غازي القصيبي : سياسي بعتاد ثقافي

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في الملف . بتاريخ : Jun 16 2012 | العدد :88 | عدد المشاهدات : 2974

غازي القصيبي : سياسي بعتاد ثقافي

نسخة للطباعة
يظل الراحل غازي القصيبي
المثال الأبرز للسياسي الذي خاض معاركه بأسلحة ثقافية، وللمثقف الذي روج لثقافته بمناصب سياسية، حاصدا هنا آهات الإعجاب، ومثيرا هناك إشارات الامتعاض والاحتجاج.

غضب يهودي
إن كانت الدبلوماسية نجحت في إجبار القصيبى على اتخاذ مواقف متوقعة في أحايين كثيرة، إلا أنها لم تكن تنجح دائما، فقصيدته التي أشاد فيها بالشهيدة الفلسطينية آيات الأخرس التي نفذت عملية استشهادية في إسرائيل، واعتباره الاحتلال الإسرائيلي المستمر للضفة الغربية وقطاع غزة أسوأ من العهد النازي الذي دمر أوربا  قد جر عليه غضب الجالية اليهودية في بريطانيا التي شنت حملة ضده، انتهت بتعنيف الخارجية البريطانية وإدانة الولايات المتحدة الأمريكية لم تغير من مبدأه ولم تثنه عن رثائيته للشهيدة آيات التي قال فيها:
يشهد الله أنكم شهداء
يشهد الأنبياء والأولياء
متم كي تعز كلمة ربى
في ربوع أعزها الإسراء
انتحرتم.. نحن الذين انتحرنا
بحياة أمواتها الأحياء
قل لآيات يا عروس العوالي
كل حسن لمقلتيك الفداء
 حين يخصى الفحول صفوة قومي
تتصدى للمجرم الحسناء
تلثم الموت وهى تضحك بشر
أمن الموت يهرب الزعماء؟!
قل لمن دبج الفتاوى: رويدا
رب فتوى تضج منها السماء
حين يدعو الجهاد.. يصمت حبر
ويراع.. والكتب.. والفقهاء
حين يدعو الجهاد... لا استفتاء
الفتاوى يوم الجهاد: الدماء.
بل إنه سارع إلى نشر رسالة مفتوحة تحدى فيها مجلس المفوضين اليهود البريطانيين وطالبهم بالتحلي بالشجاعة الأخلاقية واعتبار شخصيات إسرائيلية أمثال مناحيم بيغن وآرييل شارون وإسحق شامير شخصيات إرهابية على خلفية جرائمهم في الشعب الفلسطيني ،وجاءت رسالة القصيبي التي تلقت عرب تايمز نسخة منها في ذلك الوقت، كرد على الاحتجاج الذي قدمته وزارة الخارجية البريطانية بطلب من المجلس الذي يمثل اليهود في بريطانيا، بسبب القصيدة آنفة الذكر، والتي أشاد فيها بموسم الشهادة والبطولة الذي تشهده فلسطين في ذلك الوقت. وأضاف القصيبي "إن مناحيم بيغن كان مسؤولا عن عملية قتل بدم بارد لمئتين من الأبرياء الفلسطينيين معظمهم من الأطفال والنساء في دير ياسين، كما كان إسحق شامير قاتلا فظيعا للأبرياء، وآرييل شارون كان وراء مجزرة إبادة، ووجدته لجنة كاهان مسؤولا بصورة شخصية عن ذبح ألفي فلسطيني في مخيمي صبرا وشاتيلا، وبنفس السياق يظل مسؤولا عن قتل نفس العدد من الابرياء في الأراضي المحتلة" وخاطب القصيبي بصيغة قوية أعضاء المجلس قائلا: "عندما يكون لدى مجلس المفوضين البريطانيين اليهود الشجاعة الأخلاقية بالإشارة لهؤلاء الإرهابيين الرهيبين على أنهم إرهابيون، واعتبار أفعال الحكومة الإسرائيلية في مخيم جنين جرائم حرب، فسأكون أكثر من مستعد لتعديل آرائي بشأن مقاتلي الحرية الفلسطينيين" وختم القصيبي رسالته التي بتحد وغضب على تدخل اليهود البريطانيين بحق الإبداع الأدبي وحرية التعبير التي تعتبر من أهم دعائم الفعل الإنساني، علاوة على كونها سلاحا للأديب والمبدع..
انهيار للعلاقات
هذه الجرأة والتصميم على المبدأ حملت صحيفة بريطانية على التوقع بأن تشهد العلاقات الأميركية السعودية حالة من الانهيار، وقالت صحيفة "الاوبزرفر" إن المديح الذي كاله القصيبي  للعمليات الانتحارية في فلسطين قد يؤثر سلبيا على العلاقات بين الرياض وواشنطن" وركزت الصحيفة البريطانية على مقاطع من قصيدة القصيبي وخصوصا تلك التي ينتقد فيها البيت الأبيض حين يتهمهم بالصنمية في قرارهم والظلامية في قلوبهم. وأشارت "الاوبزرفر" إلى أن القصيبي اعتاد على القول إن "الشعر هو ديوان العرب والمعبر عن روحهم" وركزت على المقطع الذي يمتدح فيها منفذي العمليات وخصوصا حين قال مخاطبا منفذي العمليات "أنتم تموتون بشرف أمام الله في عملياتكم ونحن ننتحر في حياتنا كالأموات" وأخيرا تناولت "الاوبزرفر" من جهة أخرى انتقادات السفير السعودي الشاعر القصيبي للقادة العرب الذين يستجدون الدعم والعون من أصنام البيت الأبيض.

غضب آخر
قصائد ومواقف الراحل غازي القصيبي لم تغضب اليهود فحسب،  بل إن قصيدة له كانت قد أغضبت عددا من الحكام العرب عندما وصفهم في قصيدته بالخصيان، الأمر الذي جعل بعض التقارير الصحفية تشير إلى أن عدد جريدة الحياة الذي نشرت فيه قصيدة للشاعر نفسه بعنوان: "إلى نزار قباني أزف إليك الخبر" قد منع من دخول عدة دول عربية من بينها السعودية، وفيها يسخر القصيبي الذي كان سفيرا للحكومة السعودية لدى بريطانيا في ذلك الوقت، يسخر من مؤتمر القمة العربي الذي عقد في لبنان، وفي هذه القصيدة يقول الشاعر :

نزار أزف إليك الخبر
لقد أعلنوها وفاة العرب
وقد نشروا النعي فوق السطور
وبين السطور وتحت السطور
وعبر الصور
وقد صدر النعي
بعد اجتماع يضم القبائل
جاءته حمير تحدو مضر
وشارون يرقص بين التهاني
تتابع من مدر أو وبر

ظلت علاقة المثقف بالسلطة في شخص القصيبي علاقة سهلة ممتنعة، دفع فيها الثمن أكثر من مرة بسبب مواقفه ومبادئه، فعتابه الشهير للعاهل السعودي الراحل الملك فهد بن عبدالعزيز عبر قصيدته "رسالة المتنبي الأخيرة إلى سيف الدولة" نقلته من الوزارة إلى السفارة، حيث قال فيها:

بيني وبينك ألف واش ينعب    
 فعلام أسهب في الغناء وأطنب
صوتي يضيع ولاتحس برجعه     
ولقد عهدتك حين أنشد تطرب
واراك مابين الجموع فلا أرى   
   تلك البشاشة في الملامح تعشب
وتمر عينك بي وتهرع مثلما  
  عبر الغريب مروعاً يتوثب
بيني وبينك ألف واش يكذب
وتظل تسمعه .. ولست تكذب
خدعوا فأعجبك الخداع ولم تكن
 من قبل بالزيف المعطر تعجب
سبحان من جعل القلوب خزائنا
 لمشاعر لما تزل تتقلب
قل للوشاة أتيت أرفع رايتي البيضاء
 فاسعوا في أديمي واضربوا
هذي المعارك لست أحسن خوضها
من ذا يحارب والغريم الثعلب
ومن المناضل والسلاح دسيسة
ومن المكافح والعدو العقرب
تأبى الرجولة أن تدنس سيفها
قد يغلب المقدام ساعة يغلب
كتب القصيبي في الشعر وفي الرواية وفي السيرة الذاتية وفي المقالة وفي عموم الأجناس الأدبية، فكان معادلة صعبة التحقيق للسياسي الذي قد يصدق أكثر من مرة