البحث عن العالم

كتب بواسطة: عبدالعزيز البرتاوي | في بروفايل . بتاريخ : Jun 15 2012 | العدد :89 | عدد المشاهدات : 3240

البحث عن العالم

نسخة للطباعة
في يوم لا أذكره تحديدًا، من أربعة أعوام مضت، وعلى طاولة مكتب عمليّ، ذي ملامح قاسية، يقبع ديوان رقيق، لشاعرة كذلك. لا أعرف سبب احتفاظي بديوان شعريّ قريبًا مني. ولا أعرف لماذا كان هذا الديوان تحديًدا، ولماذا كان اسم "ﭭيسواﭭا شيمبورسكا " مخطوطًا عليه. – كل هذا الودّ وهذه المتابعة وهذا الشغف بما تكتب ويعنّيني نطق اسمها وكتابته للحظة-. منذ ذلك اليوم، وتلك المتعة الأولى، لاكتشاف "موت جُعْل"، وهذا الديوان يصاحبني. طاف معي على الأرجح، أربعَ عواصم متفرّقة. ليالٍ طويلة، ونشرات أنباء صباحيّة زاخرة بالموت والقهر –ثيمة أساسية في النص الشيمبورسكي-.
الآن، في مساء الأربعاء، الأول من فبراير 2012م، تنتقل السيدة "ﭭيسواﭭا شيمبورسكا" إلى الضفة الأخرى من الحياة: الموت. معطية معنى مغايرًا لأبهّة وجلالة موت يسبقه المرض العنيف: نائمةً بهدوء طفلة تناهز التسعين عامًا. عاشتها تمانع "الظهور المجانيّ والشهرة الزائفة"، بحدّ قول وزير الثقافة البولندي في تأبينها. لتكون نوبل بالنسبة لها -1996م-، جائزة للنوعية على حساب الكمية، لمئتي قصيدة حقيقية، مقتضبة وقصيرة، كتبتها على مدى خمسين عاما، وتوزعت على تسعة دواوين شعرية لا غير.
تأتي اللغة البولندية في حيّز اللغات الأصعب عالميا، إذ تبلغ استثناءات النحو فيها أكثر مما تبلغه القواعد، وبأربعين مليون متحدث فقط. رغم كون ذلك لم  يمنعها أن تكون اللغة الرابعة في المحتوى المعرفي الحرّ "ويكبيديا"، تالية للانجليزية والفرنسية والألمانية، بينما تجيء لغة كالعربية، بكل ما لديها من إرث ونفط وعدد متحدثين هائل يقارب النصف مليار كلغة أولى وثانية، في المرتبة السابعة والعشرين للإضافة الموسوعية هنالك -0.3 فقط-. ومع ذلك، لم يمنع كلماتها –اللغة البولندية- إنتاج أربعة شعراء وروائيين بولنديين للعالم، يحوزون نوبل للآداب، كانت آخرهم الطفلة الراحلة للتوّ، من كراكوفا، في أقصى الجنوب البولنديّ.
عاشت الحياة كمسرحيّة مرتجلة، "لا أعرف الدور الذي سأؤديّه. أعرف فقط، أنّه دوريَ، الذي لا يتغيّر". عملت في البدء في سكة الحديد،  ثم طالبة في قسم الأدب البولندي، منتقلة عنه إلى علم الاجتماع، لتخرج آخرًا من الجامعة دون إكمالها، نظرًا للظروف المادية القاسية المواكبة لما بعد الحرب الكونية الثانية. ومن ثم لتصبح مهنتها الأولى: الشاعرة المهتمة بتفاصيل المجتمعات وتناقضاتها، دقائق الحياة، وشرذمة المجتمعات –بوصف خطاب نوبل-، ليمنع كتابها الأول، ثمّ ليروج الثاني، ثم لتخطب "جوته" ودّها بجائزة أولى، ونوبل في الثانية، والنمسا في الثالثة، ولتتوالي تكريماتها وقصائدها وقراءتها للكتب العديدة، والفلسفة وافرة الرؤى –كما يبدو في ثنايا نصوصها-، تحت زاوية معبرة الاسم: "قراءة غير إلزامية"، طيلة ثلاثين عامًا من "الالتزام" الكتابيّ والنقديّ، وإلى الرحيل أخيرًا دون تشويش ولا ضجيج، يقلق راحة جناب السيدة الشاعرة.
كثيرة هي الكتابات التي كتبت عن "شيمبورسكا "، واللغات التي ترجمت إليها قصائدها. مما يجعل كتابة المرء عنها ترفًا وإغراقًا في بحر واسع اللجّة، لولا الشعور بالدين العام، الامتنان الجسيم، لأناس كانت مهمتهم جعل هذا العالم أجمل، الكتابة عنه بما يشبه "هذا العالم المريع، الذي لا يخلو من مفاتن. لا يخلو من صباحات، تستحق أن يُستَيقظ من أجلها". ذلك الإحساس الذي خرج من جنوب بولندا، وغطّى ضفاف كثيرة للشعر والموسيقى، وتلالًا وغابات من المعرفة الخلابة.
جانب آخر في تجاعيد كفّ السيدة الراحلة، صالح للقراءة الدائمة: التزامها بأعنف ما يمكن للمثقف أن لا يتخلى عنه، مهما كان عِظم النقائص الشخصية، بحسب "غريب نوبل" الراحل مبكرًا، ألبير كامي: "عدم الكذب حول ما نعرف، ومقاومة الاضطهاد". وفي هذين الوصفين الفرنسيين –بوصفها مترجمة أولى للشعر الفرنسي للبولندية، بودلير خصوصًا-، تحوز "شيمبورسكا" وصف المثقف المسؤول، غير المتخلّي عن شطوبات مرآة العالم، ولا عن تلمّس مكامن النزف فيه، هي التي كتبت عن "الحرب والإرهاب" كثيمة أولى، وهي التي تراجعت عن قصائد كتبتها مديحًا في طغاة المنابر الحمراء، أثناء احتلال وارسو، قائلة أنّها لا تنكر قصائدها تلك، لكنّها تطلب السماح من قرّاء شعرت فيما بعد أنها خانتهم.
عاشت ببساطة شاعرة. وخصوبة فلاحة. وحكت برقة جدّة لا تنسى حكاياتها. ومرارًا صارت تشبه الرجل الذي قالت عنه مرّة: "عمل لنفسه كمنجة زجاجيّة، لأنه أراد أن يرى الموسيقى". وأعتقد جازمًا –كما رآها النقاد الذين أطلقوا عليها "موتسارت" الشعر-، أنها رأت الموسيقي، تذوّقتها، غنّتها عبر قصائدها، وعزفتها بصوت أعلى مع فرقة نوبل، لتقول آن الحفلة تلك: "إنّ الشعر غاية إنسانية بالدرجة الأولى، ويكفيني فرحاً أن أستمرّ في كتابة الشعر حتى مماتي".
لم تتوقع بقاءً طويلاً. 90 عامًا فقط، لم تثر سأم الحياة. عاملت الحياة كما دور يؤدّى ارتجاليًا، ويشبه حين التكلف "القيء". لذا أعتقد الآن أنّها لا تأسى على رحيلٍ، لم يكلّفها عناء أن تستيقظ من نومها حتى، لتصافحه أو تودعه: "من المتوقع أن يكون/ اليومُ التالي مشمسا/ لكن المظلةَ ستكون مفيدة/ لمن سيبقون على قيد الحياة".