحدث أي شيء جيد, وكلما ظلت المعارضة السورية ممزقة ومنقسمة كلما صار الأسد أقوى، وكلما تشبث بعض السوريين به خوفا من الفوضى والإفلات من قوانين حماة.