إعلام العراق الجديد تحت ظل الاحتلال وإلى شمس الحرية

كتب بواسطة: سارة علي | في الملف . بتاريخ : Jun 16 2012 | العدد :87 | عدد المشاهدات : 3047

إعلام العراق الجديد  تحت ظل الاحتلال  وإلى شمس الحرية

نسخة للطباعة
الإعلام الجديد ومواقع التّواصل الاجتماعيّ ليس ثورة في عالم الإعلام فحسب، ولكن واقع الثّورات العربيّة يشير بالبَنان إلى تلك المواقع التي كان لها دور مهم في انطلاق الثّورات، ولأن العراق جزء من عالم الثّورات العربيّة فقد ساهمت أيضًا مواقع التّواصل الاجتماعي في بثّ الروح الثوريّة والانتفاضة من جديد، على واقع الاحتلال وحكومة المالكي، التي لم تحرص على تقديم شيء يُذكر للشّعب العراقيّ، قياسًا بإمكانات البلد وقدراته الماديّة والعلميّة.

صفحات معارضة
عشرات الصّفحات العراقيّة التي تأسّست على (الفيس بوك)، أطلقها شباب عراقيّ من داخل العراق وخارجه دعمًا للتّظاهرة، ولم يبدُ عليها توجّهات سياسيّة معينة، ولكنّها استقبلت عشرات الآلاف من المعجبين والمشاركين.
      ومن أكثر الصفحات مشاركة من قِبل المتابعين للعراقيّين هي صفحة "الثورة العراقيّة الكبرى"، والتي استقبلت (27.000) ألف معجب، ومنها انطلقت دعوات التّظاهر يوم 25 فبراير في ساحة التحرير، وضمّت مئات التّوقيعات والتّصاميم الداعية للتّغيير، وتصوير بعض جوانب الواقع العراقي، فضلاً عن مئات الآلاف من التّعليقات.
ومن هذه الصّفحات على (الفيس بوك) أيضًا صفحة "ادعم انتفاضة الشعب العراقي"، والتي دعت إلى الانطلاق ببداية التّظاهرات في 25 فبراير، وخلال (72) ساعة من انطلاق هذا الموقع شهد دخول وتسجيل (1400) مشترك، طرحوا الكثير من الآراء والانتقادات لواقع الاحتلال وتردّي الخدمات في العراق.
      وهناك صفحة أخرى هي صفحة "ادعم انتفاضة الشعب العراقي في ساحة التحرير يوم 25 شباط/فبراير 2011"، وقد استقبلت وتفاعلت مع أكثر من (19.700) معجب ومشارك. وأغلب تلك الصّفحات تناولت واقع الاحتلال في العراق، وتردّي الخدمات، وأكاذيب حكومة المالكي بشأن التّغيير والديموقراطيّة وإعمار البلد. وقد تنوّعت التعليقات، التي جاءت جميعها مؤيّدة للانتفاضة، والمؤيّدة لوحدة الشعب العراقي، ونبذ الطائفيّة.

كذاب
وتوالت المظاهرات العراقيّة من خلال دعوات (الفيس بوك) ومواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، ولكثرة المتطوّعين نجد أن هذه المواقع العراقيّة على (الفيس بوك) شهدت نقلاً سريعًا مرفقًا بصور وأفلام عمّا يجري من تظاهرات في ساحة التّحرير وسط بغداد وفي محافظات العراق المختلفة، ولقد ساهمت هذه المواقع بشكل كبير في فضح أكاذيب الإعمار وإعادة البنيان في العراق، فما إن انطلقت المطالبات الشعبيّة العراقيّة في ساحة التحرير في العراق عقب ثورتي تونس ومصر حتى سارع العراقيّون من خلال (الفيس بوك) بالنزول إلى ساحة التحرير العراقيّة، والمطالبة على الأقلّ بتحسين أوضاع العراق، ومنها الأوضاع الخدميّة، وخرج على أعقابها المالكي ليقول للشّعب العراقي: أمهلوني مدة مائة يوم لإعادة الخدمات إلى العراقيّين، ومنها خدمتَا الكهرباء والماء، وعلى إثر ذلك ظهرت على صفحات (الفيس بوك) -الخاصّة بانتفاضة ثورة العراق- عبارات تشير إلى أن نوري المالكي كذّاب، فنزل الشباب العراقي في الجمعة التي تلتها ليهتف الكلّ: (كذّاب نوري المالكي..كذّاب)، وصارت هذه العبارة هتافًا يهتف به العراقيّون في تظاهراتهم، حتى صارت أغنية شعبيّة ملحّنة ومغنّاة.
لكن يبقى العراق على الرغم من كل ما يُنشر في صفحات (الفيس بوك) والمطالبة بالثورة- تبقى له خصوصيّة تختلف عن بقيّة الدول العربيّة؛ ذلك أن العراق بلد محتلّ، وسيطر الاحتلال على أغلب مفاصل الحياة فيه، وبالتأكيد فإنّ الاحتلال حريص على بقاء حكومة المالكي الخادمة لأهدافه، وهذا ما نراه حتى من خلال وسائل الإعلام المختلفة، سواء العالميّة منها والعربيّة؛ إذ لم يكن اهتمامها بشأن التظاهرات والمطالبات بالتّغيير بنفس القدر الذي أوْلتْه وسائل الإعلام والقنوات الفضائيّة للثّورات العربيّة في بعض البلدان العربيّة؛ لأنّ الاحتلال لا يرغب في التركيز على الواقع العراقيّ، ليس ذلك فقط، بل إنّ الإعلام في العراق في مفاصل كثيرة منه تابع بشكل مبطّن أو ظاهر للاحتلال الأمريكي؛ فبعد الاحتلال قامت شركة أمريكيّة خاصّة تدعى (ساينس ابليكيشن انترناشينال كوربريشن)،
وتعاقدت مع البنتاجون في شباط 2003، ومُنحت ثلاثة عقود لبناء الجهاز الإعلاميّ في العراق بعد سقوط نظــام صدام حسين، بلغت قيمتــها (108) ملايين دولار، وهي مسيطرة على الكثير من القنوات الفضائيّة، ودعم الكثير من الصّحف ووسائل الإعلام العراقيّة. وقد وصل الأمر إلى جانب آخر أكثر خطورة، حيث يقوم المالكي وأيضًا الاحتلال الأمريكي بدفع الكثير من الأموال لتبيض صورته، من خلال بعض صفحات التواصل الاجتماعي، ومن خلال الإعلام بكل صوَرِه.


فضيحة أخرى
(مارك مازيتي) و(بوزو داراغا) -وهما صحفيّان أمريكيّان-، نشرا فضيحة جديدة لإدارة الاحتلال الأمريكيّة في العراق. مفادها أن قوّات الاحتلال الأمريكيّة تقوم بتقديم رُشًا لبعض الصّحف العراقيّة لنشر تقارير يكتبها ضبّاط وحدة العمليّات الإعلاميّة في وزارة الدفاع الأمريكيّة، وهي إحدى الكتائب العسكريّة الأمريكيّة المتخصّصة بالدّعاية والتّضليل الإعلاميّ. وتتضمّن هذه التقارير -التي تُنشر على أنها من إعداد صحفيّين عراقيّين- الثناء على الاحتلال الأمريكي للعراق، والترويج والدّعاية والدّفاع عن أعمال الجنود الأمريكان ووصفهم بالمحرّرين، ولتبييض صورة أمريكا أمام الرّأي العام العراقيّ.
وتتمّ ترجمة المقالات التي
يُعدّها مركز معلومات العمليّات التابع للجيش الأمريكي للعربيّة، وتُنشر في صحف بغداد ومواقع عراقيّة، ويتمّ هذا عبر مساعدة يقدّمها وسيط متعهّد في الأمور الأمنيّة. وتحتوي المقالات والتقارير على شجب للمقاومة ونعتها بالإرهاب، وثناء على الجهود الأمريكيّة لبناء العراق، ووصف الجهود العسكريّة في التصدّي للمقاتلين.
وكشفت صحيفة (لوس أنجليس تايمز) عن حجم العمليّة، من خلال تقارير ومقابلات مع مسؤولين أمريكيّين، حيث دفعت مبالغ ضخمة للصحف العراقيّة لكي تنشر مقالات تحت عناوين مثل: "العراقيّون مصمّمون على العيش رغم أنف الإرهاب". وقام الجيش باستئجار شركة تعهّدات علاقات عامّة اسمها لينكولن غروب (Lincoln Group) مقرّها في واشنطن، تقوم بترجمة المقالات ووضعها في الصّحف العراقيّة. ويقوم موظفو الشّركة العراقيّون بالتظاهر بأنّهم كتّاب صحافيّون يتعاملون بالقطعة، أو أنّهم مدراء شركات إعلانات عندما يقومون بنقل المقالات إلى دور الصحف.
وبرّر الجيش الأمريكي رشوة الإعلام العراقي بأنّ هذا الإجراء “وسيلة أساسيّة للقادة العسكريّين للتأكّد من أنّ الشعب العراقي يحصل على معلومات آنيّة وحقيقيّة وذات مصداقيّة”، فأغلب الإعلام في العراق يخدم المصلحة الأمريكيّة. وحتى بعدما قرّر الرئيس الأمريكي أوباما تحديد موعد للانسحاب الأمريكي من العراق تحت الضغوط الداخليّة بالعراق والمقاومة للاحتلال، إضافة إلى رغبة المواطن الأمريكي بأهميّة الانسحاب من العراق، لكن نرى أن الإعلام في العراق يروّج لمخاطر الانسحاب الأمريكي من العراق، وعلى أهميّة بقاء الاحتلال في العراق، وهذا يتجسّد من خلال وسائل الإعلام المختلفة، وحتى بعض النقاشات والأحاديث على صفحات (الفيس بوك) ومواقع التواصل الاجتماعي؛ فالعراقيّون اليوم وصلوا إلى الرفض القاطع للاحتلال ولحكومات الاحتلال المتعاقبة، ومن يدخل صفحات (الفيس بوك) والتواصل الاجتماعي يصل إلى هذه النتيجة، ولكنّ الاحتلال لا يهتمّ إلاّ بتحقيق مأْربه، ويدّعي مساندته للثّورات العربيّة، ويتغاضى عن ثورة وانتفاضة العراق