السلطة والمثقف.. جدل يحسمه الحكم الرشيد

كتب بواسطة: طه عبدالرحمن | في الملف . بتاريخ : Jun 16 2012 | العدد :88 | عدد المشاهدات : 3310

السلطة والمثقف..  جدل يحسمه الحكم الرشيد

نسخة للطباعة
على الرغم من أن العلاقة بين المثقف والسلطة في العالم العربي ظلت ملتبسة على مدى العقود الماضية، في ظل الحرص الدائم من جانب السلطة على احتواء المثقفين في مفاصلها المختلفة، وخاصة الإعلامية والثقافية، إلا أن هذه العلاقة وبعد نجاح الثورات، أصبح حالها مختلفًا، ويكاد يصبح على النقيض تمامًا.
وفي الوقت الذي كان فيه مثقفون يسيرون في فلك السلطات الحاكمة يتملق لها البعض، أصبح الحال مختلفًا بعد الثورات؛ إذ وجد أمثال هؤلاء المثقفين أنفسهم في حالة مغايرة لسلطة متباينة عن تلك التي اعتادوا السير في فلكها.
غير أن هناك مثقفين آخرين، حاربتهم السلطة، ونالوا منها استبدادًا هائلًا، حتى كانوا ضحية لهذا الاستبداد، إما بالتشريد والهجرة في خارج بلدانهم، أو بالزج في السجون والمعتقلات والتوقيف الدائم، حتى كانت الثورات فاتحة خير عليهم بحرية أكثر، بل وصار منهم من بات على مشارف الحكم، إن لم يكن قد وصله بالفعل.
الحالة التي كان عليها المثقفون العرب قبل الثورات، وما أصبحوا عليها بعد قيامها، تدعو للتساؤل والتوقف أمامها، خاصة بعدما شاعت أجواء الحرية بشكل أكثر في العالم العربي، التي كان يتوق إليها المثقفون والمبدعون قبل قيام هذه الثورات.
وللوقوف بشكل أكبر على رصد الحالتين، وللخروج من الأطر النظرية، فإنه حريّ بنا التوقف عند الحالتين، للنظر في النتيجة التي وصل إليها المثقفون في الوقت الحالي، بعد كل هذه المتغيرات التي صار يشهدها العالم العربي منذ أكثر من عام تقريبًا.

المثقفون قبل الثورات
الحالة التي كان عليها المثقفون قبل اندلاع الثورات تستدعي تصنيفهم إلى حالتين. الأولى: أن هناك مثقفين انخرطوا في فلك السلطة الحاكمة التي قدمت لهم الكثير من الدعم، حتى نجحت في أن يكون هؤلاء متحدثين باسمها، بصورة أو بأخرى، حتى لو كان ذلك يتسبب في إدخال السلطة والمثقفين في مزالق عدة، فالمهم أن يكون هناك تلاحم بين الجانبين، وهو الرباط الذي صار وثيقًا ضد المعارضين للسلطة، وخاصة من الإسلاميين، للدرجة التي مكنت السلطة من احتواء جميع المثقفين ممن هم مناوئون للتيار الإسلامي، حتى أصبحوا جميعًا في جناح مقابل آخرين ممن يُحسبون على التيار الإسلامي.
هذا التماسك بين المثقف والسلطة ظل متلاحمًا، ما دام الآخر بالنسبة لهم جميعًا هو التيار الإسلامي، الذي عانى مثقفوه ونخبه إقصاءً وتشويهًا، ليصبح شأنهم هو الحالة الثانية من المثقفين الذين تعرضوا لسهام إعلامية وفكرية لا تستند إلى أسانيد موضوعية أو نزاهة فكرية، فكانت الغلبة فيها للأقوى، ممن يملك سلاح الإعلام وزمام الفكر، نتيجة لسيطرة أمثال هؤلاء على مفاصل الدولة إعلاميًّا وثقافيًّا، فقد كانوا موغلين في بنية المؤسسات ومناصبها القيادية.
على هذا النحو، كانت الغلبة لمثل هذه النوعية من المثقفين، الذين ظلوا طوال ردح من الزمن يستعْدون الأنظمة الاستبدادية على التيار الإسلامي بمختلف شرائحه وفصائله، علاوة على نفر آخر من المثقفين من خارج هذا التيار، والذين أبوا أن ينخرطوا في حظيرة نظرائهم من المثقفين، أو الدخول في فلك الحكومات، فلم تنجح الأنظمة الاستبدادية في احتوائهم، لذلك كان مصيرهم مزيدًا من الاستعداء، مما جعلهم يخرجون من بلادهم بصورة أو بأخرى إلى المنافي، ويهاجرون وطنهم إلى خارجه، لتنسم نسائم الحرية، علهم يعودون إليه في يوم ما، وقد تحرر من نير الاحتلال الوطني.

بعد الثورات.. متحولون وحكام
ظلت الأمور على هذه الحالة، حتى كانت الثورات العربية، والتي بدأت تعرف طريقها إلى وطننا العربي في نهاية ديسمبر من العام 2010، وكانت البداية بتونس، فأصبحنا أمام حالة مغايرة تمامًا عما كان عليه المشهد قبلها، فالمثقفون الذين كانوا يحظون بمعية ودعم من السلطات الاستبدادية كانوا أمام حالتين. الأولى: أن منهم من حرص على التحول سريعًا للانخراط وفق تطورات المشهد الجديد، وهؤلاء أصبحوا يوصفون بالمتحولين الذين يأكلون على فتات كل الموائد، ولهذا فأمثال هؤلاء لم تشغلهم كثيرًا دراسة تطورات ما صارت إليه الأمور، ولكنهم سرعان ما انخرطوا في تطورات المشهد، غير عابئين بأفكار، أو الارتكاز على مبادئ، أو ما يمكن أن يقال عنهم من ازدواجية المعايير، أو تفاوت المبادئ، لأن كل ما كان يشغلهم هو الانتقال السريع ومسايرة الراهن، والدخول في فلك السلطة المرتقبة، كما اعتادوا على ذلك من قبل.
لذلك لم يكن عجبًا أن تصدِّر صحيفة مثل "الأهرام" القاهرية في اليوم التالي لتنحي الرئيس المصري حسني مبارك بأن "الشعب أسقط النظام"، فيما كانت عشية التنحي تقول: إن "الجماهير تلتف حول الرئيس مبارك"، وأمثال هؤلاء المثقفين والإعلاميين يثيرون ضجيجًا حول فزاعات معينة، في الوقت الذي كان مناوئوهم بالأمس القريب قاب قوسين أو أدنى من السلطة، إن لم يكونوا قد توغلوا في سدتها بالفعل، على نحو ما أصبحنا نرى فيه المعارض التونسي السابق، الحاكم حاليًا، المنصف المرزوقي، والذي صار رئيسًا لبلاده، والدور الكبير الذي لعبه المعارض التونسي السابق الشيخ راشد الغنوشي، والذي أصبح حزبه -المتمثل في حركة النهضة- واحدًا ممن يتصدرون المشهد السياسي في بلاده، وكلاهما كان مطرودًا خارج وطنه، ويقيم في العاصمة البريطانية، وتوجه إليه الكثير من السهام الإعلامية، والأراجيف الفكرية، وغيرهما ممن كان على شاكلتهما.
علاوة على أن الثوار في ليبيا - والذين كانوا مصنفين ضمن المعادين والمتلقين لحبوب الهلوسة حسب تعبيرات البائد معمر القذافي، والموقوف نجله سيف الإسلام- صاروا اليوم حكامًا لبلادهم، مسيطرين على مفاصل الدولة الليبية في نسختها الجديدة.
الحال نفسه في مصر، إذ أصبح المعارضون من المثقفين قاب قوسين أو أدني من سدة الحكم، من خلال وصولهم إلى مجلس الشعب، الغرفة الأولى للبرلمان، أو تشكيل الحكومة، خلافًا لكون الإسلاميين منهم محظورين بالأمس القريب عن دائرة المشهد، حتى صاروا اليوم حسب المعنى الشائع "محظوظين"، جراء الشعبية الكبيرة التي حصدوها، والتقارب الشعبي والجماهيري معهم، وفق ما عكسه الاستحقاق الانتخابي الأخير.

سلطة المثقف
هذه الحالة تدفعنا إلى تساؤلات عدة حول ما إذا كان يمكن للمثقف أن يصل إلى السلطة؟ وهل يمكن أن تؤثر فيه السلطة فتسلخه من مبادئه وأفكاره، وفق ما يعرف عن السياسية بأنها فن الممكن، لتبدو فيه حالة سلطة المثقف؟
الواقع يجيب عن ذلك بأن الوضع الذي صار إليه العالم العربي بعد الثورات أمر يدفع بالمثقفين إلى ضرورة قيادة هذه المرحلة المفصلية التي تمر بها أوطانهم، وربما هذا يجيب على التساؤل السابق والمتعلق بالمخاوف التي يمكن أن تتولد لدى الرأي العام، بأن يمارس المثقف سلطة تعيدهم إلى تلك السلطة الاستبدادية التي كان يمارسها السياسيون ضدهم إبان حقب الأنظمة التي أسقطتها الشعوب العربية أخيرًا.
غير أنه ووقت أن يتولد الحكم الرشيد الذي لن يرضى بغيره الشعب العربي بديلًا فإن المثقف يمكن أن يكون قادرًا على أن يقدم شيئًا، وأن يصبح صورة مغايرة عن صورة السياسي الذي ظل يمارس أشكالًا استبدادية على مدى العقود الماضية، كما كان حاصلًا في تونس ومصر وليبيا واليمن وغيرها من الدول التي صارت تتشكل ثوراتها حاليًا.
لذلك يرى خبراء أنه لا ريب في أن يكون لدى المثقف سلطة، أو أن ينخرط هو في السلطة، مادامت سلطة تعتمد على الحكم الرشيد، فدائمًا الحكم يحتاج إلى سلطة، ولكنها ليست السلطة الظالمة أو الاستبدادية، كما أنها السلطة التي لا تسمح لأصحابها بالانفراد بالسلطة ليصبح المثقف حاكمًا وليس سلطويًا، لما يعرف عن أصحاب السلطة دائمًا بأنهم يمارسون أشكالًا عدة من أشكال الهيمنة، في الوقت الذي يمكن للمثقف فيه أن يكون حاكمًا أو مسئولًا، وحتمًا سيجد نفسه مدفوعًا إلى تطبيق مبادئ كان يؤمن بها وينادي بتطبيقها، غير أن الحديث هنا ينصبّ على المثقف المتجرد لدينه ووطنه، وليس المثقف الخانع الذي يرتمي في أحضان الغرب لقاء حفنة من المال، فيصبح كالساسة الذين باعوا أوطانهم بثمن بخس، فكانت النتيجة أن أطاحت بهم الشعوب، حتى لو كان ذلك بعد حين.
لذلك، فإن سلطة المثقف تختلف حتمًا عن مثقف السلطة، فالأول ينبغي أن يكون حاضرًا فيها، فلا يمكن لخريطة وطن ومستقبل أمة أن تتشكل في غياب العقول الواعية، بينما المرفوض أن يكون المثقف خانعًا للسلطة، يرتمي في أحضانها، يبحث عن مقاعد آنية، أو درجة مقربة من رموزها، فيدفعه ذلك إلى التملق والتجرد من مبادئه، فلا يعرف للحق سبيلًا، ويسعى إلى كل ما يمكن أن يحقق له التبعية بكل الوسائل الممكنة وغير الممكنة، سواء كان مقربًا من السلطة وخارجها، أو في مفاصل هذه السلطة، التي يفترض فيها أن يكون حاكمًا، وليس سلطويًا.
وعليه فإن المثقفين الذين تبوؤوا السلطة أو من أصبحوا على أعتابها عليهم واجبات عدة تجاه دينهم وأوطانهم، بأن يقدموا نموذجًا للمثقف الحاكم، وليس المثقف صاحب السلطة، فدائمًا السلطة قد يتم استثمارها بشكل يقيد الحريات، وممارسة شكل من أشكال الإقصاء، وخاصة أصحابها الذين يقضون عقودًا أطول فيها، فدائمًا السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، حيث يتولد لدى أصحابها أشكال عدة من أشكال التسلط، ومن ثم يرتد صاحب السلطة إلى الحالة الأولى التي كان عليها دعاة الاستبداد، الأمر الذي لن تقبل به الشعوب العربية، بعدما أعلنت العصيان على هذا الاستبداد، وعرفت طريقها لمقاومته، مدوية حناجرها بأن "الشعب يريد إسقاط النظام"، وهو الشعار الذي صار الأشهر في العالم العربي، داعمًا للشعوب في تحقيق مطالبها، ومزلزلًا لعروش الحكام، خاصة إذا ترافق مع الاستبداد