النيجـــر تموت جوعًا!

كتب بواسطة: الإسلام اليوم | في متابعات . بتاريخ : Jun 17 2012 | العدد :86 | عدد المشاهدات : 2757

النيجـــر تموت جوعًا!

نسخة للطباعة
نحو عشرة ملايين شخص يموتون جوعًا الآن في النيجر، التي يبدو أنها وقَّعت عقدًا طويل الأجل مع الكوارث، منذ العام 1974 مرورًا بـ 1984 و 2005، وهي الآن تشهد الكارثة الأسوأ على الإطلاق.
واردات ضعيفة
وتبلغ مساحة النيجر خمسة أضعاف المملكة المتحدة البريطانية، وهي إحدى أفقر دول العالم، كما يتفوق معدل وفيات الأطفال فيها نظيره في أفغانستان، وقد عانت طوال عام 2009، من عدم هطول الأمطار مما أدّى إلى ضعف واردات المحاصيل، وندرة المراعي، بالإضافة إلى استنفاد الاحتياطي من المواد الغذائية.
بؤرة الأزمة في الآونة الأخيرة، أطلقت عشرات الوكالات الرائدة في مجال الإغاثة نداءً مشتركًا، حذَّرت فيه من كارثة الجوع الحادّ الذي يهدد قرابة (10) ملايين شخص في النيجر، وهو ما صدّقت عليه الأمم المتحدة، قائلة: "إن حجم الكارثة والوضع المأساوي في البلاد غير مسبوق"، مشيرة إلى أن النيجر تقع في "بؤرة الأزمة"، حيث يعاني أكثر من نصف سكانها من المجاعة. وبصفة عامة، تؤكد الإحصاءات أن البلد الغرب إفريقي يشهد أزمةً ساحقة، يزيدها سوءًا أن عدد من يجيدون القراءة والكتابة فيه لا يتعدون30%؛ فالفتيان، لا يقضون عادة سوى خمس سنوات في المدرسة، أما الفتيات فلا يزيد نصيبهن عن ثلاثة فحسب، بالإضافة إلى أن ثلثي الشعب يعيش تحت خط الفقر و 85% منهم لا يزيد دخله اليومي عن دولار أو اثنين.
باريس وبكين
قبل نيامي
ومن المفارقات أن تلك البلاد التي يعاني سكانها المجاعة، تمتلك وفرة من اليوارانيوم، لكنها تقوم ببيعه لفرنسا التي تزدهر فيها صناعة الطاقة النووية، كما أنها غنيّة بالنفط، الذي تظفر به الصين؛ ومن ثم لا يُرى أثر هذه التجارة على اقتصاد البلاد، بل تعتمد نصف ميزانية حكومة النيجر على المعونة المقدمة من المانحين، أما عائدات الموارد الطبيعية فتصبّ في مصلحة باريس وبكين قبل العاصمة نيامي.  
فاجعة ونكبة وسط المأساة، قابلنا سيدتين، في أحد المراكز الصحية بمدينة "جومبي كانو"- التابعة للمنظمة الدولية للرعاية، وهي إحدى المنظمات التي شاركت في نداء الإغاثة، والتي تُموِّل جزئيًّا من حكومة النيجر- قطعوا حوالي ثمانية كيلو مترات سيرًا على الأقدام، برفقة أطفالهن الذين يعانون سوء التغذية، حتى يراهم الطبيب "مصطفى تشابو"، وعليهما القيام بهذه الزيارة مع طفلتيهما الرضيعتين، فريدة وسارديجا، بانتظام لمدة ستة أسابيع. تقول إحداهما- وتُدعَى "حسنة"-: "ليس لديّ حليب أرضعه ابنتي عندما تبكي؛ لذا أقوم بإعطائها الدُخن (جنس نباتي ينتمي إلى الفصيلة النجيلية)". وعلى الرغم من أن التحسّن بدا على ملامح الطفلتين (إحداهما، عمرها 17 شهرًا، والأخرى عمرها عشرة أشهر) بعد حصولهما بانتظام على وصفة طبية من الدهون والمضادّات الحيوية والأدوية المضادّة للملاريا، فإنهما لا يزالان يعانيان نقصًا حادًّا في الوزن، يُقدّر بحوالي 20%.  بدوري، سألت الطبيب: ماذا سيحدث إذا لم تهطل الأمطار هذا الموسم؟ فأجابني، دون تردّد: "ستكون فاجعة ونكبة كبيرة"! لقد أنتج الجفاف في عام 2009 حصادًا قليلاً للغاية، احتكر عائداته المضاربون، ولم يكن حظ الفقراء منه إلاّ نظرة عابرة قبل الرحيل، أما مخازن الحبوب فكانت فارغة ولا تزال. وتقول (إيشان ايلا جاما)، أرملة من قرية نوماد تاجاي: "كان لدينا أكثر من (30) رأسًا من الماشية، أما الآن فلم يتبقّ منها سوى واحدة وحسب، بعد أن أُجبِرنا على بيع باقي الحيوانات بثمن بخس، واضطررتُ للذهاب إلى المدينة، لأقوم بالتسوّل وبيع الأعشاب".

صدقة يتبعها أمل
لعبة الانتظار.. صحيحٌ أن صندوق الغذاء العالمي، وغيره من وكالات الإغاثة في الأمم المتحدة، رصد معونةً تمنَّى شعب النيجر أن يُساهِم في تخفيف معاناته، لكن بعد طول انتظار فوجئ بخطأ حساباته، وأن المعونة المرصودة تكفي فقط قرابة (1.7) مليون نسمة، ومن ثم وصل العجز إلى 97%؛ لأن الأرقام الحقيقية تصل إلى أكثر من (7) ملايين نسمة يعانون الجوع، منهم ثلاثة في حاجة ماسّة إلى المعونة، لقد كان المستهدف من المعونة، التي وصلت مؤخرًا، ضئيلاً للغاية كما أن الميزانية التي رُصِدت لم تكن كافية، وسيظل الشعب في انتظار الصدقات.. والأمل.  
ومرة أخرى، لم يحصد شعب النيجر سوى (لعبة الانتظار)؛ فهم بانتظار هطول الأمطار وحصاد الخريف، كما يترقبون ما ستقدمه الأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي، للحصول على نصيبهم من أموال التبرعات لدفع تكاليف المساعدات الغذائية، أو هم في النهاية بانتظار أن يضيفهم العالم إلى قائمة الدول المنكوبة! "المستقبل بيد الله وحده"، هذا ما قاله والد خمسة أطفال تركوا قريتهم بحثًا عن عمل يمكنهم من الحصول على ما يأكلونه، مضيفًا: "لقد أمضينا أسبوعين دون أن يُوقَد في بيتنا نار للطهي، نحن الآن بانتظار أن يرسل أطفالنا الأموال".    
ألم يأنِ لهذا العالم المتخم بالثروات أن يتخلّى عن أنانيته، ويمدّ يد العون لهذه الدول الفقيرة التي تموت جوعًا، بينما يعاني هو التُّخمة، وتكابد العناء من أجل لقمة العيش، بينما يرفُل هو في النعيم؟!