ربيع العرب.. من الفيسبوك إلى البرلمان

كتب بواسطة: مصطفى عبدالجواد | في الملف . بتاريخ : Jun 16 2012 | العدد :87 | عدد المشاهدات : 2327

ربيع العرب..  من الفيسبوك إلى البرلمان

نسخة للطباعة
شكلت الانتخابات الرئاسية الأمريكية في 2008 نقطة الانطلاق الكبرى لاستخدام شبكات التواصل الاجتماعي على الانترنت في توجيه وحشد الرأي العام، حيث استخدم القائمون على حملة المرشح الديمقراطي، والرئيس الحالي، باراك أوباما، شبكتي "فيس بوك" و"تويتر" بكثافة واقتدار لحشد التأييد والدعم، مما حوَّل أوباما لنجم الانتخابات بلا منازع، بل أصبح رمزًا لكل الحالمين بأمريكا ومستقبل أفضل عبر العالم، ليتوَّج في النهاية كأول رئيس أسود للولايات المتحدة.
ولم تنجحْ حملة أوباما فقط في استقطاب أصوات شريحة واسعة من الأمريكيين العازفين أصلًا عن ممارسة السياسة، خاصة من الشباب والملونين والمهاجرين، ودفعهم للتخلي عن سلبيتهم والذهاب لمراكز الاقتراع، بل إن تلك الشبكات كانت بمثابة وسائل إعلام بديلة؛ متغلبة بذلك على سيطرة المرشحين الكبار على وسائل الإعلام المؤثرة، كما أن حملة أوباما الانتخابية جمعت عبر الإنترنت أكبر مبلغ من التبرعات في تاريخ الانتخابات الرئاسيَّة الأمريكيَّة.

مصدر إلهام
وشكل هذا "التوظيف المبدع" للتواصل عبر الانترنت وسيلة إلهام للشباب في الدول العربية، خاصة تلك التي تمتلك بنية تقنية جيدة، على غرار مصر وتونس، لكن لجوء الشباب العربي لذلك كان دافعه الأول هو الالتفاف على الحظر والرقابة الأمنية على كافة وسائل التواصل المباشرة، بالإضافة إلى أن سقف الحرية عبر الانترنت كان يفوق بكثير المسموح به في وسائل الإعلام التقليدية، وهكذا أصبح الانترنت مجالًا لحرب غير معلنة بين شباب مملوء بالأمل والرغبة في التغيير، ومتسلحًا بمهارات تقنية بسيطة لكنها عصية على القمع، في مقابل أجهزة أمنية، كانت تلهث لملاحقة هؤلاء الشباب، لكن التطور المذهل لتقنيات الانترنت كان يمنح الغلبة دائما للشباب، خاصة أن عقولهم اليانعة أكثر قدرة على استيعاب وتوظيف التكنولوجيا الحديثة، مقارنة بأجهزة أمنية عتيقة ومترهلة.
ويعد محمد البرادعي، الناشط السياسي المصري والمدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، من أوائل الساسة الذين راهنوا على "شباب الفيس بوك وتوتير"، وتنبأ بأنهم سوف يشكلون القاطرة لمسيرة التغيير في بلاده، ومع أن ذلك قوبل بسخرية واسعة من الإعلاميين والنخب الموالين لنظام مبارك، إلا أن البرادعي انخرط في حوار متواصل مع هؤلاء الشباب، ليحثهم على النزول إلى الشارع، ومحاولة توعية الجماهير وكسب تأييدها، وشكلت حملة "المليون توقيع" المطالبة بجملة من الإصلاحات خطوة فارقة نحو ذلك، إذ دشنت لانتقال هؤلاء الشباب من عالمهم الافتراضي إلى أرض الواقع، خاصة بعدما انضم شباب "الإخوان المسلمين"، للحملة، مما أكسبها ثِقلا شعبيا مهما.

"الانتقال للشارع"
وبالطبع فإن مسيرة الانتقال من "الفيس بوك" إلى "الشارع" لم تحقق النجاح المرجو من أول مرة، حيث فشلت العشرات من الوقفات والاحتجاجات التي تمت الدعوة إليها عبر الانترنت، بينما لم تلق دعوات أخرى تجاوبا شعبيا يُذكر، حتى أن البعض بدأ يفقد الأمل في حدوث أي تغيير، لكن إصرار الحكومات العربية على مواصلة مسيرة الفشل والقمع كان بمثابة الوقود الذي لا ينضب للأصوات الداعية للتغيير، ثم جاءت واقعة إقدام التونسي "محمد البوعزيزي" على إشعال النار في نفسه، والتزوير الفج للانتخابات البرلمانية في مصر عام 2010، لتشكل "شرارة" الثورة في البلدين، وهنا تجلت الإمكانيات الهائلة لشبكة الانترنت في الحشد والتعبئة، وتبادل المعلومات ونقل الأخبار للعالم في نفس لحظة وقوعها، وبالصوت والصورة، ومناورة وخداع الأجهزة الأمنية، وإبقاء المتظاهرين في مدن متباعدة على تواصل دائم مع بعضهم البعض ومع العالم الخارجي، بما يمنحهم الحماس والعزيمة للتماسك ومواصلة الاحتجاج.
وبنزول الملايين إلى الشوارع بدأ ثِقَل حركة التغيير ينتقل من "الانترنت" إلى "الشارع"، حيث ظهرت العشرات من الائتلافات والحركات المعبرة عن الثوار، فيما انخرط البعض في الأحزاب والتيارات السياسية التقليدية، لكن بقي "فيس بوك وتويتر" وسيلة رئيسية للتواصل وتبادل الآراء والأخبار، وصولا إلى إطلاق الدعوة للتظاهر والاعتصام، في حين ظل مجموعة من نشطاء الانترنت متمسكين بالسباحة في الفضاء الافتراضي، متعالين على ما يتضمنه الواقع من معطيات وأوزان، ومن هنا بدأت تظهر فجوة بين سقف المطالب الذي يرفعه البعض على الانترنت، وبين مجريات الواقع، وتجلت هذه الفجوة في "تظاهرات مليونية" جرت الدعوة إليها عبر الانترنت ولم تلق استجابة سوى من بضع مئات، كما أن شرائح واسعة من المواطنين تجاهلت قضايا كانت ملتهبة في فضاء الانترنت.

"الانتقال للبرلمان"
ومع انطلاق عجلة التغيير نحو إعادة مؤسسات الدولة في كل من مصر وتونس، أخذت الثورة في الانتقال، ولو بشكل جزئي، من الشارع إلى البرلمان، حيث جرى في تونس انتخاب "مجلس تأسيسي" سيتولى إدارة المرحلة الانتقالية، عبر انتخاب رئيس مؤقت ووضع دستور جديد، وعبرت تشكيلة المجلس عن مدى رغبة التونسيين في بدء مرحلة جديدة، حيث حظيت القوى التي عارضت "ابن علي" وعانت من القمع والتشريد، سواء كانت إسلامية أو يسارية أو ليبرالية، بغالبية المقاعد، فيما وجه التونسيون صفعة قاسية للقوى التي سارت في "ركاب ابن علي"، ورضيت بأن تكون "معارضة ديكورية" لتجميل وجه النظام.
أما في مصر فقد كشفت المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية عن توجه مماثل، حيث صوت المصريون للأحزاب الجديدة، سواء كانت إسلامية أو ليبرالية، بينما خرجت أحزاب المعارضة التقليدية بـ"خفي حنين"، حيث كان الناخب من الذكاء ليدرك أنها كانت جزءًا من النظام، الذي لم يبخل على زعمائها بالمنح والعطايا، وأن "أنيابها" الرخوة لم تكن لتنهش سوى "لحوم" الإسلاميين، بالإضافة إلى أن لافتات "اليسار والليبرالية" التي ترفعها ليست سوى شعارات جوفاء، لا وجود لها على أرض الواقع.

رهان المستقبل
كذلك فقد كشفت انتخابات مصر وتونس أن "الواجهات الدينية" ليست طريقًا مضمونًا لكسب أصوات الناخبين، فرغم وجود أكثر من قائمة ذات طابع إسلامي في انتخابات تونس، إلا أن الناخبين منحوا أصواتهم لحزب النهضة بشكل أساسي، لأنهم رأوا في برنامجه ومرشحيه الخيار الأفضل لتحقيق آمالهم، وهو نفس ما تكرر في مصر، ففي جولة الإعادة للمرحلة الأولى حقق مرشحو حزب "الحرية والعدالة" الإخواني فوزا كبيرا على منافسيهم من حزب "النور" السلفي، لأن الناخبين رأوا أن برنامج الإخوان هو الأكثر واقعية وملائمة لمتطلبات الواقع، كما أن الإخوان أكثر خبرة من السلفيين، حديثي العهد بالسياسة والانتخابات.
ورغم وجاهة الرأي القائل بأن الانتخابات التي شهدتها أو ستشهدها دول "ربيع الثورات العربي" ربما لن تفرز البرلمان الأفضل، إلا أن دوران العجلة أفضل بكثير من توقفها، كما أن الشعوب لديها الوعي لتصحيح اختياراتها في المرات القادمة، ولذا فإن الكثيرين يراهنون على أن تشهد الانتخابات القادمة بعد عدة سنوات، تركيبة أكثر تعبيرا عن جيل الثورة، أي شباب "الفيس بوك" و"تويتر"، بشرط أن يتنازل هؤلاء عن برجهم العاجي، وينزلوا إلى الشارع لمعرفة احتياجات وآمال المواطنين، وبالفعل فإن من فعلوا ذلك في الانتخابات الحالية في مصر وتونس نجحوا في حجز مقاعد لهم داخل البرلمان، إلا أن الطموح ما زال قائمًا في وجود شريحة أوسع من هؤلاء