الكتب .. تقود إلى الحريّة

كتب بواسطة: نورة سعد الشريف | في الملف . بتاريخ : Jun 15 2012 | العدد :89 | عدد المشاهدات : 2634

الكتب .. تقود إلى الحريّة

نسخة للطباعة



نحو الخلود:
"ربما وجد الإنسان الذي يعاني من الفناء، ويتطلع إلى الخلود حيلة في "القراءة" تجعله خالدا. يقرأ الماضي ويطلع عليه ويقدم فكره وتجربته لمن بعده ليبقى حيا، وبذلك يرى ما لايراه الآخرون".
بمثل هذه السلاسة الفائقة يعرض لنا القراءة، المولع بها وأستاذها العالميّ الجنوبي الأرجنتيني: البرتو مانقويل .

قبل الخلود بقليل:
ولد مانقويل، الأرجنتيني الأصل في بيونس آيريس في العام 1948م, لكنه  نشأ  وترعرع في فلسطين المحتلة، حين انتقل إليها يافعا مع والده الذي عيّن أول سفير لبلاده لدى إسرائيل. لم تكن هذه النشأة ذات أثر كبير أو قليل حتى على مانقويل,   حيث كانت نشأته المؤثرة في بيونس آيريس التي شهدت بذرة موهبته الأول.
عاد في وقتٍ لاحق إلى الأرجنتين, وعاش مراهقته فيها، حيث شكّلت إلى حدٍ كبير اتجاهاته الفكرية، ففي  العشرين من عمره تفتقت ثورته الشبابية فشارك في النقابة القومية الوطنية في بيونس آيريس يشاركه فيها  نخبة من مفكري الأرجنتين البارزين أمثال المؤرخ ألبرتو سالاس، والباحث سرفانتس ليرنر أسياس والناقد الأدبي إنريكي بيتسوزني.
مع الخلود:
بين العامين (1964-1968) م، التقى مانقويل بورخيس، الكاتب ذائع الصيت والمعرفة حين ذاك، يروي عن نفسه قائلا: "داومت على لقاء المثقف خورخي لويس بورخيس حيث كنتُ أعمل بعد المدرسة في المكتبة الأنجلوألمانية, ألتقيه كقارئ له في الحين الذي أصابه العمى, كان يقرأ الكتب من خلالي منصتًا لما أقول". ومن خلال هذه اللقاءات تشكلت اهتمامات وميول مانقويل. لينتج كتابًا كاملا عن ذلك، ويحصّل مكتبة كاملة لكتب تحمل تهميشات وحواشي الأديب الكبير، الذي كان خطأ نوبل أنها لم تحصده.

جامعي معطّل :
تخلى مانقويل عن صفوف الدراسة الجامعية بعد عامه الأول فقط, لكنه سرعان ما تدارك تعثّره الجامعي ملتحقا بركب الصحافة، حين ولجها  محررا لدى عدة صحف لعلّ أبرزها: الـ غاليرنا وغليرمو شافيزلون والتي أسست لاحقاً وبعد خمسة وثلاثين في برشلونة  تحديدا دار نشر، لتصبح وكيلا لأعمال مانقويل الأدبي.

المهنة: قارئ:
لم تعرف حياة مانقويل الاستقرار فقد كان يتنقّل بصفة دائمة, في العام 1969م  سافر مانقويل إلى أوروبا و عمل كقارئ أو مدير نصوص لشركات النشر المختلفة متنقلا بينها أمثال : دينول، و دار غاليمارد, وليز ليتريس نوفيليس في باريس، وكالدر وبويارس في لندن.
هذا العمل شكّل المصب الرئيس والمرجع الأهم لولع  مانقويل في القراءة وانكبابه عليها.

السفر من أجل القراءة:
في أوائل السبعينات أثناء هذه المدة وكصحفي متنقل بين باريس ولندن ُمُنح جائزة: بريمو لانيشن عن مجموعة قصص قصيرة استحقّها مناصفة مع الكاتب برناردو شافيتا.
في عام  1972م عاد إلى بوينس آيريس, كمراسل لصحيفة  لانيسيون, وبعدها بعامين أي في العام 1974م تعرض عليه وظيفة" محرر أجنبي"، في  دار نشر تدعى فرانكو ماريا ريتشي في ميلانو بإيطاليا, وفي هذا المكان تحديداً قابل جياني قوادالوبي الذي ألف معه لاحقا: قاموس الصور المتخيلة أو الخيالية.
الكتاب دليل سفر إلى الأراضي الخيالية, والجزر والمدن والمواقع من الأدب العالمي متضمنة: أماكن عديدة ربما يكون أهمها أماكن الرواية العالمية أليس في بلاد العجائب".
في العام 1976م انتقل مانقويل إلى تاهيتي، وعمل محرراً لدى صحيفة لزايدشن دي باسفيك، واستمر يعمل هنالك حتى العام 1977م, ثم عمل لنفس الشركة في باريس لمدة عام كامل أيضا.

كانت حياة مانقويل لا تعرف إلا الترحال, في أوائل الثمانينات وتحديدا العام 1982م انتقل إلى تورنتو في كندا وعاش هنالك فترة وجيزة في أوربا، أثرى خلالها مانقويل العديد من الصحف  مساهماً بانتظام في الملحق الأدبي في التايمز وغلوب أند ميل وصحيفة سيدني وواشنطن بوست وسفسكا داقبلا ديت وصوت القرية ومراجعة بعض الكتب والمسرحيات لهيئة الإذاعة الكندية.  

حكاية القراءة:
ألف البرتو مانقويل كتابة تاريخ القراءة، لينقله للعربية سامي شمعون عن دار الساقي عام 2001 م, -ترجم ترجمات أخرى قبل ذلك في التسعينات-، بصفحاتٍ تجاوزت الثلاثمائة. هذا الكتاب استعراض لتاريخ القراءة, بالاعتماد على أسلوب القراءة الاستقرائية، بموضوع فريد ومختلف عن بقية الكتب، مُقتفياً تاريخ أولئك الذين شُغفوا بقراءة الكتب عبر التاريخ, والذين كان لهم الفضل في جمع تلك المواد، رغم كل الآلام والمشاق التي تصادفهم.
يتطرق مانقويل إلى طقوس القراءة التي مهدت لحضارات مختلفة، فلكل قاريء طقوسه ولكل كتاب أوراقه وتغليفه وتجليده,  وتطور ذلك عبر التاريخ  متدرجا من الخصوص نحو العموم. ولم يكتفي بهذا فقد استعرض تاريخ قراءة الصور كطقس من الطقوس المسيحية القديمة، كما تحدث عن كون السومريين في سوريا والعراق هم أول من بدأ القراءة, مناقشًا كيف كانوا  يتعلمون ويكتبون في ألواحهم الصلصالية.
كما تحدث عن أنواع القراءة الجهورية، والقراءة الصامتة والقدرة على حفظها، وهي قدرات مذهلة  للفرد القارئ وغير القارئ. ثم ذكر كيف كانت القراءة وتعلمها مقصورة على المجتمع المسيحي الارستقراطي ويعرض في الكتاب مطولا: كيف تطوّر تعليم القراءة حتى إنشاء المدارس في القرون الوسطى .

حياديّة القراءة:
في كتابه أيضًا استعرض عدداً من تجارب العلماء المسلمين وولعهم بالقراءة، في صور متخيلة أحيانا، ومرسومة في صور قديمة أحيانا أخرى. لكنه لم يذكر عنهم أيّ شيء بعد القرن السابع الميلادي، وهذا يحتاج إلى بحث جاد وطويل ومنصف أيضاً.
وأياً يكن من أمر فمانقويل  يعتمد بشكل كبير على المصادر الثانوية والجامعية في كتابه ذائع الصيت، مما يجعله نادرا ما يرجع إلى مراجع عالية التوثيق.
يختتم مانقويل كتابه أنه ومهما كان القاريء قد قرأ من شتى الكتب ونهل من مصادر المعرفة وأمهات الكتب، فتاريخ القراءة لديه يبدأ مع أول حرف قرأه.

القراءة في الليل:
"الكلمات تستطيع أن تجعل مقعدا يمشي والأعمى يرى, الكتب تقود إلى طريق الحرية". في عمله الجديد: "المكتبة ليلاً"، الذي طبعته مطبعة جامعة بيل. يعرض مانقويل كيف يقضي لياليه مزدحما بحكايات بارزة، أو جديرة بالذكر، للقراءة كمنتشلة ومبهجة للقراءة, في وقت يستغلّ الخوف من الاستبداد الآخرين والعالم، نجده قابعا في مكتبته. هكذا  يقضي البرتو أوقاته.

القراءة في النهار:
في وداع الألفية الثانية، انتقل مانقويل إلى منطقة بواتو شارانت الفرنسية، حيث يقيم هو وزوجته، حيث اشترى قصرًا ينتمي إلى القرون الوسطى. وأثناء تجديده أقام مكتبته الخاصة به، والتي تحوي أكثر من 30000 كتاب ووثيقة. وفي بداية الألفية الثالثة حصل مانقويل على الدكتوراه الفخرية من جامعة لييج.
القراءة دائمًا:
هاهو مانقويل مستمراً في عطاءه الثقافي المتصل رغم أعماله وتنقلاته، كاتباً ومحاضراً -جُمعت بعض محاضراته فيما بعد ونُشرت  باسم: مدينة من الكلمات-.
في عام 2008م، كُرم البرتو مانقويل في مركز بومبيدو في باريس, كجزء من احتفالاتها بالذكرى السنوية  لانطلاقتها الثلاثين، بدعوته إلى وضع برنامج لمدة 3 أشهر طويلة من المحاضرات والأفلام والموائد المستديرة.
ولازال يكتب بصفة منتظمة مقالاً لمجلة قيست.

بعد الخلود بقليل :
ألف مانقويل مجموعة من الكتب تاريخ القراءة, ويوميات القراءة, ورحلة إلى الأماكن الخيالية, ومع بورخيس, وأمهات وبنات، وقصص من البطريق، ومدينة الكلمات. فاز بجوائز عديدة  عبر نضاله المعرفيّ: كاتبا ومثقفا وصحفياً