الصباحات

كتب بواسطة: د.سلمان العوده | في طفولة قلب . بتاريخ : Jun 16 2012 | العدد :88 | عدد المشاهدات : 4353

الصباحات

نسخة للطباعة
كنت أرقبها وهي تميط اللثام الأسود عن محيَّاها الفتَّان، وتُقبِل عليَّ بحنانٍ ودفء، أحس بأنها تخاطبني بلغتها الصامتة، وتستحضرني أمامها كأم لا تعرف في هذا العالم غيري!
كل يوم كانت تخُطُّ على صفحة أيامي ذكرى جديدة، أو تلقنني درساً يصعب نسيانه، أو ترسم بأشعتها الذهبية المنسابة عبر الأثير وجه وردة صفراء مبتسمة.
لم تكن ابتسامتها صفراء بل كان اصفرارها ابتساماً!
هل للورود خدود؟
أجل!
وباسمة أيضاً كما يتخيَّلها الفنان المبدع أو الطفل البريء.
فإذا اعتراها الحزن تقلَّصت وظلّلها وجوم وشحوب غريب عن طبيعتها، لذا فهي لا تألفه ولا تستسلم له.

يرحل الموت يا خدود الورود
وتدب الحياة في كل عــــــــود
العصافير في تلك الأصابيح تسجع بألحان الفرح في مهرجانها الدؤوب، وتهفو إلى الغيمة فوقها كأنما تناجيها أو تستنطقها أو تستدر دمعها الهتون..
الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور.
الخواطر والأشعار والقصص حين تولد في الصباح تبدو أجمل، فحروف الصباح مشحونة بطاقة إبداعية وروح ايجابية، لذا فهي تنتمي إلى الحياة والأمل والانتظار الجميل.
القهوة رفيقة الصباحات لست أشربها بكوب أو فنجان بل بحواسي كلها؛ خاصة حين كنت أستلمها من يد أُمٍّ تمنح قلبها مع كل رشفة، وترقب جنينها من حيث يدري ولا يدري!
ذكريات الأم، والحقل، والريح الرخاء، وحفيف الأشجار في القرية.. تهطل بكرم سخي، وترسم ابتسامة على الشفاه لا تغيب.
صوت الصباح حين يتنفس الصعداء وينثال نوراً هو انبثاق عذب لا ينصت له الكثيرون
الكسالى يتثاءبون
والشمس تنادي: إن البركة في البكور
ولا بكور مع السهر!
أحلام ورديَّة جديدة تستنشق روح الحياة بعدما كانت غافية في خدر مريب، حتى صحت على إيقاع الصباح، ووقع خطاه فتألَّقت كعروس شرقيَّة تعيش أحلامها الأولى قبل أن تنقلب حياتها إلى كابوس خانق!

(أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ)؟
الصبح شاعرٌ يكتب أجمل القصائد، وبشيرٌ يزفُّ أحلى المفاجآت!
همسٌ يُحدِّثني أن الليل لن يطول؛ مهما تكاثفت سحبه وادْلهمَّ ظلامه، فأشعة الشمس أقوى وأطول نَفَساً وأسرع، والعالم يقيس بسرعة الضوء وليس بزحف الظلام!
إشراقة الشمس انتصار، والفجر فرج، إنها أنفاس نورانية تَهُبُّ في الأسحار..

يا سيدي الصبح من يحصي قوافلنا
على الصراط إذا ما اعتمت طـــــرقُ
لقد تأخرت، لكني أرى وهجـــــــــــــــــاً
من طيفك الغض، يعدو خلفه الأفـقُ
والناس تخرج من أكفانها فرحــــــــاً
و يهجر الموت، مَنْ ماتوا، ومَنْ أبـِقوا
الله !  كيف استعاد الحلم مهرتــــــه
بين الملايين؟ إن الحلم ما عشقـــوا

في الصباحات الشتوية تتدثر الشمس بحجابها الكثيف، وتنتفض الأجساد الناعمة من لسع البرد، وتظل العيون ممتدة إلى السماء؛ تترقب نهاية الجولة وهي تعرفها لا محالة.
أدرك جيداً أن حياتي ستمضي -كما كثيرون قبلي- دون أن تشهد خرقاً للنواميس، وأن أحداثاً ضخمة نشهدها ستظل تصغر وتصغر حتى تبدو عادية.. ولهذا السبب بالذات اغتنم الفرحة، وأُصفِّق لها في حرارتها وطراوتها.. قبل أن تقتل الأيام بهجتها.
برودة الماء والهواء والريح الصِرّ تمنح سبباً لإسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطَا إلى المساجد.. فهناك الدفء والأمان والروح.
لا أعرف وجوه الكثيرين من أصدقائي، ولا ملامحهم وتفاصيلهم، ولكني أعرف الصباحات التي تجمعني بهم، فَهَلُمَّ نقتسم الصباح الجميل بحب وأمل.

أَلَيسَ اللَيلُ يَجمَعُني بلَيلى         
كَفاكَ بِذاكَ فيهِ لَنا تَداني
تَرى وَضَحَ النَهارِ كَما أَراهُ         
وَيَعلوها النَهارُ كَما عَلاني

أكتب صباحاتي بحرف متفائل، وأتنفسها بحبٍ، وأحاول مع كل صباح أن أكتشف حجم الزيف الذي تعوَّدت وجوده في داخلي.
شكا إليَّ غماً يُصاحبه منذ طفولته الأولى، وأسرته المشتتة؛ فطلبت إليه أن يصوغ كل صباح رسالة جميلة، حافلة بعبارات الأمل والامتنان للخالق، والشكر، والسؤال عن الحال، وأن يبعث بها إلى أصدقائه ومعارفه وزملائه، ويقرأ مردودها الإيجابي عليهم.
إنهم ينتظرون هذه الكلمة على الريق، وكأنما هبطت عليهم من الجنة، (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ)(الحج: من الآية24).

في كل صباحٍ جديد أحاول أن أرى الدنيا من حولي بعيون جديدة قد انقشعت عنها غشاوة السوداوية والظلام، وأن اجعل نظرتي للحياة اليوم أكثر تفاؤلاً وإشراقاً وتوقُّعاً للأفضل، ولن يعجز عن ذلك قلب يدري أن الله معه، وأن الله رحيم وكريم وطيِّب!
أعتبر الصباح الذي يطرقني صديقاً قديماً عزيزاً يباغتني كل مرة بحضوره المتألق، ويهديني أجمل المفاجآت!
أبحث عن غيمة معطاء، تتحدَّر عبر سماء الحلم، تغسل روحي، وتذيب جليد الأسى في داخلي.

قد أستهل يومي بالصحو على طرقات تلك الحمامة لنافذة فوق السرير تحاول إيقاظي بلطف، وكأنها تدعوني للمشاركة في مهرجان التسبيح!
أو استيقظ على أصابع طفل شبع من النوم وتسلل إلي يداعبني ويدعوني إلى اغتنام الحياة!
أو على جرس المنبه يصيح مثل إنذار خطير فتفزع قبل أن تستعيد هدوءك!

أمس حدث لي العديد من التجارب الصغيرة؛ التي يجب ألا تتلاشى، فما أنا إلا حفنة من هذه التجارب الفاشلة أو الناجحة، وربما أسهمت التجربة الفاشلة في صياغتي وتحفيزي وضبط إيقاعي أكثر من أختها التي أدعوها ناجحة.
وكلها تحملني إلى زمان تخلَّت عن الحقد أيامه، ولم يبق لديها من فائض الوقت ما تنفقه في حروب موهومة.
شمس البارحة بصفرتها الباهتة غربت بكل أحزاني وآلامي، وأسلمتني لليلة هادئة هانئة عشت جمالياتها بروحي وعقلي وإيماني؛ الذي يزداد رسوخاً بمرور الزمن، وتجاوز عثار الشباب.

وَأَرى اللَيالي ما طَوَت مِن شِرَّتي        
 زادَتهُ في عظتي وَفي إِفهامـــــــــي

حين يصافح الصحو عقلي أتجه بالعادة إلى الذكريات الحلوة، والوعود الخيِّرة، وأتذكر أن لي أهلاً وأولاداً وأصدقاء، وأحلاماً ترفض الذبول، وأن العافية تملأ إهابي، والسعادة أصبحت خدناً وحليفاً، فتبزغ الفرحة وأقتنصها كمولود جديد، وأضمّها إلى صدري وكأنني أحميها من نهش المخاوف أو مباغتة الأحزان.

لا ترهق عقلاً بدأ يصحو لتوِّه بمباشرة هَمٍّ أو غَمٍ أو قلقٍ، وأحكم السياج حوله، دعه يتمرَّن ويستكمل استعداده بهدوء وأناة.
اجعل إحساسك بالحياة اليوم مغموساً بالأمل، منقوعاً بالرضا ، ولن يخيب ظنك ما دام موصولاً بحبل الله.

مع كلّْ طلةْ صبحْ لا غرَّد الطيــــــــــــــرْ
قم وابتسمْ وازرع بقلبكْ أمانــــــــــــي!
وكلّْ يومٍ غيرْ وصِيرْ مثلهْ بَعَدْ غيـــــــرْ
حاول عن أمسْ.. تْكونْ إنسانْ ثاني!

 فأطلق لروحك أشواقها، فبقربك عوالم غنية من البهجة والحب؛ هي أرواح الجنة وطليعتها وعاجل نعيمها.


جدة – الأحد
الثانية ظهراً
23/1/1433هـ