قيرغيزستان .. الحريّة تؤتي ثمارها

كتب بواسطة: حسن شعيب | في الملف . بتاريخ : Jun 17 2012 | العدد :86 | عدد المشاهدات : 2327

قيرغيزستان .. الحريّة تؤتي ثمارها

نسخة للطباعة
تحجب شمس الأحداث الإقليميّة أحيانًا مشاهد دوليّة هامّة.. فقليلون-مثلاً- يعرفون أن ربيع قيرغيزستان سبق الثورات العربيّة بعام ونصف، بعد ثورتين لإسقاط النظام في أقلّ من عشر سنوات.
وكما هو الحال في كثير من الدول العربيّة، كان الظلم وغياب العدالة وتدنّي الخدمات المعيشيّة ومستوى الدخل والفقر المدقع، بالإضافة إلى العديد من المشكلات السياسيّة والاجتماعيّة هي الأسباب الرئيسة وراء اندلاع ثورة قيرغيزستان، قبل عام ونصف، وتحديدًا في أبريل عام 2010، أعقبتها أعمال عنف عرقيّة في جنوب البلاد بين الأوزبك والقرغيز أوقعت (470) قتيلاً.

ربيع آخر
وعلى الرغم ممّا واجهته الثورة من الهجوم، وما لاحقها من تشاؤم، وما صحبها من أعمال العنف، استطاعت الثورة أن تلتزم بمسارها، وأن تضع دستورًا جديدًا للبلاد، ساهم في جعل قرغيزستان دولة ديمقراطيّة برلمانيّة، وأن تجري انتخابات تشريعيّة، بعد ستة أشهر فقط من الثورة، أشاد بها المراقبون الدوليّون، معتبرينها (حرّة وعادلة).
وبمزيد من الصبر والحرص على مصلحة البلاد، بدأت ثورة قيرغيزستان تؤتي المزيد من ثمارها؛ فقد أُجريت الانتخابات الرئاسيّة- المُعوَّل عليها في وضع حدٍّ للنزاعات والاضطرابات العرقيّة الموجودة في البلاد- في مناخ أشاد به الكثير من المسؤولين والمراقبين.
وقد خرج أكثر من ثلاثة ملايين ناخب، يوم الأحد الماضي، لاختيار رئيسهم الجديد من بين (16) مرشحًا في الانتخابات الرئاسيّة الأولى منذ الثورة التي أطاحت الربيع الماضي بالرئيس كرمان باكييف، وسط مخاوف من أعمال عنف عرقيّة.
       
جدل متكرر
ووفقًا للنتائج الأوليّة للفرز فقد فاز ألمظ بك أتامباييف الذي يترأس الحزب الاجتماعي الديموقراطي، ورئيس وزراء قيرغيزستان السابق، ومرشّح شمال البلاد دون جولة إعادة، على الرغم من أن عمليّة التصويت في نحو (2300) مكتب اقتراع، والتي تجري في ظل إجراءات أمن مشدّدة تحسّبًا لهجمات مسلحة، تمّت في أجواء مشحونة بالصراع بين مرشحي جنوب البلاد وشمالها، مما يهدّد وحدة الدولة التي تقع في آسيا الوسطى، ويبلغ عدد سكانها (5.3) ملايين نسمة، وتضم قواعد عسكريّة أمريكيّة وروسيّة.
وعلى الرغم مما أظهرته نتائج الانتخابات من فوز أتامباييف بأكثر من 64% من نسبة الأصوات، ونسبة المشاركة الكبيرة في الانتخابات، والتي وصلت إلى  نحو 80% من الناخبين، فقد انتقد عدد من المرشحين سير الانتخابات التي شهدت برأيهم "انتهاكات كثيرة"، وتوعّدوا بإنزال أنصارهم إلى الشوارع، مما جعل وزير الداخليّة القرغيزي يحذر من ذلك، ويتوعّد بأن الأجهزة الأمنيّة ستتصدّى بقوّة لأيّ محاولات للتظاهر أو لأي أعمال عنف.
وقد أصدر "كامشي بيك تاشييف"، المرشح الرئاسي لحزب (أتا شورت) والحاصل على نحو 14% من الأصوات، بما يضعه في المرتبة الثانية على قائمة المرشحين التي تضم (16) مرشّحًا، بيانًا تحت عنوان "لا نعترف بفوز أتامباييف"، مستندًا إلى تقارير تفيد بأن بعض الأشخاص لم يستطيعوا العثور على أسمائهم في كشوف الناخبين، بالإضافة إلى محاولات فرديّة لرشوة الناخبين أو تهديدهم.
وهذا ما أكّده نائب الجمعيّة البرلمانيّة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا حينما قال: "عمليًّا، هناك أشخاص في كافة مراكز الاقتراع لم يستطيعوا العثور على أسمائهم في كشوف الناخبين"، لكنه استدرك قائلاً: "لكن لم تكن هناك انتهاكات خطيرة".
كما أشار عدد من المسؤولين عن لجنة الانتخابات أن عمليّة التصويت جرت بدون وقوع أي حوادث كبيرة، كما قالت الرئيسة القرغيزية المؤقتة (روزا أوتونبايفا) للصحفيين -أثناء إدلائها بصوتها في العاصمة بيشكيك-: "لقد أوجدنا ظروفًا نزيهة للغاية لجميع المرشحين، ولا يتمتّع أي منهم بمزايا غير قانونيّة"، مضيفة أن "هذه الانتخابات ستكون حرة ونزيهة".

دعوات متجددة
وفي الوقت ذاته، أشارت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا إلى مخاطر تعميق الخلافات في قيرغيزستان، إلى أن الانطباع العام يشير إلى أن الانتخابات قد تعمّق الهوة بين الشمال والجنوب، وبإمكانها أن تضرب استقرار البلاد، لذلك فقد دعت منظمة (هيومن رايتس ووتش) ألماظ بك أتامباييف الرئيس الجديد لقيرغيزستان إلى وقف أعمال العنف والتعذيب، وتوفير حريّة الإعلام، وقد قال المدير الإقليمي للمنظمة في أوروبا وآسيا الوسطى: "إن على ألماظ بك أتامباييف احترام حقوق الإنسان، وإيقاف التجاوزات، ووضع حدٍّ للتعذيب والمحاكمات العشوائيّة التي باتت شائعة، وضمان حريّة الإعلام".
جدير بالذكر أن دستور قيرغيزستان الجديد ينصّ على انتخاب رئيس البلاد لمدة (6) سنوات، ولا يمكن إعادة ترشّحه لفترة ثانية، كما تعيش قيرغيزستان ذات الخمسة ملايين نسمة (القيرغيز69%، الأوزبك 14.5%،الروس 8.1%)، انقسامات عدة: بين القيرغيز والأوزبك، وبين الشمال المتمدّن نسبيًّا، والجنوب الفقير الذي يغلب عليه الطابع القروي الريفي