حرب العراق.. المهمة الفاشلة

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الجهات الاربع . بتاريخ : Jun 15 2012 | العدد :89 | عدد المشاهدات : 2772

حرب العراق..  المهمة الفاشلة

نسخة للطباعة
باتريك بوتشانان
ترجمة/ حسن شعيب

بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق يَعتبر الجيش والبحرية الأمريكية- اللذان قُتل من جنودهما 4500، وأصيب أكثر من 30 ألفًا آخرين، كثيرون منهم أصبحوا معاقين- أن أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة قد وضعت أوزارها.
نعود إلى أول مايو عام 2003, على متن حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" حيث وقف الرئيس السابق جورج دبليو بوش متحدثًا إلى جنوده، وخلفه لافتة ضخمة تعلن أن "المهمة أُنجزت", ونتساءل: هل أنجزت المهمة حقًا؟

انفلات أمني
جريدة واشنطن بوست, الداعمة للحرب, أجابت على هذا السؤال (بالنفي الضمني) قائلة: "لا يزال تنظيم القاعدة ينفذ هجماته, وكذا المد الإيراني في العراق, ونشب صراع على السلطة بين شمال العراق المحكوم من الأكراد وحكومة مالكي, بالإضافة إلى شعور مزيد من العراقيين بالقلق- بعد رحيل القوات الأمريكية- إزاء إمكانية استئناف العنف الطائفي الذي اجتاح البلاد بين عامي 2002 و 2007 ".
حتى هذه اللحظة, لم يرجع جميع الأمريكيين من العراق, وما زال هناك 16 ألفًا باقون في القلعة الضخمة التي توجد في السفارة الأمريكية والقنصليات المحصنة في البصرة وأربيل وكركوك, وقد استعدت هذه الأماكن الأربعة بحيث اكتفت ذاتيا, حتى يتسنى للجنود الأمريكيين الإقامة فيها بأمان بعد كشف وول استريت جورنال "أن الوضع الأمني في شوارع العراق محفوف بالمخاطر".
لذلك تلاحظ أن في كل وظيفة دبلوماسية أمريكية في العراق يتجاوز عدد أفراد شركات الأمن الخاصة عدد الموظفين (خمسة آلاف منهم لتوفير الحماية وتأمين السفر فحسب)، ومنه تحذير السفير الأمريكي جيمس جيفري من المخاطر التي سيتعرض لها الدبلوماسيون الأمريكيون الباقون في العراق حينما قال: "إذا ما أردنا النزول إلى السوق الاقتصادية في العراق للانخراط في المجتمع العراقي بأي وسيلة بارزة فسيكون من الصعب للغاية حماية مواطنينا". كما ذكرت قناة "إن بي سي" التلفزيونية الأمريكية مؤخرا, أن خمس عربات محملة بأفراد بلاك وتر كانت ضرورية لتوصيل مدرسين أمريكيين لحضور اجتماع في فندق بالعاصمة بغداد.
إذا كان المشهد كذلك بعد مرور أكثر من ثماني سنوات على الإطاحة بصدام حسين وتدخل أمريكا في تكوين حكومة عراقية ديمقراطية, فما هو نوع الانتصار الذي حققة الأمريكان إذا كان دبلوماسيوها يخشون على حياتهم إلى هذه الدرجة؟
هل حقا, استطاع الأمريكان أن يكسبوا عقول وقلوب الشعب العراقي, في حين أنهم يقومون بإحراق العلم الأمريكي في الفلوجة للاحتفال برحيل القوات الأمريكية؟ ولماذا يهتف العراقيون فرحا برحيل الأمريكان بينما لم يفعلوا ذلك مع رحيل الطاغية صدام حسين؟ بل وما الذي حققته الولايات المتحدة سوى مزيد من انتشار الكراهية لأمريكا وتعريض دبلوماسييها وحياتهم للخطر الدائم؟

ركض وراء السراب
يقول فريد كيجان, أحد المحافظين الجدد المتحمسين للحرب على العراق: "كل من يعتقد أن الأمور ستسير على ما يرام بعد الانسحاب فهو واهم ويجري وراء سراب. إن إدارة اوباما تفتقر إلى استراتيجية حقيقية, كما يفتقر النظام في بغداد إلى القدرة على تأمين  المصالح الأساسية للولايات المتحدة في العراق. ومن ثم لن يتمكن النظام الجديد من الحفاظ على الدولة وعدم تعريضها للانهيار, أو وقوع حرب أهلية, ومكافحة تعاظم التأثير الإيراني الشيعي. بالإضافة إلى أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قام بتفكيك المجتمع العراقي متعدد الأعراق عبر التسوية السياسية الطائفية", وبهذه الطريقة تكون كل الإنجازات التي تدعي الولايات المتحدة تحقيقها طوال تسع سنوات من الاحتلال للعراق في خطر.
وحتى بفرض أن هذه الكوارث التي ذكرها كيجان لن تقع في العراق, فما معني أنه لا يوجد حماية وضمان لهذه الإنجازات؟ وما نوع الانتصار أو المهمة التي أنجزتها الولايات المتحدة في العراق؟ وما الذي أنجزته القوات الأمريكية في الحرب التي أزهقت دماء الكثيرين من الشعب العراقي, فضلا عن الخسائر الأمريكية؟
هل حقا استطاعت الولايات المتحدة أن تحقق ما قاله الرئيس أوباما لقواته في قاعدة فورت براج: "سوف نرحل تاركين وراءنا العراق دولة ذات سيادة ومستقرة ومعتمدة على ذاتها من خلال حكومة تم انتخابها بواسطة الشعب"؟
الواقع يقول إنه لم يبق في العراق سوى دولة ممزقة تتقاتل فيما بينها, فالأكراد يسعون حثيثا نحو الاستقلال عن بغداد, والمالكي يذيق السنة ويلات القمع والتهميش والحرمان كي لا تقوم لهم قائمة أو يعودوا من جديد إلى الحكم أو حتى المنافسة على السلطة.
قد تكون الولايات المتحدة خُدعت حينما اعتقدت أن صدام حسين يملك أسلحة دمار شامل جاهزة للاستخدام, وأنه الشخص الذي يقف وراء أحداث 11 سبتمبر, لكن ما يثير الدهشة حقا, أنه برغم تخطيط بوش وشركائه لشن هذه الحرب على العراق منذ 11 سبتمبر, إن لم يكن قبلها, إلا أن أحدًا لم يفكر فيها قبل البدء, لذلك قال جون ماكين: "تقريبا, كانت هذه الحرب ضياعا".
الأدهى من ذلك أن صقور الحرب في الولايات المتحدة يريدون العودة من جديد لمستنقع آخر من خلال تقديم حجج وذرائع هاوية ومماثلة جديدة عبر خوض حرب ضد إيران.