نعمت الموضة

كتب بواسطة: عبدالله أبا الخيل | في الملف . بتاريخ : Jun 16 2012 | العدد :89 | عدد المشاهدات : 2386

نعمت الموضة

نسخة للطباعة
في الوقت الذي تخلو فيه المكتبات العامة إلا من طلاب ألزموا ببحوث دراسية، وفي الوقت الذي تشكو المكتبات التجارية من عزوف الرواد عن شراء الكتب إلا من باحث عن منهج دراسي، يستغرب آخرون الإقبال الكثيف على معارض الكتاب، وكأن الكتب لاتباع إلا في فترة معرض الكتاب. في معرض الكتاب الأخير الذي أقيم في الرياض، أشارت تقارير صحفية إلى أن مبيعات معرض الكتاب تجاوزت مبيعات معرض السيارات الذي أقيم في نفس المكان. بين رؤية الطوابير أمام معرض الكتاب، ورؤية المكتبات يطلي كتبها الغبار، يبرز السؤال لماذا هذا التباين والمعروض واحد؟
لا يمكن القطع أن المعروض واحد وهذا يمثل جزءً من مشكلة المكتبات العامة والتجارية، فالأولى لم تسوق لسلعتها بالشكل المطلوب، وكرست سمعتها بأنها مكان للبحث يأتي إليها الدارس مضطراً. أما الثانية فاعتنت بكتب المناهج الدراسية في المقام الأول، متعللة بقلة الإقبال على غيرها تارة، وبعين الرقيب تارة أخرى.
وبالقدر الذي ينظر البعض إلى طوابير الآلاف أمام معارض الكتاب الدورية على أنها موضة، يرى آخرون أنها مؤشر على تعافي المجتمع ليعود إلى حضن الثقافة من جديد. غير أن ما يحدث في معارض الكتاب أمر بين هذا وذاك. الحراك الثقافي الذي يقوده الانترنت وتعزيز قيمة القراءة من خلال نقاشات في أروقته، والاحتفاء بمؤلفين شباب وعناوين غير تقليدية، والإثارة التي صاحبت المعارض السابقة أيضاً دفعت عجلة الاطلاع إلى الأمام، آخرون وجدوا أنفسهم مهتمين بالقراءة ولو ظاهراً، فالموجة العارمة من الحديث عن الكتب جعلت صفاً عريضاً من الشباب خصوصاً يدخلون إلى عالم القراءة مرغمين. كل ما حولهم يتحدث عن القراءة. أياً كان اهتمامك فستجد ماتقرؤه. وحتى تعيش مع من حولك فإن كتاباً تحمله معك قد يكون مفتاحاً للدخول إلى نقاشات وصداقات جديدة، فلا بد من الكتاب راغباً أو مرغماً.
دور الانترنت في تعظيم قيمة القراءة لا يمكن إلا احترامه. رغم أنها جهود فردية مبعثرة، إلا أن كثرتها جعلت منها سمة سائدة في الانترنت. يطرح أحدهم موضوعاً مثيراً قرأه في كتاب، فتنهال النقاشات حوله. يجلد أحدهم مجتمعه بسياط الأرقام وقلة الوقت الذي يقضيه العربي في القراءة سنوياً، فيأتي شعور بالذنب. يضع أحدهم مقتطفات جاذبة، فيسارع آخرون إلى اقتناء الكتاب طمعاً في مزيد من المتعة. أساليب متنوعة يقودها المهتمون بتنمية المجتمع في الانترنت يمكن القول بسهولة إنها خلقت وعياً لا يمكن إنكاره، رغم أن من المفترض أنه دور وزارات الثقافة والتربية في الدول العربية، لكنها تخلت عنه لسبب أو لآخر.
من المستحسن السؤال أيضاً عن أي العناوين والموضوعات يقبل عليها القراء. قائمة الكتب الأكثر مبيعاً لا تتغير كثيراً من سنة لأخرى، تسيطر دائماً الكتب الدراسية والروايات وأحياناً الكتب الشرعية المتخصصة. أما الكتب الفكرية فلا يباع منها إلا المثير، ويسوق آخرون لكتب بيعها "تحت الطاولة". الأرقام المهولة من الروايات العربية التي تصدر سنوياً ويقابلها نسب المبيعات العالية تحبط المهتمين بالتنمية، إذ يعتقدون أن الروايات في الغالب لا تقدم شيئاً للقارئ، ومن يهتم بالروايات فقط لا يعتبر قارئاً حقيقياً، وهو ما يعزز القول بأن الإقبال على معارض الكتاب هو موضة لن تلبث إلا قليلاً وستختفي. ينسى هؤلاء أن الروايات هي الأكثر مبيعاً في جميع اللغات. المنهمكون في القراءة في محطات القطارات ومواقف الحافلات لايقرؤون إلا الروايات في الغالب. عدد الصفحات التي يعلن أنها قرئت سنوياً في أصقاع مختلفة من العالم، تحتل الروايات فيها نصيب الأسد. التفاؤل يدعونا للقول بأن الأرقام التي نسمعها عن المبيعات في معارض الكتب هي مؤشر عودة للقراءة أياً كانت الموضوعات فمن يقع في حب القراءة فستمتد يده إلى أرفف متنوعة وآفاق أوسع في الموضوعات والعناوين، وإن أصر بعضهم على الحديث عن أن ما يحدث هو موضة، فلا يمكن القول إلا نعمت الموضة