مخبز برسي

كتب بواسطة: حسام هلالي | في أدب . بتاريخ : Jun 15 2012 | العدد :90 | عدد المشاهدات : 2796

مخبز برسي

نسخة للطباعة

 برسي: كلمة نوبية تعني التوأم
معدتي فارغة أكثر من قُلةٍ مهشمة. كذلك كانت الثلاجة، ولأنني لم أمتلك سوى قُلة واحدة هشمتها منذ أول جملة؛ لم أجد ما أصف به فراغ ثلاجتي. صار الوقت متأخراً للتبضع، فالدكاكين هنا تغلق عند العاشرة، وغبي مثلي لا يتذكر أن يجوع مبكراً عليه أن ينتظر إلى الصباح حتى تستيقظ علب الجبن على الأرفف، وأكياس الطحين بالمخبز. هذا إذا ما تناسينا الإفلاس، ففضلاً عن كل ذلك كانت جيوبي أكثر
فراغاً... آه حسناً. لقد سبق لي أن استخدمت القُلة !
لذا.. خلدتُ إلى النوم. حلمتُ بأنني أخرج من بيتي تلك الساعة، وبينما أتسكع في الشارع تلتف حولي ثعابين الرائحة وتسحبني قريباً من نفس المخبز الذي أخبرتكِ عنه، ولأن المرء لا يذهب بمحفظته إلى الحلم؛ فقد تناولتُ قطعة من الكعك المعروض، وما أن هممتُ بذلك حتى طالبني الخباز بثمنها، وهو مشهور في الحِلة بأنه معتوه - مجنتر كما يقولون – وكنتُ أنا مُصرّاً على أن المرء غير مطالبٍ بدفع ثمن الأشياء التي يحصل عليها وهو نائم. أما هو، ولمقتضيات الحدث. لم يكن مطالباً بالتعامل مع الأمر بوصفه حلماً. فضلاً عن كوني بطله! تشاجرنا، فاستدعى الشرطة، وهنا لابد أن أثني على همة رجال الأمن. الذين لا يتأخرون عند طلب النجدة، فقد جاءوا بعد عشر دقائق من بدء الشجار. من كشك «بسط الأمن الشامل» المقابل للمخبز، ولم يكن الأمر بحاجة إلى عريضة اتهام. كل شيء كان واضحاً ومدعماً بالشهود، فقد تخلصتُ من الفرصة اليتيمة للحل الودي عندما ركلتُ طاولة الكعك، ثم أنني لم أكن أملك ثمن ما بددته على الأرض، ولا القدرة على تناوله رغم كل ما ألم بي من جوع ليلتها، فانتهى بي الأمر ملقى في زنزانة باردة. لستُ من أنصار الاختلاء بالنفس، ولا التأمل - وإلا لكنت اعتنقت البوذية - فلم يكن مني إلا أن امتثلت إلى المثل القائل: «إذا كثرت عليك الهموم... أرقد نوم» وهذا بحق مثل سوداني بامتياز !
لذا.. خلدتُ إلى النوم. حلمتُ بأنني أستيقظ في بيتي صباحاً. بجوعي وإفلاسي وحيرتي. خرجتُ إلى الشارع تلقائياً، ففي الأحلام كما الأفلام يمكنكِ دائماً أن تتجاوزي تتابع الأحداث الصغيرة التي لا تختل الحكاية بدونها بحجة المونتاج. مع اختلاف بسيط هو أن هذا يحدث دون إرادتك، فلا أحد يُخرج أفلامه.. أقصد أحلامه. لم أكن بحاجة إلى الاغتسال أو تنظيف أسناني أو حتى التوقف لارتداء ملابس مناسبة للخروج، فجأة أصبح ما أريد، وأسير في الشارع، ودوناً عن كل الدكاكين التي يكتظ بها الشارع لا أتوقف إلا أمام المخبز. في اللحظة التي يضع فيها نفس الخباز اللعين صينية جديدة من الكعك الساخن الخارج للتو من الفرن. ما أن رآني حتى استيقظ في ذاكرته القصيرة ألف عفريت. أخذوا يتقافزون فصرخ: «كيف أخرجوك بهذه السرعة ؟ يا لهذه البلاد اللعينة التي لا يسري فيها أي قانون!». ولرغبة خفية ما أردتُ أن أتمادى في الأمر، فركلتُ الصينية مجدداً، ولكِ أن تتخيلي يا عزيزتي كيف انفجر ذلك البركان. لقد انتهى الأمر بقدوم الشرطة، ولكن بعد أن نال كل منا قدراً محترماً من الإصابات التي نجمتْ عن اشتباكنا بالأيدي. كنتُ دائماً أقرأ تلك الجملة في الصحف «اشتباك بالأيدي» وحان اليوم الذي أستخدمها فيه. اكتشفتُ وأنا أتلقى تلك اللكمة من قبضته أن ما من كلمة يمكنها أن تصف الغضب. لكن ذلك «الاشتباك بالأيدي» أهّل كلانا هذه المرة للذهاب إلى قسم الشرطة. حيث كانت المناوبة قد تمت واستقبلنا ضابط جديد لم يدرك خلفية الشجار. خصوصاً مع كل ذلك التوبيخ الذي تعرض له الجنود من الخباز. حتى أنهم خالوه ضابط أمن متخفي، ولم يفهم أحدهم شيئاً. أكثر من كونه شجار بين اثنين من الحمقى الذين لا يفوتون الصباح دون أن يعكروا صفو يومهم، وعندما تأكدوا تماماً أن ذلك الخباز ليس سوى خباز، وأن ظهره غير مسنود على أي حائط. انتهى الأمر بكلينا في الزنزانة نفسها. لكنها كانت حارّة هذه المرة، وكما هو الحال، فأنا لست من أنصار الاختلاء بالنفس أو التأمل، ولست بوذياً، ولكن ليس لدرجة أن يكون ونيسي خباز تشاجرتُ معه للتو. يفغر فاهه بشكل أبله وهو يرى نسختين من نفس الشخص الذي تشاجر معه مرتين. أحدنا نائم يحلم بالآخر وهو يراقبه أثناء نومه. صدقاً لقد جن جنونه. أما أنا فقد كنت في كامل استمتاعي بالأمر، ولأنها كانت مرتي الأولى؛ فقد رغبت في التمادي أكثر، فاستلقيتُ للنوم قرب نفسي رغم كل هذا الحر والعرق، وما أن بدأت تنتابه حالة الفزع اضطررتُ أن أشرح له الأمر كما شرحته لكِ الآن، ولكِ أن تتخيلي مدى الضياع الذي بلغه الخباز ذلك النهار. لقد كان الأمر أكثر بساطة مما حاولتُ شرحه. لكنه ما فتئ يتحول إلى أسطورة أفريقية، ولا تسأليني كيف استطعتُ أن أجعله يوقع على تلك الورقة، فهذا من قبيل المونتاج الذي أخبرتكِ عنه سابقاً. لقد كان هدفنا منذ البداية. منذ أن هشمنا أول قُلة، ففي الوقت الذي أُفرج فيه عن الخباز لينتقل بعدها إلى أم درمان… أقصد مستشفى «التيجاني الماحي للأمراض العصبية والنفسية». كنا نقوم أنا وأخي بإنزال تلك اللافتة على مرأى من جنود «بسط الأمن الشامل» لنعلق بدلاً عنها واحدة جديدة كتب عليها مخبز برسي