وداعاً .. أنيس منصور بنك المعلومات .. رجل الكلمات

كتب بواسطة: محمد سيد بركة | في بروفايل . بتاريخ : Jun 17 2012 | العدد :86 | عدد المشاهدات : 3882

وداعاً .. أنيس منصور بنك المعلومات .. رجل الكلمات

نسخة للطباعة

أنيس منصور.. ملأ الدنيا.. وشغل الناس.. وها هو يعود إلى السماء بعد حياة أرضية رحل فيها إلى ذاته، وتجول بين ثنايا نفسه القلقة والمعذبة.. عاش الاغتراب رغم كثرة المحيطين به.. عاش يعاني من الرق.. ويخشى الإصابة بالبرد دائمًا، ويا للمفارقة؛ رحل في هدوء بعد تدهور حالته الصحية على إثر إصابته بالتهاب رئوي حاد.

كتب مؤخرًا في عموده مواقف في جريدة الأهرام يقول:

ما الذي خرجت به من هذه الدنيا!؟‏.. ‏صحيح ما الذي يمكن أن يخرج به الإنسان من هذه الدنيا..؟ والجواب: لا شيء.. لأنك إذا قلت أنك خرجت من هذه الدنيا بشيء فأنت لا تعرف ماذا تقول.. لأنه لا أحد يخرج منها بشيء.. فالذي يموت لا يترك شيئًا لأحد.. لأنه بعد وفاة الإنسان لا أحد.. فكل الناس بعده لا شيء أيضًا..

وإنما الذي يحدث هو أن الإنسان كما دخل الدنيا سوف يخرج منها.. كان وزنه ستة أرطال وسوف يخرج منها ووزنه ستون رطلًا.. دخلها سليمًا وخرج منها مريضًا..أو تقول لنفسك: كل هذا التعب والعذاب في الدنيا والنتيجة ماذا؟ لا شيء..

فمن يتابع عمود "مواقف" بجريدة الأهرام في الفترة الأخيرة يتأكد أنه كان يستشرف الرحيل بكتاباته عن الحياة والموت والماديات التي يلهث خلفها الإنسان طوال عمره دون جدوى, حيث وصف منصور الحياة بأنها مجرد كوبري يعبر عليه الإنسان إلى الناحية الأخرى والطريق طويل.

لم يكن أنيس منصور الذي غيبه الموت صباح الجمعة 21 أكتوبر 2011 م مجرد كاتب صحفي فحسب؛ بل كانت له رؤيته الفلسفية في مختلف مناحي الحياة، وساعدته مهنة الصحافة وأسلوب الكتابة الصحفية على توصيل أفكاره وفلسفته بصيغة سهلة ومبسطة يقدر على استيعابها عموم الناس؛ وهو الأمر الذي جعل لأنيس منصور شعبية واسعة تجاوزت الحدود المصرية منطلقة نحو المحيط العربي؛ لذلك وصفه العديد من المثقفين العرب بأنه أكثرهم انتشارًا وأنجحهم في الوصول للقارئ البسيط.

أنيس منصور.. سيرة ومسيرة

ولد أنيس محمد منصور في 18 أغسطس 1924، وحفظ القرآن الكريم في سن صغيرة في كتَّاب القرية، وكان له في ذلك الكتاب حكايات عديدة، حكى عن بعضها في كتابه: "عاشوا في حياتي"، وفي دراسته الثانوية كان الأول على كل طلبة مصر حينها، وهذا تتمة تفوقه في السنين السابقة، التي اشتهر فيها بالنبوغ والتفوق، حتى إنه إذا جاءت حصص اللياقة البدنية كان المدرسون يقولون له - كما ذكر هو في كتابه عاشوا في حياتي -: بلاش كلام فارغ، انتبه لدروسك ومذاكرتك، الأولاد دول بايظين، لأنهم كانوا يرون فيه مستقبلًا باهرًا وشخصية فريدة.

يقرّ أنيس منصور بصعوبة أن يخرج الإنسان من عباءة ذكريات الطفولة الأولى وسنوات التكوين البريئة، فللمكان سحره الطاغي، فيقول: كثير من البذور التي تركها ظلام الريف وحقوله وأزقته الضيقة والعواء والنباح والخوار والنقيق بقي في خيالنا يقاوم العلم والحضارة.. ويظهر في الذكريات أو في الأحلام.. أو في المخاوف التاريخية.. لقد سافرت إلى أركان الدنيا جوًا وبرًا وبحرًا.. ومن حين إلى حين تقفز قصة غريبة ليس لها أساس ولا أعرف كيف ظهرت ولا تبعًا لأي منطق مثلًا: كنت في جزر هاواي أتمدد على شاطئ وكيكي الجميل واستطعم الآيس كريم في نصف جوزة الهند فإذا بي أتذكر كفر حمص وبلدنا وذكرياتي فيها.

كما يقول عن بداياته:

11 شارع السكة الجديدة في المنصورة، كان بداية أشياء كثيرة في حياتي.. مجرد صدفة. ففي هذا الشارع كان يوجد محل نصر لبيع الورنيش، صاحب المحل فلسطيني وزوجته من بولندا، وعندما ذهبت إليها لأول مرة وجدتها تقرأ الأبله لديستوفسكي وباللغة الروسية.. وحاولت أن تشرح لي عظمة المؤلف والرواية ولكني لم أفهم.. أو لم أكن قادرًا على استيعاب هذا الذي تقول، ثم من هي؟.. وبالقرب من هذا الشارع توجد دار ابن لقمان الذي أسرنا فيه لويس التاسع أيام الحرب الصليبية، وفي داخل هذه الدار وأمامها وفي الطريق إليها أناس من كل شعوب الأرض أشكال وألوان وأحجام ولغات.. وكانت معهم كتب صغيرة وكبيرة بعد أن يقرءوها يتركونها إلى جوار الحائط.. وكنا نذهب لجمعها وأحيانًا نطلبها.. وفي إحدى المرات عندما تزاحمنا على هؤلاء السياح متسولين، فكانوا يعطوننا فلوسًا وأحيانًا بقايا طعام.. ولم تكن تسعفنا الانجليزية أو الفرنسية أو الايطالية فنؤكد لهم أننا لا نريد إلا الكتب.. شيء غريب في ذلك الوقت، كنا نجد أصحاب أي بيت وأي دكان يجلسون أمامه الرجال والنساء والأطفال، ومن السهل أن نتحدث إلى أي أحد في شيء مثلًا كانت هناك مكتبة الدميري يدخل الواحد منا يسأل: عندك مؤلفات المنفلوطي فيقال: لا.. نحن لا نبيع الكتب نبيع الكراريس والأقلام، ولكن إذا أردت أن تجد هذه الكتب اذهب إلى شارع كذا وإذا لم تجدها في هذا الشارع فسوف تجدها عند الست حميدة في شارع كوهين المتفرع من شارع الشيخ حسين.. إنها سيدة مسكينة، حاول تساعدها، ويجيء رجل طيب معنا يدلنا على مكان بيع الكتب الجديدة والرخيصة..

والتحق بكلية الآداب جامعة القاهرة، وحصل على الليسانس الممتازة عام 1947، وعمل مدرسًا للفلسفة الحديثة بكلية الآداب، جامعة عين شمس من عام 1954 حتى عام 1963، وعاد للتدريس مرة أخرى عام 1975، ثم تفرغ للكتابة والعمل الصحفي في مؤسسه أخبار اليوم، ثم الأهرام. له مقال يومي في جريدة الأهرام تحت عنوان "مواقف"، ويكتب أيضًا في جريدة الشرق الأوسط مقال يومي معنون، أي يضع له عنوانًا كل يوم، وليس تحت عنوان ثابت، وله العديد من المؤلفات في الإبداع الأدبي في شتى صوره.

وأنيس منصور هو كاتب صحفي وفيلسوف وأديب مصري، عمل رئيس تحرير للعديد من المجلات، منها الجيل، هي، آخر ساعة، أكتوبر، العروة الوثقى، مايو، كاريكاتير، الكاتب. وأسس مجلة أكتوبر في 31 أكتوبر 1976، وهي مجلة عربية سياسية اجتماعيه شاملة، ونقلت مقالاته التي كان يكتبها قديمًا إلى صحيفة آخر لحظة.

كانت بداية أنيس منصور في عالم الصحافة في مؤسسة أخبار اليوم إحدى أكبر المؤسسات الصحفية المصرية حينما انتقل إليها مع كامل الشناوي، ثم ما لبث أن تركها، وتوجه إلى مؤسسة الأهرام في مايو عام 1950 حتى عام 1952، ثم سافر أنيس منصور وكامل الشناوي إلى أوروبا، وفي ذلك الوقت قامت ثورة 23 يوليو 1952، وقام أنيس منصور بإرسال أول مواضيعه إلى أخبار اليوم، وهو نفسه كان يقول: كانت بدايتي في العمل الصحفي في أخبار اليوم، وهذا بالضبط ما لا أحب ولا أريد، فأنا أريد أن أكتب أدبًا وفلسفة، فأنا لا أحب العمل الصحفي البحت، فأنا أديب كنت وسأظل أعمل في الصحافة. ظل يعمل في أخبار اليوم حتى تركها في عام 1976 ليكون رئيسًا لمجلس إدارة دار المعارف.

استطاع أنيس منصور أن يتمرس إلى حد كبير في الحقل السياسي بقدرة هائلة، وبعد العهد الناصري ارتمى بقوة في حضن الرئيس السادات وكرس طاقاته كلها في التبشير وللتطبيع مع اليهود والترويج للتواصل معهم وعقد صداقات حميمة مع كبار الكتاب الإسرائيليين، فباعد ذلك بينه وبين الضمير المصري والعربي، حيث اعتبره الكتاب والأدباء المصريون خارجًا عما كان ينادي به في شبابه، لكن بقدر ما بعد أنيس منصور عن الالتزام بالموقف القومي بقدر ما اقترب بشكل حميم من الرئيس السادات، وأصبح محل سره وناطقًا بلسانه، بل ونديمه في كثير من الأحيان، وأصبح أنيس شريكًا في مجالس الملوك والحكام، يؤنس مجالسهم بنوادره وقفشاته المذهلة، فانعقد بينه وبين كثير من الأمراء العرب، خاصة في السعودية، أواصر هذه العلاقة الحميمة.

كما عاش أنيس منصور ثورة 25 يناير، ووصفها بأنها ستكون شرارة انطلاق ثورات باقي الدول العربية؛ متنبئًا بأن العالم العربي بعد ثورة الشباب المصري سيشهد انقلابات كبيرة على الحكام، خاصة هؤلاء الذين اشتهروا بغرورهم وثقتهم العمياء في سيطرتهم الكاملة على شعوبهم.

حصل أنيس منصور على العديد من الجوائز، تمثلت في الدكتوراه الفخرية من جامعة المنصورة، وجائزة الفارس الذهبي من التليفزيون المصري أربع سنوات متتالية، وجائزة كاتب الأدب العلمي الأول من أكاديمية البحث العلمي، وفاز بلقب الشخصية الفكرية العربية الأولى من مؤسسة السوق العربية في لندن، وحصل على لقب كاتب المقال اليومي الأول في أربعين عامًا ماضية، وجائزة الدولة التشجيعية في الآداب من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، عام 1963، جائزة الدولة التقديرية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة، عام 1981، جائزة الإبداع الفكري لدول العالم الثالث، عام 1981، وجائزة النيل (مبارك سابقًا) في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة، عام 2001.

مؤلفات شتى

وكان الراحل يجيد عدة لغات، منها العربية والإنجليزية والألمانية والإيطالية، واطلع على كتب عديدة في هذه اللغات، وترجم بعضًا من الكتب والمسرحيات، وألف كتبًا عديدة في مجالات شتى، كما سافر أنيس منصور للعديد من دول العالم، واحتفظ بالعديد من الذكريات، ولم يترك مدينة زارها إلا وكتب عنها، حيث كانت ذاكرته قوية وأشبه بالكاميرا التي تتذكر كل شيء، لذا كتب الكثير في أدب الرحلات، وربما كان الأول في أدب الرحلات، وألف كتبًا عديدة منها: حول العالم في 200 يوم، بلاد الله لخلق الله، غريب في بلاد غريبة، أنت في اليابان وبلاد أخرى، أطيب تحياتي من موسكو، أعجب الرحلات في التاريخ.

وفي إحدى المراحل كانت كتابات أنيس منصور فيما وراء الطبيعة هي الكتابات المنتشرة بين القراء والمثقفين، ومن أشهر كتبه في هذا المجال: الذين هبطوا من السماء، الذين عادوا إلى السماء، لعنة الفراعنة.

ومن كتبه الأخرى: دعوة للابتسام، الكبار يضحكون أيضًا، زي الفل، في صالون العقاد كانت لنا أيام، من أول السطر، يا نور النبي، إنها كرة الندم، نحن أولاد الغجر، الوجودية، يسقط الحائط الرابع، كرسي على الشمال، قالوا، يا صبر أيوب، يوم بيوم كل شيء نسبي، أرواح وأشباح، لأول مرة، هناك فرق، اللهم إني سائح، الحب والفلوس والموت وأنا* كائنات فوق* شارع التنهدات* الرئيس قال لي وقلت أيضا* شبابنا الحيران، على رقاب العباد (يحكي أغرب حالات الوفاة في التاريخ)، ولكني أتأمل (مقالات)، دعوة للابتسام، عبد الناصر المفترى عليه والمفترى علينا، إلا فاطمة، مذكرات شاب غاضب، مذكرات شابة غاضبة، وجع في قلب إسرائيل، الخالدون مائة أعظمهم محمد (مترجم)، و..

وبجانب تأليفه باللغة العربيّة ترجم أنيس منصور العديد من الكتب والأعمال الأدبية إلى العربيّة. فقد ترجم أكثر من 9 مسرحيات بلغات مختلفة وحوالي 5 روايات مترجمة، وتقريبًا 12 كتابًا لفلاسفة أوروبيين. كما ألف أكثر من 13 مسرحية باللغة العربية.

في صالون العقاد كانت لنا أيام

في مطلع شبابي وكان ذلك منذ أكثر من ثلاثين عامًا لم أكن أحب قراءة أنيس منصور، حيث كنت أشبه كتاباته بغزل البنات، وهي مادة مصنوعة من السكر وملونة تذوب بمجرد وضعها في الفم، وكنا نفرح بها كثيرًا ونحن صغار، ولكن عندما أصدر مجلة أكتوبر ورأس تحريرها كنت أواظب على قراءتها، وبدأ أنيس منصور يكتب فيها مقالات تحت عنوان: في صالون العقاد كانت لنا أيام، وكنت أيامها مغرمًا بالعقاد وسيد قطب، فبدأت التهم ما يكتبه أنيس منصور عن العقاد، وأتذكر أنه ما إن صدرت الطبعة الأولى لهذا الكتاب عن دار الشروق المصرية إلا وبادرت باقتنائه، وكان ثمنه في ذلك الوقت باهظًا، حيث اقترب من العشرة جنيهات، وتعجب زملائي أن أتشتري كتابًا ليس مقررًا بعشرة جنيهات؟ وكانت وقتها لها قيمة كبيرة بالنسبة لطالب جامعي مثلي، حيث كنا ندفعها لمدة شهرين كأجر للمدينة الجامعية نظير الإقامة والأكل، وكان ذلك عام 1983 م.. قلت لهم إنه كتاب عن العقاد، ويا ليتكم تعرفون من هو العقاد؟!.

في صالون العقاد كانت لنا أيام هو، كتاب ممتع يقع في ما يقرب من 700 صفحة من القطع الكبير، وذلك في طبعته الأولى، وهو الآن قي طريقه للطبعة التاسعة عشرة. يحكي الكتاب المسيرة الفكرية لأنيس منصور التي ارتبطت بالصالون الذي كان يتردد عليه بشكل أسبوعي, تبدو سيرة ذاتية للكاتب خلال فترة زمنية ليست بالقصيرة من حياته, لا شك أن لها أعظم الأثر في فكر الرجل, مواقف تحكي مواضيع عدة ناقشها الأستاذ, مواقف تحكي فكر شخصية الأستاذ, المترددون على هذا الصالون تنوعت مذاهبهم ومشاربهم, جمع الأزهري واليهودي وما بينهم وما بعدهم, يوحي لك بقدرة هائلة على كسب احترام شريحة واسعة من العقول. كما يعد هذا الكتاب هو الأهم في مسيرة أنيس منصور. إنه يحوي سيرة كل العظماء من ورد في ذكرك ومن لم يرد... أنت تقرأ عن العقاد نكته ونوادره علمه أفكاره وكذلك لطه حسين وتوفيق الحكيم وكل أدباء ذلك العصر...تقرأ عن الأدب العالمي وقصص مؤثرة في حياة الكاتب..من كل بحر قطرة...وأظن أنك في النهاية تقرأ فكر وخيالات أنيس منصور..