قراءة ضعيفة .. ماذا نصنع ؟

كتب بواسطة: حسين محمد القرني | في الملف . بتاريخ : Jun 15 2012 | العدد :89 | عدد المشاهدات : 5473

قراءة ضعيفة .. ماذا نصنع ؟

نسخة للطباعة
إذا صدقت الأرقام التي تتحدث عن أن معدل ما يقرؤه الفرد في العالم العربي هو ست دقائق فقط فإن هذا يعني أننا نعيش كارثة علمية ومعرفية لا نحسد عليها. وإذا أضفنا إلى هذه المعلومة مآسٍ أخرى فإن الكارثة ـ على ما يبدو ـ تتطور للأسوأ. حالة الفقر وبؤس الوضع الاقتصادي الذي تعيشه العائلات الفقيرة يؤدي إلى حرمان تلك الأسر من وفرة مالية ربما كانت الفرص متاحة لصرفها فيما ينفع أطفالها معرفيا وعلميا، بل وتصبح بعض الأفكار النبيلة كتكوين مكتبة للأسرة طيفا من الأحلام الوردية التي لا يترك لها العوز بابا إلى عالم الواقع. وفي المقابل فالتقنيات الحديثة تؤثر سلبا أيضا على أطفال الأغنياء بما تجلبه من إغراء لقضاء أوقات طويلة جدا داخل تطبيقات الألعاب، وفي صحبة الأجهزة اللوحية والإلكترونية، لتبقى العلاقة بين الطفل والكتاب علاقة تفرضها الفصول الدراسية وما يتطلبه النجاح من قراءة لا تخرج عن حدود المقرر الدراسي.
ولو تحدثنا عن الكبار وعلاقتهم بالكتاب لوجدنا أن التوصيفات السابقة تنطبق عليهم أيضا بشكل أو بآخر، فالشاب العاطل يقضي وقته إما بحثا عن عمل ـ إن كان جادًّا ـ أو قتلا للوقت مع الأصحاب أوعبر الشبكات الاجتماعية ومواقع التواصل أو من خلال اللقاءات الفارغة من فائدة تذكر غير تزجية الوقت والاستمتاع والتسلية، ورب الأسرة الفقيرة ـ في عالمنا العربي ـ يقضي وقتا طويلا جدا في العمل والكسب لتأمين لقمة العيش لأسرته. أما القلة المحظوظون في عالمنا العربي فهم الذين يجدون وقتا للقراءة ويستطيعون التعامل مع التزاماتهم الوظيفية أو التجارية والأسرية بطريقة تجعلهم قادرين على إدارة أوقاتهم وتخصيص وقت مناسب للقراءة اليومية.
ولكن بالحديث عن هؤلاء القلائل الذين ربما يجد الكتاب طريقا إليهم، أو يجدون هم طريقهم للقراءة فإن أحوالهم لا تخلو من بعض المظاهر السلبية، فعلى سبيل المثال: الحرص الشديد على اقتناء الكتاب مع عدم وجود حرص، يماثله ، على القراءة المنظمة والمنضبطة، أو ترك القراءة لأوقات الفراغ وخلو الذهن من مشاغل الحياة التي لا تنتهي ـ برأيي ـ من السلبيات التي دخلت إلينا عن طريق ثقافة الاستهلاك وحب المظاهر، والتباهي بعظمة المكتبات الشخصية واتساع مساحاتها في البيوت بينما صاحب المكتبة ربما لا يعرف عناوين تلك الكتب أو أسماء مؤلفيها. بل يصدق عليهم فعلا قول الأول: ببيت الشيخ كتب قد شراها ** وجمّعها ولكن ما قراها. فشراء الكتاب في نظري ليس الطريق الأوحد لحل مشكلة قلة المقروء أو انعدامه في عالمنا العربي، بل على العكس تماما، بالإمكان أن نخلق الفعل القرائي وأن نرفع مستواه بحيث يقرأ الفقير والغني والصغير والكبير كتبا ليس بالضرورة أن يشتروها، لو جدت مؤسسات التعليم والثقافة في عالمنا العربي، وبذلت جهودها في توفير المكتبات العامة وأبدعت في تحبيب القراءة لدى صغار الطلاب وترغيبهم فيها، ثم قامت بدورها المطلوب لتوفير المكتبات العامة في كل مكان كما يفعل الناس في الدول والمجتمعات التي تعمل لرقي الفرد فيها.
إن مما يحز في النفس كثيرا أن لا تجد فكرة تنمية الوعي بأهمية القراءة أي دعم من معارض الكتاب التي أصبحت ـ في السعودية تحديدا ـ  مواسم للصراخ والتجاذبات من التيارات المختلفة بينما الأرباح المتضاعفة تأخذ طريقها بهدوء إلى جيوب الناشرين الذين يعدون العدة دائما لهذه المواسم بمضاعفة أسعار الكتب أو رفعها ـ على أقل تقديرـ ، بل ويرون أن مهمتهم قد انتهت بإحصاء الأرباح عند إغلاق أبواب المعرض في آخر أيام الموسم. لماذا لا تخصص تلك الدور قسما من تلك الأرباح لتوزيع بعض الكتب بشكل مجاني؟ أو لماذا لا تفرض الجهات المنظمة للمعارض على دور النشر إرسال نسخ مجانية للمكتبات العامة ومكتبات المطارات والمستشفيات والمساجد؟ باعتقادي إن إدارة تلك المعارض يمكن أن تتم بشكل يرفع سقف الاستفادة منها ويسمو بأهدافها إلى أفق أعلى من بيع الكتب الصادرة حديثا أو الكتب محدودة التداول ـ لأي سبب كان ـ ، وكذلك فإن دور النشر والمكتبات التجارية يمكن أن تسهم كذلك برفع مستويات القراءة وجذب جمهور أكبر من خلال أفكار تحقق العائد المادي وتؤدي كذلك خدمة جليلة للمجتمع. فعلى سبيل المثال أن تخصص أماكن للقراءة داخل المكتبات التجارية أو تجهز مقاهٍ ملحقة بها يستطيع فيها القارئ أن يقضي بعض الوقت متصفحا الكتب ومستمتعا بكوب من الشاي أو القهوة وهذا ـ بلا شك ـ سينمي لديه الرغبة في الشراء يوما ما، وكذلك باستطاعة دار النشر أو المكتبة فرض رسم رمزي للدخول في هذه المساحة والقراءة مع اشتراط المحافظة على الكتب المقروءة أو تخصيص بعض الكتب المستعلمة لهذا النوع من القراءة.
إن مشكلة ضعف القراءة عند عامة الجمهور ترتبط ـ بلا شك ـ بمستويات التنمية تطورا وتخلفا ، ولكن عندما تعي الدول في عالمنا العربي أن مشكلة الجهل والأمية الثقافية لا تقل خطرا عن مشكلات الفقر والبطالة والمرض، فإنها يجب أن تعمل على جعل مشكلة ضعف القراءة ضمن أولوياتها ومن أهم أجندتها في سبيل الإصلاح الاجتماعي. ولكن حتى يأتي ذلك الوقت فإن الواجب الأخلاقي على دور النشر ومثقفي المجتمع والحريصين على رفع الشأن الثقافي العام يحتم عليهم القيام ببعض ما قصرت المؤسسات الرسمية في تنفيذه. إن انتشار المكتبات في كل حي مطلب ضروري من متطلبات عصرنا الحاضر ومن أقصر الطرق إليه ـ من وجهة نظري ـ هي أن يكون لكل مسجد مكتبة تضم كتبا في جميع فروع العلم والمعرفة الحديثة ، ولا تقتصر فقط على المصاحف وبعض الكتب الدينية؛ فلطالما كان المسجد في تاريخنا الإسلامي بعصوره المختلفة ساحة لجميع صنوف العلم والمعارف من علوم شرعية وفلسفية وأدبية وطبيعية، ولم تقتصر يوما على الكتب الدينية فقط إلا في عصرنا الحاضر.
وفي نهاية المطاف فإن الوعي بأهمية المشكلة وعواقبها يجب أن تقود الجميع إلى العمل على إصلاحها وتداركها، والأمل معقود على الحريصين في عالمنا العربي، وخصوصا على مؤسسات المجتمع المدني أن تقوم بدورها المطلوب في إكمال ما قصرت فيه السياسات الرسمية وذلك بالتواصل مع دور النشر وأفراد المجتمع من الموسرين والمثقفين وأئمة المساجد وتكوين فرق عمل تعمل على تكوين مكتبات ملحقة بالمساجد أو تخصيص أماكن في الأحياء لبناء المكتبات وتوفير الكتب الجديدة والمستعلمة وترغيب الناس في القراءة، وعمل الدعاية اللازمة ، والإشراف على إدارة تلك المكتبات والإعارة لضمان نجاح هذه المشروعات الصغيرة وتأدية جزء مما يجب على الفرد تجاه مجتمعه الصغير. والذي سيسهم ـ بإذن الله ـ بفاعلية في بناء وتنمية المجتمع والوطن