الأماسي

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في طفولة قلب . بتاريخ : Jun 15 2012 | العدد :89 | عدد المشاهدات : 3742

الأماسي

نسخة للطباعة
نادي الأصدقاء يزخر بتاريخ من الوفاء والحب والذكرى ..
ويزخر بالعجائب أيضاً .. الأرض والقمر والشمس كانوا أصدقاء لطفل من القرية تعرّف عليهم تدريجياً كما يتعرف على أولاد الجيران ..
الأصدقاء الكبار الأوفياء .. الشمس والقمر والأرض .. وبقية أفراد المجموعة.
جيران تفصلهم آماد ضوئية .. ورفاق مسخرون دائبون بلا فتور.
وحدها الأرض، أو تكاد، تحظى بميزات الحياة الإنسانية وتزخر بخيراتها.
الحس والعقل والقلب والانفعال هي كواكب الجسد الصغير، والجسد هو بناؤها المادي المحكم.
أيها العقل ..
ماذا تعني لك الشمس؟
الحياة ؟
الضوء؟
الدفء؟
الحركة؟
الجمال؟
هل شمس الغد هي شمس اليوم؟
أم تغيرت ؟ وتغيرت العين التي تنظر إليها؟
أيها القلب ..
على أي أمسية يتسارع نبضك؟
على أمسية الذكرى؟
أم أمسية الحب؟
أم أمسية الجرح والآه؟
أيتها الروح .. ماذا يعني لك الليل والنهار؟
مهما ضج النهار بوجوه الأحبة والشركاء والناس الذين تزدحم بهم الحياة، فالليل موعد للقاء بأرواحنا، بأسرارنا المخبوءة، بأشواقنا الأزلية، بمخاوفنا العابرة..
حين أتفاءل أقرأ كل ما حولي بعيون مشرقة ..!
ها هي الشمس تصفر وتضعف فتؤثر الغياب، لتجدد ذاتها .. وتطل من جديد .. من أفق آخر!
هل الغروب نهاية؟
كلا
هو بداية لآخرين، تجرد من أنانيتك لتعرف معنى أن يلفك الظلام لتعير أشعة الشمس لأخيك.
- تنوع حيوي أخاذ، يأخذ منك الليل ليعطيك النهار، ويأخذ الشمس ليعطيك القمر!
أي شعور ينتابك وأنت تنغمس في حمرة الشفق المعتمة، والليل يلف رداءه الأسود حولك؟
هذا ما تقرره حالتك الخاصة.
الصبي الذي كنتُه
 يحب لحظة الغروب ويقف أمامها مذهولاً متأملاً متسائلاً إلى أين تذهب هذه البرتقالة الجميلة ؟
يسعد قليلاً بالمنظر الأخاذ لتأخذه المخاوف من الليل المظلم
والحلكة تغشى منازل القرية
لا جمال يدوم ولا خوف يدوم، فحكايات الأم وأغانيها الجميلة ومجلسها الحميمي على (صحن المرقوق) يعيد الأنس والبهجة إلى روح تعشقها.

فَمَا يُديمُ سُرُورٌ ما سُرِرْتَ بِهِ        
وَلا يــَرُدّ عَلَيكَ الفَائــِتَ الحَـزَنُ

كان يخاف من الليل وتنتابه الكوابيس المزعجة أحياناً، وتستعيد ذاكرته قصص الجنيات والسعالي، وتنشط النفس اللوامة لتضع بين ناظريه مظالمه التي ارتكبها عنوةً بحق طفل أعمى ضربه على غفلة، أو كذيبة .. أو قطعة حلوى اختلسها من الدكان دون استئذان!
كان طفلاً جديداً يستأثر بالعاطفة والاهتمام والأحضان ..
يمضي الزمن
والعجوز تستعيد ذكرياتها وتقص على أحفادها عبر الحياة وهي ترتشف قهوتها المرة وتستذكر شريك حياتها الذي تربّع على عرش قلبها وبقي مكانه لآخر لحظة، لآخر نفس .. ضحكاتها تعبر عن ذاكرة تستجمع الأماسي الأولى التي ظلت تتجدد كلما قدم من سفر أو غربة، أو رضي بعد هجر وإعراض!
سعداء كنا قانعين
بذلك القصص الحزين
لأنه قصص النساء!
الفتى يطوف في الحقل ليكتشف أن الأشجار والأزهار والحيوانات تنام في الليل، وأن تغريد العصافير يتوقف.
وحده حفيف الأغصان حين تحركها الريح وأصوات (صرار) الليل حين يحك إبطه هو ما يملأ فضاء الصمت.
تعود الطيور إلى أعشاشها والناس إلى بيوتهم ويسمع التائه خفق قلبه ويصغي لأنين روحه.
أما المراهق فقد أثقله الخوف من المجهول وتسارعت إليه أوهام المرض ..
وصار يعدّ الليل ملجأ للحزانى ليذرفوا دموعهم بصمت دون أن يسمحوا لأذن أن تلتقط نشيجهم، أو لعين أن ترى حمرة خدودهم وبلل عيونهم وهم في انتظار ساعة الرحيل؟
مساء الجرح الذي يتمرد في الظلام.
يتجاوز مخاوفه ويمضي بخلاف ما كان يظن أن تسير به الحياة .. يغدو شاباً متطلعاً متحفزاً للعيش، هانئاً بالنعمة.
أشعة الشمس المنكسرة تضرب جانب غرفته الخاصة، وتنعكس على الزجاج والألواح، وأغصان الشجرة حين تحركها الريح تتمايل ظلالها وكأنها ترقص بفرح وتغني للحياة
هي قراءتنا النفسية إذاً للأحداث والأشياء!
مساءات حالمة كأنها الغيوم المثقلة
تمطر الفرح والأحلام والقبل والأمنيات!
خوف الليل يتحول عند الكهل إلى صداقة مع الغروب وانتظار لما وراءه
هل غروب الشمس يوحي بالحَزَن؟
- انتظار الغروب في الصيام فرحة مضاعفة ..
- لحظات الإجابة يوم الجمعة تسبق الغروب حين تكون الأرواح في أسمى تجلياتها وهي تناجي مبدع الحياة وصانع القدر.
- التهيؤ النفسي لسهرة جميلة في حديث عذب، أو سمر محبب أو خطة أو مشروع، أو درس أو محاضرة.
 أو فسحة شواء على النار مع حبيب أو صاحب
والخوف يتحول أيضاً إلى حافز " عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل"
"ومن خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل".
غروب الشمس صار يعني فضاءً جديداً حافلاً بالمشاعر، وسماءً تتلألأ بنجومها وبهمس قمرها.
القمر كالشمس من مجموعتنا ألوانه تشعل الجمال في وجودنا
إشراقاته تحدد شهورنا، هو زينة السماء، وسلوة الأرض تراه سهران مع المحبين والمتألمين.
يوم حزين يوشك على الرحيل .. إذاً فلنقرأ المسافة التي تفصلك عن ألمك ..
مساء الطهر يفوح شذاه في أرجاء المكان .. يستفز الروح للصحو
لا بأس ولا يأس ولا تأس ..
أرأيت عتمة الليل حين تشتد فيجلوها النهار؟
أرأيت عثير الغبار كيف يعقبه المطر؟
أرأيت حر الصيف يتلوه الربيع؟
هل صدقوا حين قالوا: إن قرارات الصباح لنا، أما مشاعر المساء فهي نتائج قراراتنا الصباحية؟
لنختر إذاً قرارات الصباح بعناية لأنها زنزانة اليوم الواحد الذي قد يطول!
لماذا أسمح ليوم أن يمر متثاقلاً حزيناً بسبب قرار متسرع في الصباح؟
ربما قضى يومه عابداً يمضي مع الذكر، ويقرأ قصة الصبي إبراهيم "فلما جن عليه الليل رأى كوكباً .."
ذهن يتفتح للملكوت وكأنه يرى الكون للوهلة الأولى فيتساءل باهتمام .. وينتقل من الأجرام إلى خالقها ..
يمضي فيجد الليل مُستَقَراً تهدأ فيه النفوس والأرواح، ولباساً يستر ويخفى ويجمع، وسكناً تعود النفوس فيه إلى ذاتها، وتلتف الأسرة حول رباطها، ويأنس الحبيب إلى حبيبه
أو كان شاعراً يتأمل على سنة الشعراء .. ابن الرومي يصف الغروب :

وظَلّتْ عُيونُ النَّوْرِ تخضَلُّ بالندى           
كما اغرورقتْ عينُ الشجيِّ لتدمعا

والرصافي في لاميّته التي حفظها في درس النصوص، أو أبو ريشة الذي أحبه، وأخيراً ابن بلده: طاهر الزمخشري
مساء القلم حين ينزف ..
مساء الورق حين يأوي إلى حضنك بارتياح.. ويهامسك باهتمام.
أو كان أباً يجمع شتات نفسه في مساء جميل .. يتلفت حوله فيرى وجوهاً يحبها لأنها قبس من روحه، وهي امتداده حين يطويه الأجل
علينا أن نحاول أن نرى الحقيقة كما هي، وحين لا نفلح فلنتذكر أن العين ترى نفسها في المرآة معكوسة .. !

أيها ذا الشاكي وما بك من داء
كن جميلاً ..  ترى الوجود جميلا