المثقف عندما يكون سياسيا: نجاحٌ في اختيار الكلمات .. فشلٌ في مواجهة الواقع

كتب بواسطة: سمير خميس | في الملف . بتاريخ : Jun 16 2012 | العدد :88 | عدد المشاهدات : 3298

المثقف عندما يكون سياسيا: نجاحٌ في اختيار الكلمات .. فشلٌ في مواجهة الواقع

نسخة للطباعة
تمتلئ الذاكرة السياسية بأمثلة عديدة لمثقفين شاركوا في كتابة تاريخها بأدوارهم السياسية، فمن الرئيس التشيكي الذي ودع الحياة قبل أيام قليلة فاتسلاف هافيل مرورا بالشاعر والرئيس السنغالي الراحل ليوبولد سيدار سينجور وصولا إلى الروائي الفائز بجائزة نوبل البيروفي ماريو بارغاس يوسا.
وتبقى الذاكرة السياسية حبلى بأمثلة وتجارب أخرى، إلا أن الدور التي لعبته هذه الشخصيات الثلاثة، والتباين فيما بينها يجعلنا نسلط عليها الضوء أكثر من غيرها.

بطل الثورة المخملية
بين الكراهية الداخلية التي أبداها الفرد التشيكي العادي، وبين التقدير والاحترام والإعجاب الذي كان يكنه العالم الخارجي، سطر الشاعر والروائي والكاتب المسرحي فاتسيلاف هافيل سيرة رئاسية حافلة.
هذا السياسي الذي كافح النظام الشيوعي أعواما طويلة لاعتباره إياه نظاما غير لائق وغير أخلاقي، لم يتوان عن تأييد قصف يوغسلافيا عندما كان رئيسا في عام 1999م، ولم يتوان أيضا عن تأييد الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003م، لهدف طالما سعى وراءه طيلة حياته: لا بد من منع انتهاكات حقوق الإنسان على يد حكام مستبدين متوحشين، كما يبرر بذلك مستشاره للشؤون السياسية بروجيكت سينديكيت.
هذه المثاليات التي آمن لأجلها بالقوة العسكرية لفرضها تكونت من حياته الطويلة المعارضة والمناضلة، التي بدأت في براغ حينما عُرضت مسرحيته الأولى "حفل الحديقة" التي سخر فيها من النظام الشيوعي في 1963، ليتم منعه بعد ذلك من ممارسة عمله كاتبا ومحررا بعد قمع إصلاحات ربيع براغ عام 1968، واضطر للاشتغال عاملا يدويا في مصنع بيرة. قاد حركة سلمية عرفت بالثورة المخملية، وسجن سنوات عدة. انتخب رئيسا لتشيكوسلوفاكيا في 1989 بعد انهيار النظام الشيوعي. وبعد تقسيم تشيكوسلوفاكيا، انتخب رئيسا لجمهورية تشيكيا في 1993، وأعيد انتخابه مرة أخرى في 1998. انتهت مدة رئاسته الثانية والأخيرة في فبراير 2003 ليتقاعد عن العمل السياسي.
صدر لهافيل 6 دواوين شعرية و22 مسرحية و9 كتب فكرية كان أولها "قوة الضعفاء" في عام 1985. كما صدرت مذكراته بالإنكليزية في عام 2007 بعنوان "إلى القلعة والعودة منها". وصدرت آخر مسرحية لهافيل عام 2009 بعنوان "الخنزير أو سعي هافيل لصيد خنزير". ومنذ عام 2004، ساند هافيل حزب الخضر التشيكي.

وداعا للسياسة
في آخر زيارة له للولايات المتحدة الأمريكية كرئيس للجمهورية التشيكية في عام 2002 ألقى خطبته الشهيرة "وداعا للسياسة" والتي قام بترجمتها المترجم السعودي حمد العيسى في الملحق الثقافي لصحيفة الجزيرة، والتي قال فيها هافيل:
"لا أزال أذكر جيداً الحفل التكريمي الذي أقيم لدى وصولي إلى نيويورك في فبراير 1990 بصفتي رئيسَ تشيكوسلوفاكيا المنتخبَ حديثاً آنذاك. بالطبع، لم يكن ذلك الحفل لتكريم شخصي فقط، ولكنه كان تكريماً - من خلالي - لكل المواطنين في بلدي الذين تمكنوا بثورة سلمية من إسقاط نظام حكم مستبد، وكان تكريماً لكل الذين قاوموا معي أو قبلي هذا النظام بوسائل سلميّة. الكثير من محبي الحرية في العالم اعتبروا انتصار الثورة المخملية التشيكوسلوفاكية أملاً رائداً من أجل عالم أكثر إنسانيّة.. عالم يمكن أن يكون للشعراء فيه صوت مسموع مثل صوت أصحاب البنوك.
اجتماعنا اليوم، الذي لا يقل حميميّةً، يقودني إلى تساؤل منطقي: هل تغيرتُ بسبب الرئاسة خلال ثلاثة عشر عاماً تقريباً؟ وهل غيرتني التجارب الهائلة التي عشتها خلال فترة رئاستي التي تزامنت مع اضطرابات عالمية كبرى؟
وعند محاولة الإجابة على هذا التساؤل اكتشفتُ شيئاً مذهلاً. رغم أنه من المتوقع أن تكون هذه التجربة الغنية قد أعطتني الكثير من الثقة بالنفس، فإن العكس هو الصحيح. في فترة رئاستي هذه، أصبحتُ أقلَّ ثقةً في نفسي بصورة كبيرة، ومتواضعاً أكثر من ذي قبل. قد لا تصدقون ذلك، ولكن كل يوم يمر كنت أعاني من رهبة الجماهير، كل يوم أصبحُ أكثر خوفاً ألا أكون أهلاً لعملي، أو أنني سوف أشوِّهُ صورة الرئاسة. كل يوم تصبح ُ كتابة خُطَبي أكثر صعوبة، وعندما أكتبها أكون خائفاً جداً من تَكرار نفسي. كنت خائفاً من الإخفاق الذريع في تحقيق التوقعات، ومن أن أكشف عدم وجود خبرة لديَّ للرئاسة، ومن أنني - رغم نيتي الحسنة - سوف أرتكب أخطاء لا مثيل لها، ومن أن أصبح غير جدير بالثقة، وبالتالي أفقد الحق في ممارسة الرئاسة.
وبينما يبتهج الرؤساء الآخرون في كل فرصة يقابلون بعضهم أو أشخاصاً آخرين مهمين، أو يظهرون في التلفاز، أو يلقون خطباً.. فإن كل هذه الأمور كانت تجعلني أكثر خوفاً. في بعض الأحيان.. كنت أتفادى عمداً ذات الفرصة التي ينبغي أن أرحب بها بسبب الخوف غير المنطقي من أني سوف أُفسد هذه الفرصة، وربما أُضِرُّ القضية التي أسعى من أجلها. باختصار: أصبحت متردداً أكثر وأكثر.. حتى في أموري الشخصية. وكلما زاد عدد أعدائي.. أصبحت - داخل عقلي - في صفهم أكثر، وبذلك.. أصبحت أسوأ عدو لنفسي.
كيف يمكن أن أشرح هذا التغير، الذي لم يكن محتملاً، في شخصيتي؟ ربما أفكر في الجواب بعمق أكثر عندما لا أصبح رئيساً، وهذا سيحدث في فبراير 2003، عندما يكون عندي وقت بعد انسحابي وابتعادي عن السياسة والحياة العامة، وأصبح - مرةً أخرى - إنساناً حراً تماماً. عندها.. سأكتب شيئاً غير الخطب السياسية.
أما الآن، فاسمحوا لي أن أقترح سبباً من أسباب عديدة لهذا التغير في شخصيتي. عندما تقدمت في العمر، وأصبحت أكثر نضجاً، واكتسبت خبرة وفكراً أعمق، بدأت أفهم تدريجياً مقدار مسؤوليتي والالتزامات الغريبة المصاحبة للعمل الذي قبلته. وكذلك.. فإن الوقت يقترب دونَ رحمة من اللحظة التي لا يقوم فيها العالم والذين حولي - والأسوأ: ضميري - بسؤالي عن أهدافي ومبادئي، وماذا أريد أن أحقق، وكيف أريد أن يتغير العالم.. بل سيبدأون بسؤالي: ماذا فعلتُ عملياً؟! وماذا حققتُ من خططي؟! وماذا كانت النتائج؟! وماذا أريد أن يكون ميراثي السياسي؟! وما طبيعة العالم الذي سأتركه خلفي؟! وهكذا أجد الاضطراب الروحي والفكري نفسَه، الذي أجبرني على تحدي النظام الشمولي السابق ودخول السجن، يتسبب في أن تكون عندي شكوك قوية في قيمة عملي الذاتي، أو إنجازات الأشخاص الذين عينتهم وجعلت لهم نفوذاً.
كنت عندما أستلم الثقافة الرقمية الدكتواره الفخرية في الماضي، وأستمع إلى الخطب التي تمجدني في هذه المناسبات، أضحك داخل نفسي على كوني في أكثر هذه المناسبات أصبحت مثل بطل قصة أسطوريّة، مثل شاب يَضرب -باسم الحق والخير- برأسه حائطَ قلعة يسكن فيها ملك شرير حتى يسقط الحائط ويصبح هو بدوره ملكاً عادلاً سنواتٍ طويلة. لست أستهين بهذه المناسبات.. فأنا أقدِّر جميع الثقافة الرقمية الدكتوراه الفخرية التي حصلت عليها، وشعرت بتأثرٍ شديدٍ في كل مناسبة.
وإنما ذكرت هذا التشبيه، الطريفَ نوعاً ما، لهذه الأشياء؛ لأني بدأت أفهم الآن كيف أن كل شيء كان فخاً شيطانياً نصبه القدر لي! لقد نُقلتُ بين يوم وليلة إلى عالم الأساطير، ثم في السنوات التي تلت ذلك اضطررت للعودة إلى الواقع، وإلى فضيلة معرفة أن عالم الأساطير هو مجرد وهم إنساني، وأن العالم ليس مشيَّداً على نمطها. وهكذا، ومن غير أن أحاول أن أكون مَلِكاً أسطورياً، وبالرغم من أني وجدت نفسي مجبراً عملياً على منصبي من خلال مصادفة تاريخية كتلك.. لم أُمنح أية حصانة دبلوماسية من السقوط الموجع على أرض الواقع الصُّلْب.. سقطت من عالم المتعة الثورية الأسطوري إلى عالم الرتابة «البيروقراطية» الواقعي!
أرجو أن تفهموني جيداً! أنا لا أعني مطلقاً أنني خسرت المعركة، وأن كل شيء كان عقيماً. على العكس، العالم والإنسانية والحضارة يمران في أهم تقاطع في تاريخهما. لدينا فرصة أكبر من أي وقت مضى لفهم وضعنا وتناقضاتنا، وأخذ قرار في مصلحة العقل والسلام والعدل.. وليس لمصلحة تدمير أنفسنا.
لكي نسير في طريق العقل والسلام والعدل.. نحتاج إلى الكثير من التأمل، والمعرفة، والعمل الشاق، وإنكار الذات، والصبر، والاستعداد لمخاطرة سوء الفهم من الآخرين. وفي نفس الوقت نحتاج أن يعرف كل شخص طاقته ويعمل بمقتضاها، متوقعاً أن قوته ستزيد أو تنقص بموجب المهام الجديدة التي وضعها لنفسه. بعبارة أخرى: لن يكون هناك اعتماد على الأساطير، ولن يكون هناك اعتماد على مصادفات التاريخ التي ترفع الشعراء إلى أماكن إمبراطوريات وجيوش سقطت وزالت. أصوات الشعراء التحذيرية ينبغي أن يُصغَى إليها بعناية وجديّة.. ربما بجديّة أكبر من أصوات أصحاب البنوك وسماسرة الأسهم! لكن، وفي نفس الوقت، يجب ألاَّ نتوقع أن العالم عندما يحكمه الشعراء سوف يتحول إلى قصيدة!
ورغم كل ما ذكرته.. فإن هناك شيئاً واحداً أنا متأكد منه دونَ ريب: بغض النظر عن أدائي الدور الذي أُعطي لي، وبغض النظر عن كوني أُريده في المقام الأول - أو حتى أستحقه أم لا -، وبغض النظر عن مقدار رضاي الشخصي، أنا أعتقد أن رئاستي كانت هِبَةً رائعة من القدر. على الأقل حصلت على فرصة لأساهم في أحداث تاريخية خلال متغيرات عالمية كبرى. وهذه الفرصة العظيمة كانت - دونَ شك – تستحق كل الفِخَاخ المنصوبة خِفْيةً داخلَها.
والآن.. اسمحوا لي أن أحاول أن أبتعد عن نفسي، وأن أقدم صياغة لثلاثٍ من يقينياتي القديمة التي تأكدتُ منها خلال فترة رئاستي:
أولاً: لكي تنجوَ الإنسانية، وتتجنبَ كوارثَ جديدة.. فإن النظام السياسي العالمي يجب أن يصاحبه احترام صادق ومتبادل بين جميع الحضارات والثقافات والدول، وأن تصاحبه جهود صادقة من الجميع للبحث عن - والعثور على - المبادئ الأخلاقية الأساسية المشتركة، وبالتالي.. مزجها في قواعد عامة تحكم تعايشهم في هذا العالم الوثيق الاتصال.
ثانياً: تجب مواجهة الشر في مهده، ويجب استعمال القوة إذا لم يكن هناك خيار آخر. وإذا كان لا بد من استعمال الأسلحة المتطورة والمكلفة جداً؛ فيجب أن تستعمل بطريقة لا تضر بالسكان المدنيين. وإذا كان ذلك غير ممكن؛ فإن المليارات التي صرفت على هذه الأسلحة تكون قد ضاعت هَدَراً.
ثالثاً: إذا فحصنا كل المشاكل التي تواجه العالم اليوم، سواءٌ أكانت اقتصادية أم اجتماعية أم بيئية أم حضارية؛ فإننا سوف نواجه - شئنا أم أبينا - إشكاليةً تتعلق بالعمل الواجب اتخاذُه: أهو مناسبٌ ومسئولٌ، من وجهة النظر العالميّة البعيدة المدى، أم لا؟
للجواب عن هذا السؤال.. لا بد من مراعاة المحاور الأساسيّة والعالميّة التالية: النظام الأخلاقي، وحقوق الإنسان، والضمير الإنساني، والفكر المنبثق عن هذه المحاور والذي لا يمكن إخفاؤه خلف ستار من الكلمات المنمّقة والنبيلة.
أصدقائي الأعزاء.. عندما أنظر حولي وأرى أشخاصاً كثيرين مشهورين، يبدون وكأنهم هبطوا من مكان ما في السماء العالية، لا أستطيع مقاومة الشعور أني في نهاية سقوطي الطويل من عالم قصة أسطوريّة إلى الواقع الصُّلْب أجد نفسي مرة أخرى داخل قصة أسطوريّة! ربما الفارق الوحيد  هو أنني الآن أدرك هذا الشعور أكثر مما كنت أقدر عليه في ظروف مشابهة قبل ثلاثة عشر عاماً"

الخصوصية السوداء
رغم ولاءاته المتعددة التي يتهم بها، تبقى تجربة الشاعر السنغالي ليوبولد سيدار سينجور الرئاسية عصية على الطمس وعلى جميع محاولات التهميش التي تتعرض لها.
التنوع الذي تتميز به شخصيته التي تشربت نسيم البحر وماءه المالح، والخليط الذي يعتقده والمكون من المسيحية والأحيائية "أقدم الديانات الإفريقية" صنع منه قدرة شاعرية إبداعية، وبعدا نضاليا كرسه مع الشاعر المارتينيكي إيميه سيزير من خلال مجلة ثورية سمياها بـ"الطالب الأسود" إبان صداقتهما في فرنسا، بلورا من خلالها مصطلح الزنوجة أو "الخصوصية السوداء" التي عرفها سينجور بأنها "  مجمل القيم الثقافية للعالم الأسود، كما تتجسد في الحياة المعاشة والمؤسسات والإبداعات الناتجة عن الإنسان الأسود."
خليط هجين ومتعدد الثقافات دفعه للاهتمام بالتعليم والتربية التي ستنشئ جيلا سنغاليا جديدا، جيلا آمن بالقيم التي زرعها سنجور، لتصبح السنغال إحدى الدول الديمقراطية القليلة في قارة إفريقيا، ديمقراطية تسمح بالتناوب على السلطة، إلا أنها ديمقراطية لم تخل من هيمنة الحزب الواحد، إذ يذكر عن سنجور أنه فرض نظام الحزب الواحد وسحق بعنف عدة حركات طلابية احتجاجية، كما يذكر عنه أنه سمح للفرنسيين بالتغلغل في مفاصل الحياة السنغالية؛ لأنه وكما يقال عنه حكم البلاد مع المستشارين السياسيين الفرنسيين.

ردة ثقافية
قد لا يصدق القارئ الذي قد تجذبه مهارة الروائي البيروفي الفائز بجائزة نوبل: ماريو باغاس يوسا، بأنفاسها وتلميحاتها وحتى تصريحاتها اليسارية، قد لا يصدق أن هذا الروائي عندما قرر أن يخوض معركة الرئاسة في بيرو، فإنه قرر أن يخوضها كمرشح عن جبهة ليبرتاد اليمينية والمشهورة بعدائها لليسار تحت شعار "الحرية الاقتصادية والسياسية".
لكمته الشهيرة الأخرى التي كان قد وجهها على الروائي الآخر الفائز بجائزة نوبل الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز وظفت هي الأخرى كي تكون لكمة لليسار الذي يمثله ماركيز.
ولا يفتأ هذا الروائي ذو العمق الروائي الذي تشهد به رواياته، لا يفتأ عن مفاجأتنا عندما نعرف أنه كان من أبرز المؤيدين للاحتلال الأمريكي للعراق، بل إنه رفض الخروج مع 700 ألف إسباني مناهض للحرب على العراق واجه هذه المناهضة بمقالات مؤيدة للأمريكان تحت ذريعة تخليص العراق من ديكتاتورية رئيسه السابق صدام حسين، قبل أن يتراجع عن آرائه بعدما عاش الجنة الموعودة التي شيدها الأمريكان هناك في العراق.
ابنه ألفارو بارغاس يوسا قد يكون أقل تقلبا وأكثر ثباتا من والده، كيف لا وهو الذي الذي صفقت له الصحافة الأمريكية كثيرا باعتباره النموذج الأبرز للشاب الأمريكو لاتيني الناجح بعد كتابه "أسطورة تشي غيفارا ومستقبل الحرية" دعا فيه إلى تقويض الإرث الغيفاري والبوليفاري والانخراط في المشروع الليبرالي وتبني قيم السوق، من أجل التخلص من شبح اليسار العائد بقوة إلى الخارطة السياسية اللاتينية.
هذه التجارب الثلاثة من الممكن أن تؤكد رأي الناقد الثقافي السعودي محمد العباس الذي اعتبر المثقف في الغالب "ابن الثنائية الحادة إما أن يكون معارضا للسلطة وبالتالي ينتقل إلى الطرف المتمثل ضد كل ما هو مؤسساتي أو أن يكون أحد أركان السلطة بشكل سافر بمعنى أن يكون أحد المشاركين في صنع القرار السياسي أو المستشارين الذين يؤدون دور التبرير والترويج للسلطة".
فها هو التشيكي فاتسلاف هافيل يؤيد الغزو الأمريكي الامبريالي للعراق تحت ذريعة التخلص من ديكتاتورية، والآخر سنجور يحكم السنغال كما لو كانت مقاطعة فرنسية، والثالث يوسا صم قارئ رواياته بعرائضه اليسارية، وفاجأ الواقع بطموحاته اليمينية