صفقة شاليط .. وعزلة إسرائيل

كتب بواسطة: وحيد عبد المجيد | في الملف . بتاريخ : Jun 17 2012 | العدد :86 | عدد المشاهدات : 2270

صفقة شاليط .. وعزلة إسرائيل

نسخة للطباعة
تثير صفة إطلاق الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط في مقابل 1027 أسيرًا فلسطينيًّا أسئلة مستقبليَّة ذات صلة وثيقة بمغزاها الجوهري المتعلق بإمكان فتح باب الأمل في التسويات السياسيَّة مجددًا بعد أن كان قد أغلق على مدى نحو ثلاث سنوات.
فربما تكون الدلالة الأولى هنا هي إعادة تأكيد إحدى النتائج المهمَّة التي أسفرت عنها الحروب العربيَّة الإسرائيليَّة الشاملة منذ 1948 وحتى 1973، وهي أنه ليس هناك حلّ عسكري نهائي لصراع شديد التعقيد، وأن العمل المسلَّح ليس سوى أداة واحدة من أدوات عدة، لكن الحل في النهاية يكون سلميًّا، ولذلك فليس هناك تعارض بين الإيمان بضرورة المقاومة وتثمين عملية اختطاف الجندي شاليط ومبادلته في النهاية بأكثر من ألف أسير فلسطيني، والاعتقاد بأنه ما كان لهذه العمليَّة أن تثمر شيئًا بدون التفاوض الذي حدث عبر الوسطاء المصريين وغيرهم.
فقد حققت المقاومة نجاحًا مقدرًا، وأثبتت إسرائيل فشلًا واضحًا في الوصول إلى مكان احتجاز شاليط على مدى نحو 64 شهرًا، والأرجح أنه ما كان لها أن تقدم تنازلًا مهمًّا في قضية كانت محوريَّة لديها إلا بعد أن فقدت الأمل في إمكان كشف مكان جنديها وتوفير المعلومات الاستخباراتيَّة الدقيقة اللازمة لاستعادته عبر عمليَّة عسكريَّة.
غير أنه يصعب، في الوقت نفسه، إغفال أهميَّة التحولات التي تحدث نتيجة تغير مدركات القادة ومواقفهم، فبدون الموقف الذي تبنَّاه مدير "الشاباك" الجديد والمساندة التي لقيها من بعض قادة أجهزة الأمن الإسرائيلية الأخرى، لما تمكّن نتنياهو من اتخاذ القرار بإنجاز الصفقة رغم حاجته الشديدة إلى مثل هذا الإنجاز داخليًّا وإقليميًّا.
ويقودنا ذلك إلى دلالة ثانية للصفقة لا يمكن تقليل أهميتها، وهي أن السياسة متغيرة دائمًا وأنه لا توجد مواقف مطلقة أو حتى نهائيَّة، فنتنياهو الذي تواجهه الآن ضغوط اجتماعيَّة داخليَّة لا يستطيع تلبية المطالب المتعلقة بها كاملة، بات مضطرًّا لتحقيق ما يمكن أن يعتبر نجاحًا له في مجال آخر لتعويض عدم قدرته على الإنجاز الداخلي، وقد وجد في صفقة التبادل ما يتيح له الظهور أمام قطاع واسع من الرأي العام كزعيم ناجح.
لذلك حرص على أن يظهر مع شاليط في أول صورة تُلتقط له لدى وصوله، رغم أن اللباقة تفرض أن تكون هذه الصورة مع والد الجندي العائد من الأسْر، ولا يمكن في الوقت نفسه إغفال أهمية العزلة التي تشعر بها إسرائيل وحكومتها بعد التغيير الذي بدأ في مصر وتداعيات "الربيع العربي" الأخرى، فضلا عن التدهور الشديد في علاقاتها مع تركيا.
ولذلك كان على إسرائيل أن تتخذ من صفقة التبادل معبرًا جديدًا إلى مصر ووسيلة لترميم العلاقات التي بدت مهددة في الشهرين الأخيرين بعد قتل جنود مصريين على الحدود معها، وتصاعد ردّ الفعل الغاضب على ذلك الحادث وصولا إلى اقتحام مدخل سفارتها في القاهرة.
وإذا كان لهاتين الدلالتين جوانب إيجابيَّة قد تساهم في إبقاء باب التسوية السلميَّة لقضية فلسطين مواربًا، أو على الأقل عدم غلقه بشكلٍ نهائي، فقد لا تكون الدلالة الثالثة كذلك من حيث أنها تدل على مدى سلبيَّة السياسة الأمريكيَّة تجاه هذه القضية.
فثمة شواهد تدل على أن إمكانات إنجاز الصفقة ازدادت عندما تحولت واشنطن من الحذر تجاهها إلى تشجيعها، فقد وقفت موقف الحذر تجاه هذه الصفقة من قبل، تماهيًا مع الموقف الغالب في إسرائيل لسبب أساسي هو القلق من أن تؤدي إلى تشجيع "حماس" وفصائل أخرى على السعي إلى أسْر جنود آخرين لمبادلتهم، لكن حذر واشنطن كان مرتبطًا -وفق بعض الروايات- بحرصها أيضًا على عدم منح "حماس" أيَّة ورقة تدعم مركزها على نحو قد يضعف موقف عباس والتيار الذي يسعى إلى حل تفاوضي.
وقد تغيَّر موقف واشنطن بعد أن يأس عباس من انتظار مفاوضات لا تأتي وقرر التوجه إلى الأمم المتحدة وقاوم الضغوط الأمريكيَّة لثنيه عن الذهاب إلى مجلس الأمن طلبًا للاعتراف بالدولة، وإذ حدث ذلك لم يعد لدى واشنطن ما تخشاه من إتمام الصفقة بعد أن غضبت على عباس الذي لم بفعل أكثر من إعفاء إدارة أوباما من وعودها التي أخفقت في الوفاء بها، وعندما قبلت إسرائيل الصفقة، لم يبق لدى واشنطن ما يدفعها للتحفظ على إتمامها.
وهذه دلالة سلبيَّة تفيد أن الدور الأمريكي لا يزال بعيدًا عن الحد الأدنى من متطلبات فتح الطريق أمام تسوية سلميَّة لقضيَّة فلسطين