«جلال عامر» مظاهرة أفضت إلى الموت

كتب بواسطة: محمد سيد بركة | في بروفايل . بتاريخ : Jun 15 2012 | العدد :89 | عدد المشاهدات : 3023

«جلال عامر» مظاهرة أفضت إلى الموت

نسخة للطباعة
"المصريين بيموِّتوا بعض".. كانت هذه آخر كلمات نطق بها الكاتب المصري الساخر جلال عامر قبل أن يصاب بأزمة قلبية أثناء مشاهدته المواجهات التي وقعت بين الرافضين لبقاء المجلس العسكري والمؤيدين له، بمنطقة رأس التين بالإسكندرية يوم الجمعة العاشر من فبراير 2012، والتي نقل على إثرها للمستشفى، حتى غيَّبه الموت فجر يوم الأحد 12فبراير عن عمر يناهز الستين عاما. "لو أعرف مصر رايحة فين كنت أركب معاها".. كلمات ساخرة كتبها جلال عامر الذي يعد أحد أهم الكتاب الساخرين في مصر والعالم العربي، كما يعد صاحب مدرسة في الكتابة الساخرة التي تعتمد على التداعي الحر للأفكار والتكثيف الشديد. يقول المقربون منه: إنه كان شخصا هادئا مرحا، دؤوبا في العمل ومنظما، بينما رأى جمهوره فيه امتدادا لمدرسة الكاتب الساخر الراحل محمود السعدني.

ولد مع ثورة..
ومات مع ثورة
وُلد الراحل مع ثورة يوليو 1952، وتخرج في الكلية الحربية، وكان أحد ضباط حرب أكتوبر 1973، ويحسب له أنه كان ضمن أبطال الفرقة التي نجحت في تحرير مدينة القنطرة شرق، كما شارك في حرب الخليج، ودرس القانون في كلية الحقوق والفلسفة في كلية الآداب. وعن مشاركته في حرب أكتوبر يقول : كانت حلما تحقق.. ثم راح بعدها، بسبب الانفتاح والصلح مع إسرائيل، المثقفون والغلابة ورجال الأعمال، كلهم ذهبوا وراء حلم الانفتاح، وكانت النتيجة ما نعيشه الآن، لكن رغم ذلك هناك حقيقة لا يمكن أن ينكرها أحد، وهي أن جيش أكتوبر هو الراعي الرسمي لثورة 25 يناير.. فحافظوا على كرامة الشعب وهيبة الجيش لصد الهجمات المضادة! فنحن دخلنا الحرب، وليس كما يعتقد البعض، بهدف عسكري فقط، فشعب مصر كله حارب.. وكنا نتمنى الانتصار على العدو لتحقيق التحرير في الخارج.. والعدل في الداخل , الهدف الأول تحقق، لكن العدل لم يقم حتى الآن، ولذلك أقول: إن الحلم راح، جاءت القطط السمان وكانت النتيجة أن النصر ورثه من لم يصنعه.. باختصار : لم تبق سوى حلاوة النصر ومرارة النتيجة بعد سنوات من النصر تغيرت الدنيا بسرعة.. ولم يعد زمان المقاتلين، فقد ابتعد السادات عن فقراء المصريين، وأنشأ الحزب الوطني على أنقاض حزب مصر ثم على أنقاض مصر نفسها.. وارتفعت أسعار الأكل، وانتقلنا من ابنك يقول لك يا بطل هات انتصار إلى أمك تقول لك لو بطل هات الخضار.
وبعد تقاعده من الجيش توجه للكتابة في صحيفة حزب التجمع اليساري في الإسكندرية، وأطلق مقاله الأسبوعي في صحيفة الأهالي الناطقة بلسان حزب التجمع في القاهرة. كما أصبح كاتبا لعمود يومي في صحيفة البديل اليسارية التي أصدرها الكاتب الراحل محمد السيد سعيد، كما كتب عمودا في صحيفة الدستور وفي صحيفة القاهرة الأسبوعية التي تصدر عن وزارة الثقافة المصرية، إلا أنه استطاع أن يصبح أكثر انتشارا إثر نشر مقالته اليومية في صحيفة المصري اليوم..

من أم البلاد
إلى أم الفساد؟
صدر له كتاب تحت عنوان: مصر على كف عفريت، الذي يصفه بكلماته الساخرة: هو محاولة لبحث حالة وطن كان يملك غطاء ذهب فأصبح من دون غطاء بلاعة.. لماذا؟ وكيف؟ ومع ذلك ما زلنا نحبه. فقد بدأت مصر بحفظ الموتى، وانتهت بحفظ الأناشيد، لأن كل مسئول يتولى منصبه يقسم بأنّه سوف يسهر على راحة الشعب، من دون أن يحدد أين سيسهر وللساعة كام؟ في مصر لا يمشي الحاكم بأمر الدستور، بل بأمر الدكتور، ولم يعد في مصر من يستحق أن نحمله على أكتافنا إلا أنبوبة البوتاجاز، فهل مصر في يد أمينة أم في إصبع أمريكا أم على كف عفريت؟..
صفحات الكتاب محاولة للإجابة عن هذا السؤال الذي يفجر الضحكات على واقعنا المر. نكتشف في الكتاب أنّ المؤلف كان ضابطاً في الجيش، خاض ثلاث حروب ضد إسرائيل. لكنّه يخوض الآن حرب الثلاث وجبات. إذ يخرج المواطن لشراء الخبز وقد يعود أو لا يعود بعد معركة الطوابير.. ثقافة المؤلف واضحة طوال صفحات الكتاب، عبر الإشارة إلى أفلام عالمية وروايات يقارن بينها وبين أوضاعنا. إذا كان كازنتزاكيس كتب روايته "المسيح يصلب من جديد"، فإن مصر تكتب روايتها "المصري يغرق من جديد"، في إشارة إلى حادث غرق 1030 مصرياً في البحر الأحمر في مركب أحد رجال الأعمال. ويكتب جلال عامر أيضاً عن زيارة مبارك لقبري جمال عبد الناصر وأنور السادات، وهي الزيارة السنوية التي كان يحرص عليها، متخيلاً ما الذي يمكن أن يقوله أمام قبر كل منهما. هكذا، سيقول أمام قبر عبد الناصر: طبعاً إنتَ عارف أنا لا عايز أزورك ولا أشوفك بس هي تحكمات السياسة اللعينة. حد يا راجل يعادي أمريكا؟ ويحارب المستثمرين. على العموم إرتاح. أنا بعت كل المصانع إلي انت عملتها، والعمال إللي انت مصدعنا بيهم أهم متلقحين على القهاوي.... وأمام قبر السادات، سيقرأ الفاتحة ثم يمسح وجهه وينصرف. هذه الحكاية تلخّص فعلاً ما أصاب مصر من تحولات، وتجيب عن سؤال: كيف تحولت من أم البلاد إلى أم الفساد؟.. كما صدر له كتاب آخر تحت عنوان: استقالة رئيس عربي..

كتابات أخرى
وللراحل كتابات أخرى تعكس كيف عاش محبا لوطنه، ثائرا بكلماته، يعكس بقلمه مشكلات مصر في سخرية لاذعة ذات مغزى فكري عميق، وهي الوسيلة الأسرع للوصول للقارئ، الذي لا يملك إلا رسم الابتسامة على شفتي من يقرأها، مما جعل محبيه يلقبونه بأمير الساخرين.
يقول جلال عامر: السخرية هي قدرة على رصد التناقض والإمساك بها من خلال موقف صحيح , وبالتالي السخرية بدون موقف صحيح تبقى تهريجا , وكثيرون يعتقدون أنني أؤلف الحكايات التي أكتبها رغم أنها والله العظيم حصلت معي فعلا.. فأنا مثلا دخلت انتخابات مجلس الشعب من كام سنة وأعطيت واحدا من العيال بتوع زفة الانتخابات اسمه شعبان صورا كثيرة لي وقلت له علقهم في الشوارع.. فأقسم لي إنه حيعلقهم , لكن بعدها كل ما أعدي في شارع وأدور على أي صور لا أجدها , طبعا حسب نظرية المؤامرة قلت أكيد المنافسين قطعوها لكني اكتشفت إن الواد شعبان مبيعرفش القراءة والكتابة وبعد ما علق أول صورة قالوا له ده واحد من المعارضة , فقال بلاش مشاكل وراح معلقهم في الزريبة.. فكتبت مقالا قلت فيه: إنني حصلت في الانتخابات على 500 صوت خروف!!
وعن حكاية الفرح الذي أصيب فيه قال: أنا حاربت في أكتوبر 1973 ورأيت الموت بعيني عشرات المرات، وحاربت في حرب الخليج وأيضا شاهدت الموت بعيني، لكن شاء الله أن الرصاصة الوحيدة التي أصبت بها كانت في فرح شعبي، يا ابني كما قلت لك العبرة بالخواتيم وربنا فقط هو الذي يحدد نهاية كل واحد، لقد كان عندنا مقدم أيام حرب أكتوبر سنة 1973 مسئول عن زراعة الألغام، كل يوم يزرع ألف لغم، وهي مهمة خطيرة جدا، ورغم ذلك كان ينجو بقدرة الله، وبعدما هدأت الجبهة كان يقف يصطاد سمكا عند القناة فوقع في المياه.. ولأنه مبيعرفش يعوم غرق!
رحل من قال: فضحت السماء فساد أهل الأرض.. وإذا كان الكفن ليس فيه جيوب فإننا نذكرهم أن جهنم أيضاً ليس فيها مراوح، رحل من قال: لا تيأس فرغم قصص الفساد التي نقرؤها يومياً في ألف نيلة ونيلة فأنا متفائل، وعندي أمل كبير شايله فى الدولاب. رحل وهو يرى المصريين يقتلون بعضهم بعضا بعد أن كانوا يموتون دفاعا عن بعضهم