إبراهيم أصلان عاشق البساطة ينهي وردية الليل ويرحل

كتب بواسطة: محمد سيد بركة | في متابعات . بتاريخ : Jun 16 2012 | العدد :88 | عدد المشاهدات : 3521

إبراهيم أصلان عاشق البساطة ينهي وردية الليل ويرحل

نسخة للطباعة
أدرك الصبح وردية الليل، فغيب الموت مالك الحزين، في خلوة الغلبان، فبكت عصافير النيل. التقيته مساءً ذات يوم ربيعي عام 1996 م في مكتبه الصغير بصحيفة الحياة اللندنية في حي جاردن سيتي الهادئ بجوار السفارة الأمريكية والسفارة البريطانية، فاستقبلني ببشاشة وبساطة، وكأنني صديقه الأثير، وأخذ يحدثني مستطردًا في الحديث وأمامه علبة تبغ يلف منها سيجارة وعزم عليّ بسيجارة فشكرته وقلت له إني لا أدخن.. كان يشبه، بشعره الأجعد الكث وشاربيه المعكوفين إلى تحت، وعينيه المبحرتين في العمق، وتقاطيع وسامة ملامحه، صورة ألبرت أينشتاين. وأما في العطاء الأدبي، فلم يكن إبراهيم أصلان يشبه أحدًا إلا نفسه، وهي نفس طيبة، غامرة، سمحة، وبنت بلد.
رحل إبراهيم أصلان بعد أن رأى ولادة مصر التي يحبها ويعرف تفاصيلها الليلية تمامًا، وأقول الليلية لكونه كائنًا ليليًا كما يصف نفسه. فأصلان يرى أن القاهرة لا تنام، ولكل وقت من أوقاتها كائناتها، ولأنه عاشق الليل تجده يفتش في شوارع القاهرة عن شخصياته الليلية.

أصلان.. المعارض
أيد إبراهيم أصلان حركة التغيير التي تبناها الدكتور محمد البرادعي، ووافق على المطالب السبعة للجمعية الوطنية للتغيير، وتم الاتفاق على إصدار وثيقة يصوغها الأدباء والمثقفون، منهم الكاتب إبراهيم أصلان، في مصر، لتكون بمثابة مشروع سياسي وفكري للدولة المدنية التي تطالب الجمعية الوطنية للتغيير بها، وكذلك الإجابة عن الأسئلة التي يتم طرحها عن الدولة التي يريد المصريون إقامتها.
ظل صاحب وردية ليل يكتب في جريدة الأهرام المصرية طوال ما يقرب من ثماني سنوات، لم يُمنع له خلالها إلا مقال واحد، أعاد نشره في صحيفة الحياة التي كان يكتب بها أيضا، وكان المقال المكتوب في يناير من العام الماضي عن محمد بوعزيزي مفجر ثورة تونس التي أطلقت زهور ربيع ثورات العالم العربي.. ومما يذكر أن أصلان رفض المتاجرة بهذا الرفض، شأن رفضه للمزايدة على موقفه من المقابلة التي دعي لها مع مجموعة من المثقفين للقاء مبارك قبل أيام من تنحيه، ويومها اعتذر أصلان للمسئولين بزعم السفر للخارج، لكنه قضى الليلة كلها بصحبة الأصدقاء في أحد مقاهي وسط البلد يسخر من فكرة اللقاء مع ديكتاتور. كان أصلان في أعوامه الأخيرة يعتني كثيرا بالشأن العام، حيث شارك في تجمعات كفاية وأدباء وفنانين من أجل التغيير..

أصلان.. البسيط
لم يحقق أصلان تعليما منتظما منذ الصغر، فقد التحق بالكتَّاب، ثم تنقل بين عدة مدارس، حتى استقر في مدرسة لتعليم فنون السجاد، لكنه تركها إلى الدراسة بمدرسة صناعية. التحق إبراهيم أصلان في بداية حياته بهيئة البريد، وعمل لفترة كـ"بوسطجي" ثم في أحد المكاتب المخصصة للبريد، وهي التجربة التي ألهمته مجموعته القصصية "وردية ليل". حتى زكاه نجيب محفوظ، وكتب من أجله رسالة لإدارة التفرغ التابعة لوزارة الثقافة ليضمن تفرغه للأدب, في هذه الرسالة أكد محفوظ أن أصلان فنان نابه, مؤلفاته تقطع بموهبة فريدة وفذة, ومستقبل فريد, ولمثله كما يقول محفوظ, نشأ مشروع التفرغ وعند أمثاله يثمر ويزدهر, وإلى جانب شهادة محفوظ نال أصلان شهادة أخرى من ناقدة كبيرة مثل لطيفة الزيات، والتي على الرغم من انحيازها اليساري لم تجد غضاضة في مساندة مشروع كاتب كانت له طوال الوقت انحيازات جمالية مغايرة لخط الواقعية الاشتراكية التقليدي الذي كان عنوانا لتلك السنوات.
كما ربطته علاقة جيدة بالأديب الراحل يحيى حقي، ولازمه حتى فترات حياته الأخيرة، ونشر الكثير من الأعمال في مجله المجلة، التي كان حقي رئيس تحريرها في ذلك الوقت.
لاقت أعماله القصصية ترحيبا كبيرا عندما نُشرت في أواخر الستينات، وكان أولها مجموعة بحيرة المساء، وتوالت الأعمال بعد ذلك، إلا أنها كانت شديدة الندرة، حتى كانت روايته مالك الحزين، وهي أولى رواياته التي أُدرجت ضمن أفضل مائة رواية في الأدب العربي، وحققت له شهرة أكبر بين الجمهور العادي وليس النخبة فقط. التحق في أوائل التسعينات من القرن الماضي -كرئيس للقسم الأدبي- بجريدة الحياة اللندنية، إلى جانب رئاسته لتحرير سلسلة آفاق عربية، التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر، إلا أنه استقال منها أثر ضجة رواية وليمة لأعشاب البحر، للروائي السوري حيدر حيدر، التي تزعمتها صحيفة الشعب، والتي كانت تصدر عن حزب العمل، من خلال مقالات للكاتب محمد عباس، شنها على الرواية، حيث اعتبرها الكاتب تمثل تحديا سافرا للدين والأخلاق، وأنها تدعو إلى الكفر والإلحاد، وأثارت في هذه الفترة الجدل العارم، وقامت المظاهرات بين طلاب الأزهر على خلفيه استفزازهم بالمقالات التي تتصدى للرواية وترفضها، ظنًّا منهم أنها ضد الدين بالفعل، ولم تقعد الدنيا، وتم التحقيق مع إبراهيم أصلان، وتضامن معه الكثير من الكتاب والأدباء والمفكرين، غير أن مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر قد أدان الرواية والقائمين على نشرها في مصر، واعتبروها خروجا عن الآداب العامة، وضد المقدسات الدينية.
ولد إبراهيم أصلان 3 مارس 1935 بقرية تابعة لمدينة طنطا بمحافظة الغربية، ونشأ و تربى في القاهرة، وتحديدا في حي "إمبابة" و"الكيت كات"، وقد ظل لهذين المكانين الحضور الأكبر والطاغي في كل أعمال الكاتب، بداية من مجموعته القصصية الأولى بحيرة المساء، مرورا بعمله وروايته الأشهر مالك الحزين، وحتى كتابه حكايات فضل الله عثمان، وروايته عصافير النيل، وكان يقطن في "الكيت كات" حتى وقت قريب، ثم انتقل للوراق حتى نقل مسكنه مؤخرا إلى المقطم.. وتوفي في 7 يناير 2012، إثر وعكة صحية نقل على إثرها إلى القصر العيني..
وحصل أصلان على عدة جوائز، أبرزها جائزة طه حسين من جامعة المنيا عن رواية مالك الحزين عام 1989م، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2003 – 2004، وجائزة كفافيس الدولية عام 2005، وجائزة ساويرس في الرواية عن حكايات من فضل الله عثمان عام 2006، ورشح قبل أيام لنيل جائزة النيل، وهي من أرفع الجوائز المصرية تقدمها أكاديمية الفنون..
ومن أعمال إبراهيم أصلان: بحيرة المساء، يوسف والرداء، وردية ليل، مالك الحزين، عصافير النيل، خلوة الغلبان، حكايات من فضل الله عثمان، وشيء من هذا القبيل..
مكتبة الأسرة... مشروع له تاريخ
وبعد اندلاع الثورة ضد نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك أوائل 2011 اختير ليكون أحد المشرفين على انتقاء الكتب التي يمكن للهيئة المصرية العامة للكتاب أن تنشرها في مشروع مكتبة الأسرة، التابع لها، وفي تقديمه للكتب التي صدرت في هذا المشروع مؤخرا، ولم يتمكن من رؤيتها، كتب أصلان تحت عنوان.. مكتبة الأسرة... مشروع له تاريخ، يقول فيها:
مشروع القراءة للجميع.. أي حلم توفير مكتبة لكل أسرة، سمعنا به أول مرة من رائدنا الكبير الراحل توفيق الحكيم. وكان قد عبر عن ذلك في حوار أجراه معه الكاتب الصحفي منير عامر في مجلة صباح الخير مطلع ستينيات القرن الماضي، أي قبل خمسين عاما من الآن. كان الحكيم إذًا هو صاحب الحلم، وليس بوسع أحد آخر، أن يدعي غير ذلك. وهو، جريًا على عادته الخلاقة في مباشرة الأحلام، تمنى أن يأتي اليوم الذي يرى فيه جموعا من الحمير النظيفة المطهمة، وهي تجر عربات الكارو الخشبية الصغيرة، تجوب الشوارع، وتتخذ مواقعها عند نواصي ميادين المحروسة، وباحات المدارس والجامعات، وهى محملة بالكتب الرائعة والميسورة، شأنها في ذلك، شأن مثيلاتها من حاملات الخضر وحبات الفاكهة. ثم رحل الحكيم مكتفيا بحلمه.
وفي ثمانينيات القرن الماضي، عاود شاعرنا الكبير الراحل صلاح عبد الصبور، التذكير بهذا الحلم القديم، وفي التسعينات من نفس القرن، تولى الدكتور سمير سرحان تنفيذه تحت رعاية السيدة زوجة الرئيس السابق. هكذا حظي المشروع بدعم مالي كبير، ساهمت فيه، ضمن من ساهم، جهات حكومية عدة، وخلال عقدين كاملين صدرت عنه مجموعة هائلة من الكتب، بينها مؤلفات ثمينة يجب أن نشكر كل من قاموا باختيارها، إلا أنه -للحقيقة ليس غير- حفل بكتب أخرى مراعاة لخاطر البعض، وترضية للآخر، ثم إن المشروع أنعش الكثير من متطلبات دور النشر، بل اصطنع بعضها أحيانا.
وبعد ثورة 25 يناير والتغيرات التي طرأت توقفت كل الجهات الداعمة لهذا المشروع الثقافي عن الوفاء بأي دعم كانت تحمست له عبر عقدين ماضيين، سواء كانت هذه الجهات من هنا، أو كانت من هناك. ولم يكن أمام اللجنة إلا مضاعفة التدقيق في كل عنوان تختار، وسيطر هاجس الإمكانات المحدودة التي أخبرتنا بها الهيئة في كل آن. والآن لم يبق إلا أن نقول: إن هذه اللجنة كانت وضعت لنفسها معيارًا موجزًا: جودة الكتاب أولًا، ومدى تلبيته، أولًا أيضًا، لاحتياج قارئ شغوف أن يعرف، ويستمتع، وأن ينمي إحساسه بالبشر، وبالعالم الذي يعيش فيه. واللجنة لم تحِدْ عن هذا المعيار أبدًا.. لم تشغل نفسها لا بكاتب، ولا بدار نشر، ولا بأي نوع من أنواع الترضية أو الإنعاش، إن لم يكن بسبب الحسنة، فهو بسبب ضيق ذات اليد.
لقد انشغلنا طيلة الوقت بهذا القارئ الذي انشغل به قديمًا، مولانا الحكيم. لا نزعم، طبعا، أن اختياراتنا هي الأمثل، فاختيار كتاب تظنه جيدا يعني أنك تركت آخر هو الأفضل دائمًا، وهي مشكلة لن يكون لها من حل أبدًا. لماذا؟ لأنه ليس هناك أكثر من الكتب الرائعة، ميراث البشرية العظيم، والباقي.
وفي النهاية صمت عصفور النيل، وخلع "البوسطجي" حقائبه، وسلّم رسائله، وأدرك الصبح وردية الليل.. وترك مالك كل حزنه في أوراقه... ورحل